Se connecterطوال الطريق، بقيت لوسين صامتة. كانت تنظر عبر نافذة السيارة إلى الشوارع التي بدأت تغرق تدريجيًا في ألوان الغروب، لكن عينيها لم تكونا تريان شيئًا مما يمر أمامها. كانت أفكارها مشغولة بشيء واحد فقط. الليلة الماضية. كلما حاولت إبعاد الذكريات، عادت إليها من جديد. قبضت على حقيبتها الموضوعة فوق ساقيها، وأخذت نفسًا بطيئًا. لا فائدة. مهما حاولت الهرب من التفكير، كانت تعرف أنها ستصل في النهاية إلى المكان نفسه. إلى تلك الفيلا. إلى ذلك الرجل الغامض. وإلى العقد الذي أصبح يقيد حياتها أكثر مما توقعت يومًا. مرّت قرابة نصف ساعة قبل أن تخف سرعة السيارة تدريجيًا. رفعت لوسين رأسها. كانت الفيلا قد ظهرت أمامها. شعرت بانقباض خفيف في صدرها. توقفت السيارة أمام المدخل الرئيسي. نزل السائق أولًا، ثم فتح لها الباب. خرجت لوسين ببطء. كان المساء يقترب من نهايته، والسماء ما تزال تحتفظ ببقايا ضوء برتقالي خافت امتد فوق الأشجار والحديقة المحيطة بالمكان. وقفت للحظة تتأمل المشهد. ثم تذكرت شيئًا فجأة. النافذة. كانت الغرفة تحتوي على نافذة كبيرة. وإذا كان الوقت ما يزال قبل حلول الظلام الكامل... فمن ال
بقي جيمن واقفًا أمام المصعد بعد مغادرة لوسين. كانت عيناه مثبتتين على الأبواب المعدنية المغلقة، بينما ظل صدى كلماتها الأخيرة يتردد في ذهنه. "هذا من أجل مصلحتك... ومصلحتي." لم تكن تلك لوسين التي يعرفها. صحيح أنها كانت تضع حدودًا واضحة دائمًا، لكنها لم تكن قاسية بهذه الطريقة. كان هناك شيء آخر. شيء جعلها تبدو متوترة ومستنزفة على نحو لم يره من قبل. قطع أفكاره صوت المصعد وهو يوشك على الإغلاق. لكن قبل أن يبتعد... لحق به جيمن. وقال بنبرة لم تُخفِ استياءه: — هل ستتظاهر مجددًا بأنك لا تعرفني؟ توقف ناثان. ثم التفت إليه ببطء. ، التفت ناثان نحوه. تلاقت نظراتهما للحظة. لحظة قصيرة، لكنها كانت كافية لتعيد توترًا قديمًا بينهما. قال ناثان ببرود: — أنت من تجاهلني أولًا. رفع جيمن حاجبه باستغراب. — ماذا تقصد؟ — دخلت البلاد منذ فترة، ولم تكلف نفسك حتى بإخباري. ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه جيمن. — وهل كان ذلك واجبًا عليّ؟ لم يرد ناثان. استدار متجهًا إلى داخل المصعد وكأنه أنهى الحديث. لكن جيمن لم يكن مستعدًا لإنهائه. تقدم خطوة وقال: — ناثان. توقفت حركة
نهاية الدوام مرّت الساعات المتبقية من اليوم ببطء. ورغم أن لوسين أجبرت نفسها على التركيز في العمل، فإن التعب ظل يرافقها حتى اللحظة الأخيرة. مع اقتراب موعد انتهاء الدوام، بدأت أصوات الموظفين تخفت تدريجيًا. أُغلقت الحواسيب. وجُمعت الملفات. وبدأ الجميع بمغادرة مكاتبهم واحدًا تلو الآخر. أما لوسين فبقيت في مكانها لبعض الوقت. كانت تراجع آخر الملاحظات التي كتبتها خلال النهار، ثم رتبت الأوراق فوق مكتبها بعناية قبل أن تغلق حاسوبها أخيرًا. أطلقت زفرة طويلة. وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ الصباح. وقفت ببطء. ثم التقطت حقيبتها. قبل أن تغادر، وقفت أمام المرآة الصغيرة المثبتة إلى جانب الخزانة. تأملت انعكاسها للحظات. رفعت يدها وعدّلت ياقة فستانها. ثم شدّت طرف معطفها قليلًا حول جسدها. كانت تعلم أن ملابسها تخفي كل شيء. ومع ذلك، لم تستطع التخلص من ذلك القلق الذي رافقها طوال اليوم. بعد أن اطمأنت، أطفأت الأضواء وخرجت من المكتب. كان الممر شبه خالٍ. والهدوء الذي يسبق إغلاق الطابق بدأ يسيطر على المكان. سارت باتجاه المصعد بخطوات هادئة. كانت تفكر فقط في العودة إلى
مرّ وقت الغداء ببطء. بعد أن أنهت قطعة البسكويت الأخيرة، أعادت العلبة إلى حقيبتها وأغلقتها. نظرت إلى الساعة المعلقة على الجدار. لم يمضِ سوى وقت قصير. تنهدت بخفوت، ثم عادت إلى الملف المفتوح أمامها. كانت الشركة أكثر هدوءًا الآن بعد خروج معظم الموظفين إلى استراحة الغداء، وهو هدوء وجدته لوسين مريحًا على غير العادة. في هذه اللحظات تحديدًا، لم تكن مضطرة إلى التظاهر بأن كل شيء بخير. لم تكن مضطرة إلى الابتسام أو الرد على الأسئلة أو تحمل نظرات الآخرين. كل ما عليها فعله هو العمل. ولهذا غرقت في الأوراق أمامها، محاولة أن تبقي عقلها مشغولًا قدر الإمكان. في الجهة الأخرى من الطابق، لم يكن ناثان قد غادر مكتبه. كان يجلس خلف مكتبه كعادته، يراجع بعض الملفات، لكن تركيزه كان يتقطع بين الحين والآخر. رفع عينيه نحو المكتب الزجاجي المقابل. كانت لوسين لا تزال هناك. وحدها. لم تذهب إلى الغداء. لم يكن ذلك أمرًا غريبًا تمامًا، لكنها نادرًا ما كانت تفوّت الاستراحة بالكامل. بقي ينظر إليها لثوانٍ قبل أن يعود إلى أوراقه. لكن صورة وجهها الشاحب في الصباح عادت إلى ذهنه مجددًا. وكذلك تلك اللحظة عندما ان
عادت لوسين إلى مكتبها بعد أن غادر ناثان، وأغلقت الباب الزجاجي خلفها بهدوء. وقفت للحظة في مكانها، وكأنها تحتاج إلى بضع ثوانٍ لتستعيد توازنها، ثم اتجهت نحو مكتبها وجلست ببطء. أسندت ظهرها إلى المقعد وأغمضت عينيها. لم يعد الألم حادًا كما كان في الصباح، لكنه لم يختفِ تمامًا. كان حاضرًا في كل حركة، يذكرها بأشياء حاولت جاهدة ألا تفكر فيها. فتحت عينيها أخيرًا، وحدقت في الملفات المكدسة أمامها. العمل. هذا ما تحتاج إليه الآن. شيء يشغل عقلها ويمنعه من العودة إلى الليلة الماضية. مدّت يدها إلى أول ملف وفتحته، ثم بدأت تقرأ السطور بعناية مبالغ فيها، وكأنها تجبر نفسها على التركيز في كل كلمة. لكن عقلها لم يكن متعاونًا. كلما نجحت في إبعاد أفكارها للحظات، عادت إليها من جديد. صوت. ذكرى. إحساس لا ترغب في استعادته. أخذت نفسًا عميقًا وأغلقت الملف للحظة، ثم أعادت فتحه. لا. لن تسمح لنفسها بالانهيار داخل الشركة. ليس هنا. وليس الآن. مرّت عدة دقائق قبل أن يُطرق الباب الزجاجي بخفة. رفعت رأسها. كان كاي يقف في الخارج. أشارت إليه بالدخول. فتح الباب ودخل وهو يحمل بعض الأوراق بين يديه، لكن خطوات
بعد وقت قصير، دخل ناثان إلى مكتبه. أغلق الباب خلفه واتجه نحو مكتبه مباشرة. توقفت عيناه عند كوب القهوة الموضوع في مكانه المعتاد. عرف فورًا أنها كانت هناك. جلس على مقعده. لكن صورتها وهي تغادر المكتب قبل قليل لم تغب عن ذهنه. بدت مختلفة. على غير عادتها. وأكثر إرهاقًا مما رآها من قبل. هل هي مريضه ظل ينظر إلى الملفات أمامه للحظات. ثم هز رأسه وكأنه يطرد تلك الأفكار جانبًا. وشرع في العمل. ومع مرور الوقت، بدأ الموظفون بالوصول، وعادت الشركة تدريجيًا إلى نشاطها المعتاد. بعد عدة دقائق، مد ناثان يده إلى الهاتف الداخلي. ضغط أحد الأزرار. — لوسين، تعالي إلى مكتبي. ثم أنهى الاتصال مباشرة. طرقت لوسين الباب بعد لحظات. — ادخلي. فتحت الباب ودخلت. كان ناثان جالسًا خلف مكتبه، يتصفح بعض المستندات. رفعت عينيها نحوه للحظة قصيرة قبل أن تخفضهما مجددًا. لاحظ ذلك. لكنّه لم يعلق. أشار إلى المقعد المقابل للمكتب. — اقتربي. تقدمت حتى وقفت أمامه. أغلق الملف الذي بين يديه وقال: — أريد ملف القضية الموجودة في أرشيف الشركة. أومأت مباشرة. — حاضر، سيدي. فتح أحد







