Share

الفصل 4

Author: قيد على الحسن
تجمدت ياسمين في مكانها.

عضّت على شفتيها الشاحبتين وقالت: " هل هذا ما يقصده؟"

"نعم."

كريم في الحقيقة لم يكن يحب ياسمين، رغم أنها مجتهدة في عملها وذات كفاءة، لكنها في البداية استعملت وسائل غير شريفة للزواج بالأجبار.

امرأة كهذه، تثير اشمئزازه.

قال ببرود: " السيد عمر الراسني أوصى أن تبقي في المكتب اليوم ولا تذهبي إلى أي مكان حتى تهدأ الضجة."

وأضاف بلهجة قاسية: "وإذا لم تستطيعي تنفيذ ذلك، فشركة الأفق الأزرق لا تحتفظ بالأشخاص عديمي الفائدة!"

كانت ياسمين تعلم أن عمر لا يحمل لها أي مشاعر، لكنها لم تتوقع أنه حتى في وقت الطلاق سيكلفها بأمر كهذا.

أن يجعل الزوجة الشرعية تدافع عن عشيقته في الخارج، وتغطي على فضيحة حقيقية!

شعرت ياسمين بصدمة غاضبة تخترق صدرها، واشتد الألم في بطنها، فاستندت إلى الطاولة لتخفي انزعاجها، ثم نظرت بسخرية إلى بطاقة عملها الموضوعة أمامها.

أمسكتها، ولفّت خيطها حول البطاقة.

قالت بهدوء: "صحيح أن شركة الأفق الأزرق لا تحتفظ بأحد عديم الفائدة، لكنني لم أعد أستطيع القيام بهذا العمل." ثم وضعت البطاقة جانبًا وأضافت: "أنا أستقيل."

كانت قد أرسلت طلب الاستقالة ليلة أمس مع أوراق الطلاق،

لربما تأخرت الإجراءات ولم تصل بعد إلى عمر. أما اليوم، فبخصوص عمل يتعلق بليلى، فهي لن تتولاه.

قالت بثبات: "أي أمر يخص ليلى بعد الآن لا علاقة لي به، فليُكلف السيد الراسني شخصًا آخر. شركة الأفق الأزرق كبيرة، ولن تتأثر بغيابي!"

تفاجأ كريم لوهلة.

تستقيل ياسمين؟

هل تجرؤ فعلاً على ترك وظيفة تقربها من السيد الراسني؟

أم أنها مجرد حيلة جديدة لتثير انتباهه؟

عاد كريم إلى الطابق العلوي.

كان عمر مشغولاً بجدول أعمال مزدحم، يستعد للقاء السيد حاتم من شركة الشرقي للتكنولوجيا.

قال كريم: " السيد الراسني، هذا عقد شركة الشرقي، تفضل بالاطلاع."

خفض عمر بصره على الأوراق ثم سأل: "موضوع ليلى، كيف تعامل معه قسم العلاقات العامة؟"

تردد كريم قليلاً: "المديرة ياسمين…"

"تحدث مباشرة."

قال كريم: "المديرة ياسمين قالت إنها لا تستطيع معالجة الأمر."

"وقدمت استقالتها، وقالت إن أي أمر يخص الآنسة ليلى السويدي لا يجب أن يُحال إليها بعد الآن."

توقف عمر عن تقليب العقد، ورفع رأسه، وعيناه خاليتان من الدفء.

سأل: "قدمتها اليوم في الشركة؟"

أجاب كريم: "المديرة ياسمين كانت قد طلبت إجازة اليوم، لكنني استدعيتها على عجل. قسم الموارد البشرية قال إنها قدمت الطلب أمس بالفعل."

سأل عمر فجأة: "إجازة؟" لم يهتم بالاستقالة، بل توقف عند موضوع الإجازة.

لم يفهم كريم ما يدور في ذهنه، فتردد قائلاً: "ربما كان لديها أمر مهم جدًا، فخلال ثلاث سنوات لم تطلب إجازة قط."

كان عمر يعرف هذه الحقيقة.

كانت ياسمين تبدو باردة ومنعزلة، لكنها في الواقع جادة للغاية تجاه عملها والآخرين، ذكية وذات حنكة، ولهذا استطاعت أن تصبح مديرة قسم العلاقات العامة في أقل من عامين.

أن يدفعها الأمر إلى أن تطلب إجازة ثم تستقيل…

هذا أمر غير عادي بالنسبة لها.

خفض عمر بصره متأملاً، ثم فجأة تغيرت ملامحه إلى قسوة، ونهض واقفًا.

"يمكن قبول استقالتها، لكن عليها أولاً أن تنهي موضوع ليلى. إن لم تُحسن التعامل مع الأمر، وخرجت سمعة سيئة إلى الوسط، فلتتحمّل هي العواقب وتفكّر جيدًا."

أصيب كريم بالدهشة.

كان من المفترض أن السيد الراسني يريد التخلص من ياسمين منذ زمن، فلماذا الآن يتمسك بعدم تركها ترحل؟

لم يجد تفسيرًا لذلك.

قال كريم: "بالمناسبة، السيد الراسني، هناك أيضاً ملف أرسلته المديرة ياسمين…"

رن هاتف عمر، فرفع يده دون أن يلتفت وقال: "القاعدة المعتادة."

القاعدة المعتادة كانت أن كل ما ترسله ياسمين يُهمل.

فقد سبق أن أرسلت له ملابس، وربطات عنق، وأزرار أكمام، وهدايا يدوية.

وبما أن مشروع الشركة الرئيسي يتعلق بالدرونز، صنعت له نموذجًا بيدها لتتقرب منه.

لكنه لم ينظر إلى أي منها، بل تُركت في خزانة مكتبه المغلقة تتراكم عليها الغبرة.

وأحيانًا، عند الحاجة الطارئة، تُستعمل بعض تلك الأشياء فقط.

يعرف كريم هذه العادة جيدًا، لذا رمى الملف غير المفتوح في الخزانة نفسها مرة أخرى.

لتظل كل محاولات ياسمين وجهودها، بلا قيمة.‬
Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بعد مرضها القاتل، الآنسة ياسمين تحل مكان حبه الأول   الفصل 100

    ‬‬أمسكت ياسمين بيد سارة، ونظرت بهدوء إلى مازن قائلة: "نحن هنا نيابةً عن السيد وائل."رفع مازن حاجبيه باستغراب وقال:"متى أصبح السيد وائل بهذه العفوية؟ يرسلكما لحضور مناسبة هدفها بناء العلاقات الاجتماعية؟"هو يعرف سارة جيدًا، لا تهتم إلا بالمرح واللهو، وأما صديقتها ياسمين، فماذا يمكن أن تقدم في مثل هذه المناسبة؟كانت ياسمين تدرك أن مازن يحمل تجاهها أحكامًا مسبقة، لكنها لم تردّ، بل أمسكت بيد سارة وتوجهت إلى جناحٍ آخر من المعرض.وبالصدفة، مرت بجانب رجلٍ قادم من الاتجاه المقابل.وقع نظر أكرم القطان على وجه ياسمين، ولم يستطع أن يمنع نفسه من التوقف لثوانٍ يتأملها.لاحظ مازن نظراته، فتقدم نحوه مبتسمًا وقال: "أكرم، تلك أختي، اعتادت أن تتصرف بلا مبالاة، لذلك أراقبها وأراقب صديقتها حتى لا تثيرا المشاكل."رفع أكرم حاجبيه وسأل: "كلاهما أختك؟"وقبل أن يجيب مازن، ارتفعت أصوات الضجيج من القاعة الرئيسية.التفتت ياسمين نحو مصدر الصوت.لقد وصل عمر وليلى لتوّهما، وبما أنهما من كبار الضيوف، هرع الجميع لتحيتهما.كانت ليلى تبتسم بأناقة وهي تمسك بذراع عمر، تتعامل مع كلمات المديح من حولها بثقة واتزان.رأيا ي

  • بعد مرضها القاتل، الآنسة ياسمين تحل مكان حبه الأول   الفصل 99

    ‬‬كانت ياسمين تشعر بشيء غريب وهي تنظر إلى الجدة التي بدت في غاية الحماس، وقالت بتردد: "هو... رحل بالفعل."لم تكن متأكدة متى غادر عمر الليلة الماضية، لكن من شكل السرير، كانت متأكدة تمامًا أنه لم يبت هناك.تغيرت ملامح الجدة فجأة وقالت بدهشة:"رحل؟ إنها السابعة والنصف فقط، استيقظت في السادسة ولم أره يغادر!"لاحظت ياسمين أن الجدة ليست على ما يرام، فحاولت تهدئتها وسألتها بلطف:"جدتي، ما الأمر؟"نظرت إليها الجدة بفضول ثم تنهدت بعمق وقالت:"الدواء الذي أعطيته له البارحة لم يكن مقويًا، بل كان... دواءً يثير الرغبة."الطب التقليدي بحر واسع من الأسرار، وقد طلبت الجدة خصيصًا من السيد ناصر الهادي أن يُحضّر الدواء بنفسه.لكن من الواضح أنه لم يُستخدم إطلاقًا!فحالة ياسمين لا توحي أبدًا بأنها قضت ليلة حميمة.تصلبت ملامح ياسمين، وعضّت على شفتيها دون أن ترد.لم يكن غريبًا أن بدا صوت عمر مبحوحًا قليلاً الليلة الماضية...أما متى غادر، فذلك ما لم تعرفه.من الطابق العلوي، نزلت رنا وهي تتثاءب، وقالت وهي تمر بجانب ياسمين:"جدتي، لا حاجة لأن يُعد المطبخ الفطور لأخي، فهو تناول طعامه في الخارج."في الخارج...لا

  • بعد مرضها القاتل، الآنسة ياسمين تحل مكان حبه الأول   الفصل 98

    ‬أعاد عمر يده بهدوء، ونظر إلى الجدة قائلاً بنبرة باردة: "هل أنتِ راضية الآن؟"اطمأنت الجدة قليلاً، لكنها مع ذلك أمرت الخادمة أن تحضر له وعاءً من الدواء قائلة:"اشرب هذا المقوّي، فهو مفيد لجسمك."ولأن الجدة كانت مصرة، لم يرَ عمر داعيًا للجدال معها، ولم يسأل حتى عن نوع الدواء، بل رفع الوعاء وشربه دفعة واحدة.ابتسمت الجدة برضا، ثم التفتت نحو ياسمين التي كانت غارقة في التفكير وقالت:"ياسمين؟ تعالي، دعي السيد ناصر الهادي يفحصك قليلاً ويهتم بصحتك."رفع عمر نظره إليها ببطء، بينما قبضت ياسمين أصابعها بتوتر.شعرت بانسداد في حلقها وقالت بصوت خافت: "أنا..."لا يمكنها أن تسمح له بالفحص.فالسيد ناصر طبيب تقليدي بارع، وكان لسنوات يتولى رعاية الجدة، ولو فحصها الآن لاكتشف حالتها الحقيقية.سألتها الجدة بقلق: "ما بكِ يا ياسمين؟"شحب وجه ياسمين وقالت:"جدتي، أنا بخير حقًا، لا داعي لأن أزعجكم."قالت الجدة بإصرار وهي تمسك بيدها:"لقد نحفتِ كثيرًا، وأشعر أنك لا تهتمين بنفسك كما يجب. لا بأس، مجرد فحص بسيط ووصفة دواء مقوّي لن تضر."تسارعت أنفاس ياسمين، وبدأ العرق البارد يتصبب من راحتيها.لقد وجدت نفسها في مو

  • بعد مرضها القاتل، الآنسة ياسمين تحل مكان حبه الأول   الفصل 97

    ‬‬‬‬‬تألقت عينا ياسمين للحظة، واشتدت قبضتها على العيدان دون وعي.لم يفُت رنا ذلك الوميض في عينيها، فازدادت ابتسامتها اتساعًا، ومدّت الهاتف أمام عمر بإصرار، مطالبةً بإجابة واضحة: "أخي، هل أعجبتك أم لا؟"وقع بصر عمر البارد على الشاشة، دون أن يظهر على وجهه أي انفعال.ثم نظر إلى رنا نظرة تحذير صريحة.ارتبكت رنا قليلاً وسحبت هاتفها بسرعة.كانت تعلم أن علاقة أخيها بزوجته لا يمكن الإعلان عنها بعد، لكنها لم تستطع كبح فضولها تجاه ردة فعل ياسمين، ولم تكن تنوي إغضاب عمر.سألت الجدة، وقد لاحظت التوتر في الجو: "ما الأمر؟"ابتسمت رنا واقتربت منها قائلة بمزاح: "لا شيء يا جدتي، فقط أريتُ أخي شيئًا يحبه كثيرًا."لم تفهم الجدة ما يدور بينهما، فاكتفت بربت رأس الفتاة بلطف، دون أن تسأل أكثر.أما ياسمين فبقيت منخفضة الرأس، وملامحها هادئة كصفحة ماء ساكنة، باردة إلى حدّ أنها بدت كغريبة تراقب من بعيد قصة "حب" يحسدها الجميع.أنهى عمر طعامه، ووضع العيدان جانبًا، ثم صعد إلى الطابق العلوي.تذمّرت الجدة قائلة:"ما إن ألتفت حتى يختفي! ياسمين، اذهبي ناديه لينزل."كانت ياسمين تفكر في عذرٍ لتغادر، لكن أمام إصرار الجدة

  • بعد مرضها القاتل، الآنسة ياسمين تحل مكان حبه الأول   الفصل 96

    ‬شعرت ياسمين ببعض الارتياح أخيرًا.تناولت الغداء مع سامر، وبعد أن هدأت حالتها وتعافت من آثار العلاج، عادت إلى شركة الريادة لتُنهي ما تبقّى من عملها.أما عمر، فلم يتواصل معها بعدها.في اليوم التالي، وقبيل انتهاء الدوام، تلقت ياسمين اتصالا من الجدة:"يا حبيبتي، متى تنتهين من عملك؟"أجابت ياسمين وهي تُغلق الحاسوب: "حالا."قالت الجدة بفرح: "ممتاز! لقد أرسلت عمر ليأخذك، عودي معه إلى البيت، فهناك أمر أريد منكما الحضور من أجله."تفاجأت ياسمين قليلا: "جدتي، لكن لدي بعد قليل..."قاطعتها الجدة: "لقد وصل إلى أسفل المبنى، انزلي مباشرة.""..."فركت ياسمين صدغها المتعب، فهي تعلم أن عمر لم يكن ليأتي لولا أمر الجدة الصريح.جمعت أغراضها على عجل، ثم نزلت.وكما توقعت، رأت سيارة بنتلي موشان متوقفة أمام المبنى.نزلت النافذة، ونظر إليها عمر من مقعد السائق قائلاً ببرود: "اصعدي."كان المشهد غريبًا نوعًا ما.فخلال سنوات عملها في شركة الأفق الأزرق، حتى عندما كانت الجدة تطلب منه مرارًا أن يقلّها، لم يسبق له أن عاد معها في سيارة واحدة.أما الآن، وبعد أن تركت الشركة، وكفّ عن التحفظات، أصبح الأمر ممكنًا أخيرًا.فك

  • بعد مرضها القاتل، الآنسة ياسمين تحل مكان حبه الأول   الفصل 95

    ‬كانت كلماته حازمة ورسمية إلى حدٍّ جعل عيني ياسمين ترتجفان.شعرت بتوتر أعصابها، وجسدها الخفيف بعد جلسة العلاج الإشعاعي جعلها بالكاد تتمالك نفسها، فاستندت بخفية إلى مكتب الممرضة لتستعيد توازنها.تنفست ياسمين بعمق وقالت: "هناك الكثير من الغرف الفاخرة الأخرى، لماذا يصرّون على غرفة خالي؟ ما نواياهم بالضبط؟"نظر إليها عمر بهدوء وقال: "من المهم أن يبقى المريض في مزاج جيد. يمكنني نقل خالك إلى أفضل غرفة، وسأدفع تكاليف السنة كاملة دفعة واحدة."لم يُرِد أن يطيل الحديث، كانت لهجة رجلٍ يتعامل بالعمل فقط.كان واضحًا أنه يفعل كل هذا فقط لإرضاء والدة ليلى، لا أكثر.منذ مرض خالها، لم يمدّ عمر يد المساعدة ولو مرة واحدة، فكيف الآن يدفع تكاليف غرفة فاخرة لعام كامل، تصل إلى مئات الآلاف، إلا لأجل عائلة ليلى؟كانت ياسمين قد فكّرت سابقًا بنقل خالها إلى غرفة أفضل، لكنها لم تكن تملك القدرة المادية، وحتى بصفتها زوجة السيد عمر، لم يكن يُسمح لها باستخدام هذا الاسم لتسهيل الأمور، فبقيت تؤجل الأمر مرارًا.وحين رأت جدّية عمر، هدأت قليلًا وقالت بهدوء: "هل أعتبر هذا أنك تطلب مني خدمة؟"رفع عمر حاجبه وقد فهم قصدها: "و

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status