Masukفي صباح هادئ، كانت الشمس تتسلل من بين الغيوم، والأرض ما زالت رطبة من الأمطار الماضية، لكن قلب سنا كان مليئًا بالعاصفة. وقفت على الشرفة للحظة، تتأمل العالم من حولها، وداخل صدرها شعور غريب يتصاعد مع كل نفس. كانت تعلم أن شيئًا كبيرًا على وشك الحدوث، لكنها لم تتوقع أن يكون بهذا الشكل.
دخل عمر إلى المتجر بثقة وكأنه المسيطر .. بخطوات هادئة، وابتسامة غامضة تعكس عمق أفكاره. هذه المرة لم يكن هنا لمساعدة الجدة في الصناديق، ولا لتوجيه نصائح هندسية، بل كانت نظراته مركزة على سنا فقط، تحبس أنفاسها من النظرة الأولى. جلس أمامها، وضع يديه على الطاولة، وعيناه تراقبانها باهتمام غير عادي. صمت طويل، شعرت معه سنا بثقل كل ثانية. قلبها بدأ يخفق بسرعة لم تعرفها من قبل. "سنا… أريد أن أتكلم معك عن شيء مهم…" صوته منخفض، لكنه محمل بالقوة، كل كلمة كأنها تطرق قلبها. ارتجفت، حاولت التحكم بنفسها، لكن اليدين لم تتوقفا عن الاهتزاز: "ماذا هناك؟" أخذ نفسًا عميقًا، وعيناه لم تفارقه، وكأنها مرآة تكشف أعماقه: "أريد أن أتزوجك… هل تقبلين بي زوجًا لكِ؟" شعرت سنا وكأن الأرض اختفت من تحت قدميها. صدمة، فرح، خوف، كلها امتزجت في ثوانٍ. لم تعرف كيف ترد، لكن نظراته الجادة، الثابتة، والمليئة بالقوة جعلتها تفكر بأن عليها الموافقة، ربما بدافع الانجذاب، وربما بدافع الالتزام تجاه هذا الرجل الغامض الذي أصبح جزءًا من حياتها بشكل لا يمكن تجاهله. مرت أيام، وبدأت سنا بالتجهيز للزفاف وكل لحظة معها كانت مليئة بالخوف والفضول وبعد مرور شهر، حانت لحظة الزفاف. حديقة مليئة بالزهور الملونة والطيور المغردة، الكراسي البيضاء مزينة بأناقة، وطاولة الحلويات التي صنعتها سنا بنفسها تتلألأ تحت الشمس مراسم بسيطة وراقية، لكنها تشعرك بالفخامة والدفء. بعد تبادل العهود، اقترب كاتب العدل من عمر وقال له بهدوء: "يمكنك تقبيل العروس." ابتسم عمر ابتسامة نصفها ود، ونصفها غموض، وقبّل سنا برقة. ثم بدأا الرقص بين الزهور، يده تمسك بيدها بقوة وحنان في آن واحد، تثبت مكانها بجانبه. شعرت سنا أن العالم كله توقف للحظة، قلبها يرفرف، وكانت هذه أسعد لحظة في حياتها… أو هكذا ظنت. لكن مع عبورهم عتبة المنزل للمرة الأولى بعد الزفاف، تغير كل شيء. الهواء بدا أكثر برودة، والجو أصبح مشحونًا بشيء لا يمكن وصفه. نظرات عمر تحولت فجأة، البرود والغضب المكبوت ظهر في عينيه. دخلت سنا المنزل بخطوات مترددة، وما زالت ابتسامتها الخافتة عالقة على شفتيها، كأنها تحاول التمسك بتلك اللحظة التي شعرت فيها أخيرًا بأنها بدأت حياة جديدة. لكن… كان هناك شيء مختلف. الصمت كان ثقيلاً. والهواء… بارداً على غير العادة. أُغلق الباب خلفهما ببطء. كان صوت الإغلاق كافيًا ليكسر كل وهم. استدارت نحوه. "عمر…؟" لم يُجب. وقف أمامها، عيناه تلمعان بالغضب والحقد ..خلع سترته بهدوء، وألقاها جانبًا، ثم فكّ ربطة عنقه ببطء، وكأن كل حركة مدروسة. لم يكن غاضبًا بشكل واضح… وهذا ما أخافها أكثر. رفع عينيه إليها أخيرًا. نظرة باردة… خالية من أي شيء عرفته فيه من قبل. "انتهى التمثيل." تجمّدت في مكانها. "ماذا…؟" اقترب خطوة. "أعتقد أن الوقت قد حان لتعرفي الحقيقة." خرج صوتها ضعيفًا: "أي حقيقة؟" ابتسم ابتسامة خفيفة… لكنها لم تصل إلى عينيه. "أن كل شيء كان كذبًا...كل ما فعلته… كل ابتسامة، كل اهتمام… كان خداع وكذب ..كان جزءًا من خطتي وقد وقعتي بها بشكل أسهل مما تصورت." ارتجفت، وقالت بصوت مرتجف: "ماذا تقصد؟" تراجعت خطوة دون وعي..."كل شيء…؟" نظر إليها بثبات. "نعم… كل شيء." سقطت الكلمات كأنها حمل ثقيل على صدرها. "لماذا…؟" همستها كانت مكسورة. اقترب أكثر. انخفض صوته… لكنه أصبح أشد قسوة ..ابتسم ابتسامة مخيفة، نصفها ود ونصفها تهديد، وقال: "لقد تزوجتك لأنتقم منك. كل خطوة قمت بها للاقتراب منك، كل لحظة جعلتك تثقين بي… كانت خطة لأجعلك تقعين في شباكي." "لأنكِ قتلتيها." توقف نَفَسها. "من…؟" نظر مباشرة في عينيها. "سارة." شعرت سنا بأن الأرض اختفت تحت قدميها. كلمات عمر ضربت قلبها كالسياط، صدمة، خيانة، خوف، كلها امتزجت في لحظة واحدة. كل الحب والحنان الذي شعرت به تجاهه خلال الأيام الماضية، كل لحظة شعرت فيها بالأمان، أصبح فجأة لا شيء. "لا… أنا—" قاطعها دون تردد: "وكأن ذلك لم يكن كافيًا… لقد قتلتِ طفلي أيضًا." اتسعت عيناها بصدمة. "طفلك…؟" قال الاسم ببطء، وكأنه يخرج من جرح مفتوح: "نور." ساد الصمت. ثم تابع: "تزوجتكِ… لتدفعِي الثمن." انهمرت دموعها بصمت. "أنا لم أكن أعلم… أقسم أنني لم أرَها—" اقترب فجأة. قريبًا… بشكل مخيف. "وهل تعتقدين أن هذا يهمني؟" كان صوته منخفضًا… لكنه مرعب. "الألم الذي عشته… ستعيشينه." جلس عمر بجانبها، لم يقترب جسديًا، لكنه كان قريبًا بما يكفي لتسيطر نظراته على كل شعور فيها. "من الليلة الأولى سأجعل حياتك جحيمًا… لن أترك لك أي هدوء، أي أمان… كل شيء كنتِ تعتقدين أنه حقيقي، كان مجرد وسيلة لأني أريدك أن تتذوقي الألم… الذي شعرت به. ولآخر نفس لك على هذه الأرض سأجعلك تدفعين الثمن…آيتها القاتلة ابتعد خطوة. لكن المسافة لم تمنحها الأمان. "كل يوم." ثبت نظره عليها. "كل نفس." وعهداً عليه كل ثانية وكل نفس لك سيكون ألماً كما تآلمت حبيبتي وطفلي سأحرق قلبك .. كما حرقتي قلبي على فقدانهم. ستندمين… لأنكِ ما زلتِ على قيد الحياة." تجمّدت في مكانها، عاجزة عن الحركة. شعرت أن قلبها يتفتت كل شيء انهار أمامها، كل الثقة، كل الأمان، كل الحب الذي بدأت تشعر به تحول إلى خوف قاتل. جلس على الأريكة بهدوء، وكأن شيئًا لم يحدث. لكن كلماته الأخيرة كانت الأثقل: "من اليوم… تبدأ حياتك الحقيقية." كانت نظراته ثابتة، صامدة، وكأنها تحفر كلمات الانتقام في روحها لم يكن هناك مجال للهرب، لم يكن هناك تفسير، لم يكن هناك أي رحمة في هذا المخطط. مرت دقائق ثقيلة، كل ثانية تضاعف الألم في صدرها، وكل كلمة منه كانت كالسيف، تخترق قلبها، تثقل صدرها، تجعل العالم كله يدور حول حقيقة واحدة: أنها الآن في قبضة الرجل الذي خطط منذ البداية ليتسبب بأكبر قدر من الألم في حياتها. وفي قلبها، امتزج الخوف بالغضب، والحب بالخذلان. شعرت أن حياتها التي بدأت للتو بعد سنوات من الألم والخسارة، أصبحت على حافة الانهيار. ابتعد عنها، وقف أمامها، عيناه ثابتتان فيها، وهمس بصوت منخفض، لكن كلماته صدرت كصدمة: أقسم بأني لن ولن أشفق عليكِ ولو للحظة للإنتقام منكِ."مرّت ثلاثة أشهر على الزفاف، لكنها لم تكن مجرّد أيام عابرة، بل كانت أشبه بموسم جديد في حياة سُنا وعمر، موسمٍ هادئٍ بعد عاصفة طويلة. كأن الحياة قررت أخيرًا أن تمنحهما فرصة لالتقاط أنفاسهما، وأن تعوّضهما عن كل ما مرّا به من ألم واضطراب. كانت الأيام تمضي بإيقاعٍ جميل، بسيط، لكنه عميق. كل صباح، تستيقظ سُنا قبل عمر بدقائق. تفتح عينيها ببطء، وتبقى لثوانٍ تحدّق في سقف الغرفة، وكأنها تتأكد أن كل شيء حقيقي. ثم تلتفت نحوه. تنظر إلى ملامحه وهو نائم، إلى ذلك الهدوء الذي لم تكن تراه فيه من قبل. كانت تشعر، في كل مرة، بشيء يشبه الطمأنينة… شيء لم تعرفه سابقًا. تنهض بهدوء، حتى لا توقظه، وتذهب إلى المطبخ. تحضّر القهوة، وتفتح النافذة قليلًا لتدخل أشعة الشمس. كانت تحب تلك اللحظات… لحظات البداية. لحظات لا تحمل ثقل الماضي، ولا قلق المستقبل. فقط الحاضر. بعد دقائق، يأتي عمر، شعره غير مرتب، وعيناه نصف مفتوحتين، يبتسم لها تلك الابتسامة التي أصبحت جزءًا من يومها. "صباح الخير."
في أحد الأيام، وبينما كانت سُنا منهمكة في عملها داخل المكتب، انشغلت في ترتيب بعض الملفات ومراجعة تفاصيل مشروعها الجديد، رنّ هاتفها فجأة. كان اسم عمر يظهر على الشاشة توقفت للحظة. نظرت إلى الهاتف، وكأنها تشعر أن في هذا الاتصال شيئًا مختلفًا. أجابت: "عمر؟" جاء صوته من الطرف الآخر، هادئًا كعادته، لكنه يحمل شيئًا خفيًا لم تستطع تحديده: "سُنا." "نعم؟" سكت لثانية، كأنه يرتّب كلماته. "هل أنتِ فارغة مساء الجمعة؟" رفعت حاجبها قليلًا، مستغربة السؤال. "أعتقد نعم… لماذا؟" "أريد أن نخرج." ابتسمت دون أن يشعر. "خير؟ هل في مناسبة؟" صمت… ثم قال: "لا." وتوقف لثانية أخرى، ثم أضاف بصوت أخف: "ربما." قبل أن تسأله ماذا يقصد، أغلق الخط. بقي الهاتف في يدها، تنظر إلى الشاشة وكأنها تحاول أن تعيد سماع الكلمة الأخيرة. "ربما." كلمة صغيرة… لكنها بقيت عالقة في ذهنها طوال اليوم. لم تستطع التركيز بعدها كما يجب. كلما حاولت العودة للعمل، كانت الكلمة تعو
في نهاية ذلك الشهر، لم يكن المشروع الكبير مجرد مهمة انتهت… بل كان رحلة كاملة انتهت فصولها الأخيرة على إيقاعٍ مختلف.في صباح ذلك اليوم، استيقظت سُنا قبل المنبّه بدقائق. لم يكن نومها عميقًا، بل كان أشبه بانتظارٍ طويل داخل حلمٍ خفيف. فتحت عينيها ببطء، وشعرت بشيءٍ ثقيلٍ في صدرها… ليس خوفًا تمامًا، وليس حماسًا فقط… بل مزيجٌ معقد من الاثنين.نظرت إلى السقف لثوانٍ، ثم همست لنفسها: "اليوم."نهضت بهدوء، وكأن أي حركةٍ مفاجئة قد تفسد توازنها الداخلي. اختارت ملابسها بعناية غير معتادة، وقفت أمام المرآة طويلًا، لا لتتأكد من مظهرها… بل لتتأكد من نفسها.مدّت يدها ولمست انعكاسها في المرآة برفق، وكأنها تقول: "لقد وصلتِ… لا تتراجعي الآن."في الشركة، كان الجو مختلفًا. ليس صاخبًا، لكن مشحون بشيءٍ خفي. الجميع يعرف أن هذا الاجتماع ليس عاديًا. هذا هو اليوم الذي سيُحسم فيه كل شيء.دخلت سُنا قاعة الاجتماع بخطوات ثابتة، لكن داخلها كان يعجّ بعاصفة صامتة. لم تكن خائفة من الفشل… بل من ثقل النجاح. من تلك اللحظة التي تدرك فيها أن كل ما فعلته سيُرى، سيُحكم عليه، وسيُحدد ما بعدها.جلست في
مرّت أسابيع على استقرار سُنا في المنزل. الأيام صارت لها نكهة مختلفة. ليست نكهة الهروب من شيء. ولا نكهة الانتظار لشيء. بل نكهة الحياة نفسها. بكل ما فيها من بساطة وتعقيد وتفاصيل لا يلاحظها أحد إلا من يعيشها. في الصباح الباكر، قبل أن يستيقظ عمر، كانت سُنا تجلس في المطبخ بكوب قهوتها وتنظر من النافذة. الشارع هادئ في تلك الساعة. والضوء يتسلل ببطء كأنه لا يريد أن يزعج السكون. وهي تجلس وتفكر. لا بأفكار ثقيلة. فقط تستقبل اليوم بهدوء. وأحيانًا يأتي عمر من خلفها. يضع يده على كتفها لثانية. يصب قهوته. ويجلس بجانبها. ولا يتكلمان في البداية. فقط يجلسان. وهذا الصمت المشترك كان من أجمل ما بنياه. في أحد تلك الصباحات قال عمر: "لارا اتصلت أمس." "بماذا قالت؟" "تريد أن نزورها هي وزياد هذا الأسبوع." "متى؟" "الجمعة." "حسنًا." شرب رشفة من قهوته. "وقالت إن عندها خبرًا." رفعت سُنا نظرها. "
مرّ الأسبوع الأول بعد عودة سُنا بهدوء لم تتوقعه. لم يكن هناك لحظات كبيرة أو مشاهد درامية. فقط أيام. أيام عادية تبدأ بصباح وتنتهي بليل. وبينهما تفاصيل صغيرة تتراكم كأحجار تبني جدارًا لا تراه حتى تنظر خلفك فتجده قائمًا وصلبًا. كانت سُنا تستيقظ في الصباح. تغتسل. ترتدي ملابسها. وتخرج إلى المطبخ لتجد أحيانًا القهوة جاهزة وعمر يجلس يقرأ شيئًا على هاتفه. وأحيانًا تجده قد غادر مبكرًا وترك لها ورقة صغيرة على الطاولة فيها جملة واحدة أو اثنتان. "القهوة في الثلاجة. سخّنيها." "اجتماع مبكر. أراكِ في المساء." "لا تنسي أن تأكلي شيئًا حقيقيًا اليوم." تلك الأوراق الصغيرة كانت تجعلها تبتسم بطريقة لا تفسّرها. ليس لأنها كبيرة. بل لأنها دليل على أن شخصًا ما يفكر فيها في الصباح. وهذا وحده كان شيئًا لم تعتده. في الشركة، كانت الأيام مزدحمة بشكل جيد. المشروع الكبير الذي أوكله إليها جوزيف كان يتشكل تدريجيًا. اجتماعات. أرقام. قرارات صغيرة تؤثر على أشياء أكبر. وكل يوم تتعلم شيئًا جديدًا. وجوزيف كان يراقبها من بعيد. لا يتدخل كثيرًا.
# الفصل الرابع والستون: العودة مرّ الأسبوع الذي طلبته سُنا. سبعة أيام قضتها في منزل فرح تمامًا كما كانت دائمًا. تذهب إلى الشركة وتعود. تجلس مع فرح في المساء وتتحدثان. وفي الليل تجلس وحدها وتفكر. لكن هذه المرة كان التفكير مختلفًا. لم يكن تفكير من يحاول أن يقنع نفسه بشيء يخافه. بل كان تفكير من يرتب أفكاره قبل خطوة يريدها. في اليوم السادس، جلست مع فرح في المطبخ بعد العشاء. قالت فرح دون مقدمات: "غدًا، أليس كذلك؟" نظرت إليها سُنا. "من أين علمتِ؟" "لأنك هادئة بطريقة مختلفة. هادئة كمن قرر وارتاح." ابتسمت سُنا. "نعم. غدًا." وضعت فرح كوبها على الطاولة ونظرت إليها بعيون مليئة بأشياء كثيرة. "سُنا… أنا أريد أن أقول شيئًا قبل أن تذهبي." "قولي." "حين جئتِ إلى هنا لأول مرة بعد المستشفى، كنتِ مكسورة. وأنا كنت خائفة عليكِ. خائفة أن الكسر يكون أعمق مما يبدو." توقفت
استيقظت سنا على صوت المطر وهو يطرق نوافذ الغرفة. لم تشعر بالدفء الذي توقعت، ولم تمنحها هذه اللحظة أي راحة. كانت ترتجف، ليس بسبب البرد، بل بسبب الحقيقة التي تتكشف أمامها كل لحظة: حياتها لم تعد ملكها، ولم تعد تعرف ما هو الحب، وما هو الأمان.لم تتحرك كثيرًا، عيناها لا تزالان تلمعان بالدموع،
بعد ليلة الزفاف، لم تشعر سنا بأي فرح حقيقي. كانت موسيقى الحفل والابتسامات حولها مجرد ستار يخفي الحقيقة المظلمة التي ستعيشها الآن. كل لحظة فرح اختفت بمجرد دخولهم المنزل، وكأن الحظ قد تخلى عنها فجأة، تاركًا قلبها رهينة خوف جديد. ما إن دخلت العتبة، حتى تغيّرت الأجواء بالكامل. الهدوء كان مصطنعًا
في مكانٍ بعيد عن سنا، وقف عمر أمام صورةٍ .. لم يكن ينظر إلى الصورة بل إلى الفراغ الذي تركته.إطار زجاجي أنيق، داخله ابتسامة سارة، رأسها مائل قليلًا نحوه، ويده تحيط بكتفها، وكأنها ما زالت هناك… قريبة بما يكفي ليلمسها لكن الغرفة كانت باردة. صامتة وخالية. وقف عمر أمام الصورة دون
صوت المطرقة ارتطم بخشب المنصة… فاهتز شيء داخل صدرها. "الجلسة منعقدة." لم تكن الكلمات مجرد إعلان… كانت بداية انهيار بطيء. خطت سنا داخل قاعة المحكمة وكأن الأرض تسحبها للأسفل. كل الأنظار اتجهت نحوها، ثقيلة، قاسية… كأنها لا ترى إنسانة، بل حكمًا صدر بالفعل ولم يُعلن بعد.







