LOGINفي العاشرة من عمرها، وبعد عامين من التشرّد والتنقّل، أُخذت مرام العدلي، اليتيمة من آل العدلي، إلى بيت آل السويفي، إحدى أعرق العائلات النافذة في مدينة الزهراء، وتغيّر وليّ أمرها ليصبح رائد السويفي، الابن الثاني للعائلة. كان آنذاك قد أتمّ عامه الثامن عشر لتوّه، شابًا وسيماً دقيقَ الملامح، يفيض برودًا وتعاليًا يكاد يلامس الغرور. تأمّل تلك المسكينة الصغيرة من علٍ، بعينين باردتين تنضحان بالازدراء. كانت مرام تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تتمسّك بذلك الاستقرار الذي لم يأتِ بسهولة. بدت مطيعة مهذّبة منصاعة، ودموعها تلمع في عينيها، وهمست بصوتٍ خافت مرتجف: "… أخي؟" سخر ضاحكًا، ويده الموضوعة على رأسها تربّت عليها كما يُربّت على جرو، "أتُنقِصين منزلتي؟" لاحقًا، في ليلة بلوغها الثامنة عشرة، كان المطر يهطل بغزارة خارج النافذة. تسلّقت مرام إلى سرير رائد، وأحاطت خصره القوي بذراعيها، ثم رفعت رأسها بعناد وعضّت شفتيه الرقيقتين، وتشابكت معه في قبلة. شدّ الرجل خصرها بقوة، وأنفاسه ملتهبة، تتغلغل إلى أعماقها. تتداول الأوساط أن رائد السويفي، ابن إحدى أرقى الأسر النافذة، رجلٌ بعيد المنال، متحفظ متعفف، لا يقترب من النساء. وحدها مرام تعلم أنه عديم الوفاء وغد، ويلهو بلا حساب. تعلّقت مرام به بعنادٍ لعامين، ومع ذلك لم تحرّك في قلبه ساكنًا، فقطعت علاقتها به قطعًا تامًا. ... ولاحقًا، ظهرت مرام أمام رائد تمسك بذراع حبيبها بحميمية، وارتسمت ابتسامة في عينيها وهي تناديه: "عمي." في تلك الليلة، داخل غرفة ضيّقة، كانت الغيرة تشتعل في عمق عينيه الداكنتين، فقبض بقوةٍ على خصرها النحيل ودفعها إلى زاوية الجدار: "عمي؟ ألستُ خطيبكِ؟" ... "علاقة عمّ مزيفة، وصاية، ندم ومطاردة بعد الفراق، فارق عمر ثماني سنوات" غيرة وهوس، تعلّق عنيد، محرَّم، انغماس حتى السقوط. لا أخشى أعراف الناس، وسأحبك إلى الأبد.
View More"أنا أقول الحقيقة!"دوت صرخاته الحادة خارج الغرفة، وهو يهتف بذعر: "إنها من عائلة السويفي، أغنى عائلة في مدينة الزهراء!""أرجوكم... دعوني أرحل! لقد قلت كل ما أعرفه!"وفي الداخل، وعلى بُعد ستارة واحدة فقط، كانت رائحة الشاي تعبق في المكان.جلس الرجل ببدلته الأنيقة إلى جانب طاولة الشاي.رفع فنجان الشاي بأصابعه الطويلة إلى شفتيه، وارتشفه بهدوء وتمهّل، بينما بدت عيناه هادئتين على نحو مريب.ومن خلف البخار المتصاعد، غدت نظراته العميقة باردة كأعماق البحر.ارتفعت زاوية شفتيه قليلًا، لترتسم ابتسامة باهتة تحمل سخرية واستهزاء واضحين.عائلة السويفي في مدينة الزهراء... ومجموعة رسوخ.هه... خرجت من بين شفتيه ضحكة ساخرة باردة.خارج الستار، توقفت صرخات الرجل أخيرًا."سيدي."وقف لؤي خارج الستار وسأل باحترام: "لقد أُغمي عليه، كيف تريد التصرف معه؟""أطلقوا سراحه." راح رائد يمرر إبهامه ببطء على حافة فنجان الشاي، وقال بلامبالاة: "لكن راقبوه جيدًا."فهذه القطعة ستقوده إلى الشخص الذي يقف خلف كل شيء."وماذا عن فارس؟" سأل لؤي مجددًا."قبل وفاة الخالة مديحة، طلبت مني أن أضمن سلامته. وإبقاؤه حيًا يُعد أقصى درجات رح
وما إن أنهت كلامها، حتى خيّم الصمت على المكان.ظنّ يحيى أنه سمع خطأ، فنظر إلى مرام بدهشة.لكن ابتسامتها لم تتغير، بينما شدت قبضتها على ذراعه قليلًا.فجأة، اجتاحت المكان موجة من البرودة، حتى بدا وكأن الهواء من حولهم قد تجمد."حبيبكِ؟"تحدث الرجل المقابل أخيرًا، بصوت منخفض وبارد.مجرد كلمة واحدة، كانت كافية لتكشف ذلك الإحساس الطاغي بالهيبة والضغط الذي يفرضه أصحاب النفوذ.حينها فقط تذكر يحيى سبب شعور الألفة تجاه ذلك الرجل.لقد رآه من قبل في الأخبار المالية العالمية... ذلك الرجل المعروف على نطاق واسع كأحد عمالقة المال، وأحد أبرز رجال الأعمال الشباب عالميًا، ومن الشخصيات المصنّفة ضمن العشرين الأوائل في قائمة فوربس للأثرياء.رائد السويفي، رئيس مجموعة القمة للاستثمار.ضيّق يحيى عينيه قليلًا بدهشة. رئيس مجموعة القمة للاستثمار... هو عم مرام؟التقت مرام بنظرة الرجل الباردة، لكنها واصلت الابتسام بعذوبة.وفجأة، أمسك يحيى يدها الموضوعة على ذراعه وأحاطها بكفه بإحكام. توقفت أنفاسها للحظة، فالتفتت لتنظر إليه."تشرفت بلقائك، يا عمي."أمسك يحيى بيد مرام بيدٍ واحدة، ثم قابل نظرة الرجل الباردة الهادئة، وم
في تلك اللحظة، بدا وكأن ضجيج قاعة العرض قد تلاشى بالكامل، ولم يبقَ سوى تلك الشاعرية الهادئة المغمورة بالأبيض والأسود، بينما بدت ملامحه تحمل اللطف نفسه الذي في اللوحة.حدّقت مرام بملامح الرجل الجانبية، بينما أخذ قلبها يخفق بقوة، نبضة بعد أخرى، أسرع وأقوى من السابقة.وكان هناك شعور عميق مدفون في أعماق قلبها، يكاد يندفع إلى الخارج.وفي تلك اللحظة أيضًا، أدركت فجأة معنى ألّا ينقطع خيط الطائرة الورقية.فكرت أنه لو كانت هي تلك الطائرة الورقية التي تحلّق عاليًا، فلا بد أن يبقى الطرف الآخر من الخيط ممسوكًا بإحكام في يد رائد.فذلك وحده ما سيكون الرابط بينهما...."هل أعجبتكِ هذه اللوحة؟"جاء صوت الرجل العذب والهادئ من جانبها، ليعيد مرام من شرودها الطويل.استدارت مرام، فرأت يحيى عائدًا وهو يحمل القهوة. كان يرتدي معطفًا بلون بيج أبرز قامته الطويلة، وكانت ابتسامته تمنح من يراها شعورًا دافئًا ومريحًا.ناولها كوبًا من القهوة الساخنة، ثم نظر يحيى إلى اللوحة التي أمامها، وكان عنوانها "الديار". وقال: "هذا أشهر أساليب الرسام ساهر مراد في التكوين القائم على النقاط والخطوط والمساحات. قد تبدو مجرد بقع لوني
حافظت مرام على ابتسامتها، ثم ألقت نظرة على الوقت وقالت: "عمي، يجب أن أذهب الآن، سأتأخر إن بقيت أكثر."وما إن همّت بالمغادرة، حتى أمسك الرجل بذراعها فجأة.ارتعشت أطراف أصابعها قليلًا، ثم خفضت عينيها لتنظر إلى تلك اليد النظيفة والطويلة التي كانت تمسك بذراعها.نظر رائد إلى تعبيرها المرتبك قليلًا، ثم أفلت يدها. "سنذهب اليوم لتناول العشاء في منزل العائلة، ستأتين معي." قال رائد ذلك ثم أضاف: "هذه رغبة الجدة.""لدي موعد مسبق بالفعل." ظهرت ملامح الاعتذار على وجه مرام. "آسفة يا عمي، سأتحدث مع الجدة نادية."وبعد أن أنهت كلامها، لوّحت له بابتسامة قبل أن تغادر بخطوات خفيفة.نظر رائد إلى كفه الفارغة، وأظلمت نظراته....كانت الإضاءة داخل قاعة المعرض خافتة وناعمة عمدًا، وكأنها صُممت بعناية لتحتضن الحبر والألوان المنسابة فوق الورق.امتد أمامها مشهد حالم غلبت عليه تدرجات الأسود والأبيض والرمادي.وقفت مرام وسط قاعة العرض الواسعة، تستنشق بهدوء الرائحة التي تعبق في الهواء.وكعادتها، لم تكن هناك رائحة الدهانات النفاذة المعتادة، بل كانت الأجواء تعبق فقط بذلك العطر النباتي الخفيف الذي يميز الورق العتيق، ممزو
reviewsMore