LOGINالفصل الأربعون بعد المئة......صمتت ماريا للحظة، وهي لا تكاد تصدق الأرقام التي تسمعها عبر الهاتف. شعرت بنشوة انتصار حقيقية تسري في عروقها، وكأن حملاً ثقيلاً قد انزاح عن صدرها. هذا النجاح لم يكن مجرد مال، بل كان إثباتاً لذاتها التي حاول مالك طمسها لسنوات. قالت لورا بصوت يملأه الحماس وهي تواصل حديثها: - "لا يمكننا ترك هذا النجاح يمر دون احتفال يليق بنا! ماريا، أنا أدعوكِ الآن إلى العشاء في مطعم 'لا لونا'، أريد أن أراكِ وأخبركِ بكل التفاصيل وجهاً لوجه. لا تقبلي أي عذر، أنا بانتظاركِ الليلة!" ابتسمت ماريا بهدوء، وشعرت برغبة عارمة في الهروب من جدران منزلها الخانقة. أجابت بنبرة واثقة: - "سأكون هناك يا لورا. أراكِ في الموعد." أغلقت ماريا الهاتف، وبدأت تفكر في كيفية تدبير الأمر مع مالك. كانت تعلم أن أي تأخير أو خروج غير مبرر سيثير جنونه، لكنها في تلك اللحظة لم تعد تهتم. كانت تشعر بقوة غريبة تمنحها الشجاعة لتتحدى قيوده. وصلت ماريا إلى المطعم في المساء، وكان المكان يضج بالرقي والهدوء، مع إضاءة خافتة وموسيقى كلاسيكية تملأ الأجواء. بمجرد أن رأت لورا، اندفعت الأخيرة نحوها ورمت بنفسها في حض
"الفصل التاسع و الثلاثون بعد المئه"....بقيت ماريا واقفة مكانها، لم تتراجع خطوة واحدة للخلف ولم تظهر عليها أي علامة من علامات الارتباك. نظرت إلى جسد مالك الذي يسد طريقها، ثم رفعت بصرها لتلتقي عيناها بعينيه. كانت نظراتها خالية من أي خوف، بل كانت تحمل نوعاً من الفضول البارد، وكأنها تدرس ردود أفعاله في مختبر نفسي.شعر مالك بصمتها يضغط على أعصابه. كان يود في تلك اللحظة أن يمسكها من كتفيها ويهزها بعنف، أن يصرخ في وجهها ويسألها عن "شركة الجوهرة"، وعن السبب الذي يدفع زوجته للبحث عن عمل لدى عدوه اللدود. لكن صوتاً في داخله، صوت المدير المحنك والخصم الذكي، منعه من فعل ذلك. أدرك مالك أنه إذا واجهها الآن، فإنها ستدرك أنه يراقبها، وستبدأ في اتخاذ احتياطاتها، وقد تقوم بمسح كل آثار خطتها أو الانتقال إلى وسيلة تواصل أكثر سرية. كان يرى أن الصمت في هذه اللحظة هو السلاح الأقوى؛ فبقاءها في حالة جهل بمراقبته سيعطيها شعوراً زائفاً بالأمان، مما سيجعلها ترتكب أخطاءً أكثر وضوحاً.حدث مالك نفسه وهو يراقب ملامحها الهادئة: "اظني أنكِ تخدعينني يا ماريا، لكنكِ لا تعلمين أنني أرى كل حركة تقومين بها. ابحثي عن الجوه
"الفصل الثامن والثلاثون بعد المئة" ... سحبت ماريا معصمها من قبضة مالك بحركة سريعة ومفاجئة، ثم رسمت على شفتيها ابتسامة باردة تخلو من أي دفء. انحنت بجسدها انحناءة خفيفة ورسمية، وهي انحناءة سكرتيرة محترفة تؤدي واجبها تجاه مديرها، لا انحناءة زوجة تخشى غضب زوجها. نظرت إليه بعينيها الفيروزيتين وقالت بنبرة هادئة: - "ماذا تظن يا مالك الشمري؟" تجمد مالك في مكانه، وبقي عقله يحاول استيعاب ما حدث. كان يتوقع منها أن تبكي، أو أن تتوسل إليه ليعفو عنها، أو ربما تفرح لانه اعترف بها كزوجته و انه أخيرا أظهر الاهتمام الذي كانت تريده. لكن سؤالها "ماذا تظن؟" كان بمثابة رمي للكرة في ملعبه، تاركة إياه يصارع ظنونه وحده. في تلك اللحظة، اشتعلت في ذهنه فكرة واحدة؛ أن هذا التحول المفاجئ وهذا البرود ليس إلا ستاراً لرجل آخر دخل حياتها. برزت عروق رقبته من شدة التوتر، وانخفض صوته ليصبح فحيحاً مرعباً يملأ الغرفة: - "ماذا أظن؟ أظن أن عليكِ التوقف عن هذه التصرفات الصبيانية فوراً. هل تظنين أنني سأنخدع بهذه المسرحية؟ أنتِ تفعلين كل هذا لمجرد أنكِ رأيتِ أثينا هنا، وتريدين لفت انتباهي وجذبي إليكِ مرة أخرى." كان مالك
"الفصل السابع و الثلاثون بعد المئه"......اتجهت ماريا نحو قسم السكرتارية بخطوات واثقة، كان صوت كعب حذائها يرتطم بالأرض الرخامية بإيقاع منتظم يفرض وجوده قبل وصولها. دخلت القاعة المفتوحة، وكانت نظرات الموظفين تنتقل من أوراقهم إليها في حالة من الذهول. لفتت أنظار الرجال في القسم بشكل ملحوظ؛ فقد كانت بملابسها الجديدة وقصة شعرها العصرية وبشرتها المتوهجة تبدو كلوحة فنية تفرض هيبتها. تبادل الموظفون الرجال نظرات الإعجاب الصامتة، وراح بعضهم يتساءل في سره عن هوية هذه الجميلة التي اقتحمت هدوء المكان ببرودها القاتل.وقفت ماريا أمام مكتب رئيسة القسم، وهي امرأة في الأربعينيات من عمرها، تدعى نادية. نظرت نادية إلى ماريا من أعلى إلى أسفل، وشعرت بنغزة من الغيرة تنهش صدرها بمجرد رؤية ملامح ماريا الفاتنة وثقتها الزائدة. كانت نادية تعتقد أن أي امرأة تدخل هذا القسم يجب أن تشعر بالرهبة أمام سلطتها، لكنها وجدت أمامها امرأة تنظر إليها بعينين فيروزيتين باردتين لا تحملان أي تقدير.قالت ماريا بصوت منخفض وجاف:- "أنا ماريا، انضممت اليوم كمتدربة في هذا القسم."لم تبتسم نادية، بل رسمت على وجهها تعبيراً من الدونية و
الفصل السادس والثلاثون بعد المئة......تجمد مالك في مكانه، وارتفعت يده لا إرادياً نحو عنقه ليلمس تلك البقعة التي أشارت إليها ماريا. ساد صمت ثقيل في الغرفة، وكان صوت قطرات الماء الساقطة من الصنبور هو الوحيد الذي يكسر هذا السكون. شعر مالك بضيق شديد في صدره، وأحس بأن جدران الغرفة تضيق عليه. كانت كلمات ماريا كالسياط التي تضرب كبرياءه، خاصة وأنها جاءت من المرأة التي كان يظن أنها لن ترفع عينها في وجهه. تراجع مالك خطوة للخلف، وحاول استعادة نبرته الآمرة، لكن صوته خرج مهتزاً ومكتوماً. قال وهو ينظر إلى عينيها: - "ماريا، لقد رأيت تسجيلات الكاميرات. أعرف أنكِ أنقذتِ ليو، وأعرف أن الطفل كذب و لكنه بالنهاية طفل و سبب فعله هذا هو أنك آذيت والدته في المرات السابقة بسبب غيرتك" لم تهتز شعرة واحدة في وجه ماريا، بل استمرت في تجفيف يدها بمنشفة ورقية ببطء شديد، وكأن كلامه لا يتجاوز كونه ضجيجاً في الخلفية. قالت بنبرة خالية من المشاعر: - "رؤيتك للتسجيلات لا تمحو حقيقة أنك صدقت طفلا صغيرا عني قبل أن تفكر في سؤالي. الحقيقة يا مالك أنا لا ألوم الطفل و لو قليلا لأنه يفعل ما يفعله والديه و مساندتك له و تبرير
" الفصل الخامس و الثلاثون بعد المئة". .... صمت مالك تماماً، وكانت كلمات ماريا عن "شركة الجوهرة" و"المدراء الفاشلين" قد وقعت عليه كالصاعقة. لم يكن الأمر مجرد دفاع عن النفس، بل كان نقداً لاذعاً لذكائه وكبريائه المهني، وهو الأمر الذي يقدسه أكثر من أي شيء آخر. نظرت إليه ماريا لمرة أخيرة، وتغيرت نبرتها لتصبح أكثر هدوءاً، لكنها كانت تحمل مرارة عميقة جعلت قلب مالك ينقبض دون أن يدرك. قالت بصوت خافت: - "لقد كنتُ دائماً أفتخر بك يا مالك.. كنتُ أمجد في سري تلك الطريقة المهيبة والقوية التي تتعامل بها مع المشاكل، وكيف تفرض سيطرتك على كل شيء بدقة. لكن ما حدث اليوم.. هذا العجز عن رؤية الحقيقة أمام عينيك، قلب رؤيتي لك تماماً." دون أن تنتظر منه رداً، استدارت لترحل. ولكن قبل أن تبتعد بضع خطوات، توقفت فجأة، والتفتت بطرف عينها نحو أثينا التي كانت لا تزال تتشبث بليو. قالت بنبرة ساخرة وباردة: - "بالمناسبة.. لقد كاد هذا الصغير أن يسقط من الدرج، وأنا من تداركت الموقف وأنقذته من إصابة قد تكون بليغة. لكن يبدو أن هذا الأمر لا يهمكم، ولا يغير من حقيقة 'شرّي' في نظركم.. لذا انسوا الأمر تماماً، لأنه لن تكون







