LOGINمع انطلاق جرس الإنذار، بدا قصر الراسني وكأنه استفاق دفعة واحدة.كان زوجا الجناح الثاني يراقبان الوضع خارجا، ولما رأيا مالك يخرج من مكتب ظنا أن ما حدث اليوم قد انتهى، لكن صوت الإنذار أثار يقظتهما فورا."ما الأمر؟ ماذا حدث؟"خرج جاد متظاهرا بأنه استيقظ للتو ليرى ما يجري.ولحقت به ندى مباشرة.كما بدأ الخدم والقيمون في القصر بالاستيقاظ واحدا تلو الآخر.لم تمر لحظات قليلة على صوت الإنذار حتى وصل الطاقم الطبي.وتحول هدوء القصر إلى ضجة مترقبة، فعيون الجميع كانت تتجه نحو مكتب زيد.في داخل الغرفة.كانت فادية قد وضعت الألبوم جانبا منذ لحظة، ومع انطلاق الإنذار عاد مالك إلى الغرفة فورا."ما الذي حدث؟" لم تكن فادية تعرف ما يجري في الخارج، لكنها شعرت أن هذه الضجة لا بد أنها متعلقة بمالك.كان مالك قبل قليل بارد الملامح، لكن بمجرد أن وقعت عيناه على فادية عاد الدفء تدريجيا إلى صدره.وما إن دخل الغرفة حتى أسرع نحوها بلا تردد."مالك..." نظراته الملتهبة أفزعتها قليلا، وما إن نادت اسمه حتى شد ذراعيه حولها أكثر.تصرفه زاد من قلقها، فبادلت حضنه بطمأنة خفيفة، ثم سألت من جديد: "ما الأمر؟""لا شيء... سأخرجك من
استعاد مالك ذكريات تلك الأيام، فاشتد بغضه لزيد أكثر فأكثر. وقال بحدة: "أما زلت تذكر موتها؟"هي؟شروق الشافعي…لمع في عيني زيد شيء من الاضطراب."هي رحلت، ومع ذلك لم تلاحق الحقيقة. الجميع قال إنها أصيبت بمرض في قلبها، وإنها فقدت الأمل واختارت إنهاء حياتها. لكن الأمر مليء بعلامات الاستفهام.""ولماذا أصيبت هي أصلا بذلك المرض؟ ألست أنت أدرى الناس بذلك يا الشيخ زيد؟""كنت تحب غيرها، ومع ذلك لم تطلق سراحها. تركتها تذبل في هذا القفص حتى صارت ظلا لنفسها.""تقولون إنها فقدت الأمل؟ هذا أسخف ما سمعت. هي أحبت بصدق، فكيف كانت لتترك من أحبته وحيدا وترحل دون رحمة؟"خفض مالك نظره.قد تخلت عنه وتركته وحيدا في عائلة الراسني، لكنها لم تستطع يوما التخلي عن سامي.وفي لحظة واحدة، لملم مالك ما تبقى من خيبته العميقة.وحين التفت مجددا إلى زيد، كان البغض في عينيه أشد من قبل. "وسامي… الخادم الذي أرسل له شفرات، من الذي أمره؟ أنت لم تهتم حتى بمعرفة الحقيقة.""زيد، قل لي… من الذي يهمك حقا في هذه الحياة؟""أنت تهتم بها هي!"جال مالك بنظره إلى المرأة التي يحميها زيد بين ذراعيه، فشعر بمرارة لأجل والدته الراحلة.تحت ذلك
كان زيد يشعر بالارتباك ولا يجرؤ على النظر إلى مالك.فعندما استعاد ما حدث، تذكر أنه في اللحظة الأولى لم يهتم بإصابة سامي، وأنه لم يتذكر أمره ثانية إلا بعد أن عاد إلى القصر القديم.والآن، أمام استجواب مالك، لم يكن يملك أي حجة.لكن مالك كان مصمما على سماع جواب واضح منه: "الطابق الثالث في المعرض تحفظ فيه أهم ممتلكات الشيخ زيد، وكل ممر فيه مغلق بأقفال مشفرة. فكيف صعد سامي إلى هناك؟"وبين كلماته، ألقى مالك نظرة خاطفة على نوراي، وكان الشك قد استقر في قلبه منذ البداية."مالك…"نطقت نوراي فجأة، وفي بريق عينيها كان الذنب واضحا. "مالك، هذا الخطأ سببي أنا."تفاجأ مالك قليلا.أتراها تعترف بأنها هي الفاعلة؟"اليوم صعدت إلى الطابق الثالث لأحصي اللوحات الخاصة بوالدك. وبعد أن أنهيت عملي غادرت… لم أنتبه أن الباب بقي دون إغلاق."كل كلمة خرجت منها كانت مليئة بالندم، لكن في أذن مالك، كان كل حرف يجرح أكثر من الذي قبله.ابتسم بسخرية.وفي ركن الغرفة، أسرعت المساعدة التي ظلت صامتة طوال الوقت وقالت: "سيدي الثالث، ليست السيدة هي المخطئة. في العادة حين تصعد السيدة إلى الطابق الثالث، تفتح القفل السري، وعند مغادرته
لكن ما إن أنهى كلامه حتى بادره مالك بنبرة باردة يشكك فيها: "إذا كنت تعرف أنك والده؟"في ذلك العام، حين جرح سامي نفسه في هذا القصر، ظلت تلك الشفرة عقدة عالقة في قلب مالك.لقد ترجاه مرارا أن يحقق في الأمر، لكن كيف كان موقفه وقتها؟دافع تلك الخادمة كان هشا لدرجة أنه هو نفسه لم يقتنع به؛ كان واضحا أنها مجرد كبش فداء دفع بها إلى الواجهة، ومع ذلك آمن زيد بأنها الجانية.نظر مالك إلى نوراي بنظرة استخفاف وقال: "كنت أظن أن قلبك لا يسع غير زوجتك الصغيرة.""مالك!" انتفض زيد واقفا، والتقط قلما من جانبه ورماه باتجاه مالك بقوة.مر القلم بمحاذاة مالك.وارتطم بالجدار خلفه بصوت واضح، دوى في سكون الليل.ارتجف جسد زيد غضبا، فسارعت نوراي نحوه، تضع يدها على صدره بقلق: "زيد، مالك قالها في لحظة غضب، لا تأخذ الأمر على محمل الجد."وبوجود كلماتها المواسية، هدأ زيد تدريجيا.وقفا متجاورين، ورغم فارق السن بين الزوجين، إلا أنهما بديا متناسقين ومحبين. هذا المشهد وحده كان كافيا ليثير في نفس مالك قرفا شديدا."مالك، ما مضى جعلك تحمل الكثير من الظنون تجاهي، لكن والدك كان دوما يحمل همكما أنت وسامي. مشكلته أنه لم يعرف يوما
على المكتب، رصت مجموعة سميكة من دفاتر الصور.فتحت فادية الصفحة الأولى، فرأت مالك في سن المراهقة.كان شابا حاد الملامح، ملامحه الآن هي ذاتها لم تتغير، ووسامته يومها لم تكن ببرودة اليوم.قلبت فادية الألبوم، وفي كل صورة كان يظهر أحيانا طرف ابتسامة خفيفة على شفتيه.كان في الألبوم، إلى جانب مالك، يوسف في سن الشباب، وفتاة أخرى.تلك الفتاة، رأتها فادية من قبل.هي نفسها التي ظهرت في الصورة المعلقة في المبنى الصغير خلف قصر الهاشمي يوم كانت في مدينة الياقوت.اسمها جوجو!حدقت فادية في ملامح جوجو في الصورة؛ فتاة مفعمة بالحيوية، وابتسامتها مشرقة.كانت تعرف أن الحفيدة التي تبناها الجد، كانت عيناها تشبهان عيني ربى الخالدي.لكن مقارنة بجنى، كانت عينا جوجو تبتسمان فعلا، وابتسامة عينيها تمنح من يراها شعورا بالود والقرب.مالك… لا بد أنه أحب هذه الفتاة يوما.وفي هذه اللحظة تأكدت فادية أن الفتى الذي رأته صورته مطموسة بالسواد في مدينة الياقوت كان هو مالك.وتلك الفتاة… كانت تبادله المشاعر!كانا يبدوان مناسبين لبعضهما جدا.أغيورة؟وكأن صوتا خفيا تردد في رأسها.رفعت فادية حاجبا، وكأنها تخفي شيئا، وضحكت بخفوت ق
كل زاوية هنا تنطق بالانضباط والصرامة.وكأنها تذكر الداخل بأن لا يتجاوز حده."السيد الثالث، الشيخ زيد بانتظارك في مكتبه." قال مساعد زيد الواقف عند الباب الرئيسي.وكأنه لا يريد تنبيه الآخرين في قصر الراسني، فخفض صوته قدر المستطاع.مالك لم يلتفت إليه حتى، أمسك بيد فادية وصعد مباشرة إلى الطابق الثاني.غرفة المكتب لزيد تقع في أقصى الشرق من الطابق، لكن مالك، وهو يمسك بفادية، توقف أمام إحدى الغرف في الجهة الغربية."ادخلي واستريحي في غرفتي." قالها مالك وهو يضع يده على كتفها.التعب الواضح في عينيه جعل فادية تعقد حاجبيها بقلق.هي تعرف أنه على وشك مواجهة والده. ما حدث اليوم… سواء كان زيد أو مالك، فكلاهما يريد سماع الجواب من فم الآخر."حسنا."أطاعته فادية.فتح لها مالك باب الغرفة، وانتظر حتى دخلت، ثم التفت مطمئنا.وقبل أن يخطو خطوتين، نادته فادية."مالك…"توقف مالك والتفت إليها، وتحول ذلك الوجه المتجهم إلى ابتسامة دافئة."نعم؟"كان ينتظر وصيتها.ولوهلة، بدا المشهد وكأن زوجا على وشك الخروج لأمر مهم، وزوجته تودعه بقلق قبل رحيله."سأكون هنا بانتظارك."قالت فادية ذلك ثم أغلقت الباب.أما مالك، فظل ينظر







