ANMELDENمرّت ثلاثة أيام أخرى دون أن يحدث شيء يستحق أن يغيّر روتين حياة ليان.
ثلاثة أيام عادية. ثلاثة أيام تشبه السنوات الأربع الماضية. كان حاسم يغادر باكراً، يعود متأخراً، يسألها إن كانت بخير، يتأكد من أنها تناولت دواءها، ثم ينشغل بعمله. وكانت ليان قد تعلمت ألا تطلب أكثر. في صباح اليوم الرابع، استيقظت على صوت المطر. كان الجو بارداً، والسماء مغطاة بالغيوم. جلست على حافة السرير، ونظرت من النافذة. لم تكن تحب المطر كثيراً. كان يجعل ساقها تؤلمها أكثر. مدت يدها إلى ساقها بحذر، ثم انتظرت قليلاً. سمعت الباب يُفتح. كان حاسم قد استيقظ. خرج من غرفة الملابس وهو يرتدي قميصاً أبيض، وأزراره ما زالت غير مكتملة. نظر إليها. "تؤلمك؟" تفاجأت ليان. "قليلاً." اقترب منها. "لماذا لم تخبريني؟" "إنه ألم بسيط." جلس أمامها للحظة. "هل تحتاجين إلى طبيب؟" هزت رأسها بسرعة. "لا." نظر إليها لثوانٍ، ثم قال: "إذا ازداد الألم، أخبريني." "حسناً." وقف، ثم أكمل ارتداء ساعته. راقبته ليان. كان دائماً ينتبه. حتى عندما لا يقول شيئاً، كان ينتبه. وهذا جعل الأمر أكثر صعوبة عليها. لأنها لم تستطع أن تكرهه. لو كان قاسياً معها، ربما كان من السهل أن تتوقف عن حبه. لكن حاسم لم يعطها سبباً واحداً لتكرهه. كان محترماً. كريماً. هادئاً. ومسؤولاً. فقط... لم يكن عاشقاً. بعد أن غادر، بقيت ليان في المنزل. دخلت سعاد في وقت لاحق، وضعت الإفطار على الطاولة، ثم غادرت دون أن تسألها عن شيء. كانت ليان تحب هدوء المنزل في الصباح. فتحت كتاباً، لكنها لم تستطع التركيز. أغلقت الكتاب واتجهت إلى غرفة صغيرة في آخر الشقة. كانت تلك الغرفة مختلفة عن باقي المنزل. لم تكن فاخرة. كانت تحتوي على مرآة كبيرة، وأرضية خشبية، وبعض الصور القديمة. كانت غرفة الباليه الخاصة بها. لم تعد تستخدمها كثيراً. لكنها لم تستطع التخلص منها. وقفت أمام المرآة. رفعت ذراعيها كما كانت تفعل عندما كانت صغيرة. ثم حاولت أن تتحرك. خطوة. ثم أخرى. لكن ساقها لم تسمح لها. توقفت. خفضت ذراعيها. لم تكن تبكي. لم تعد تبكي منذ سنوات. كانت فقط تشعر بشيء يشبه الحنين. حنين إلى فتاة كانت تظن أن العالم كله ينتظرها. وضعت يدها على المرآة. "كنتِ تحلمين كثيراً يا ليان." ابتسمت لنفسها بحزن. ثم عادت إلى غرفتها. في الشركة، كان حاسم في اجتماع مهم. جلس حول الطاولة عدد من المديرين. كان صوته هادئاً، لكنه لم يكن يسمح لأحد بمقاطعته. "لن نقبل العرض بهذه الشروط." قال أحد المديرين: "لكن السيد الرفاعي، هذه فرصة كبيرة..." رفع حاسم عينيه إليه. "قلت لا." ساد الصمت. لم يحتج إلى رفع صوته. كلمتان فقط كانتا كافيتين. كان الجميع يعرف أن حاسم لا يتخذ قراراته بعشوائية. إذا قال لا، فقد رأى شيئاً لم يروه. بعد انتهاء الاجتماع، دخل رائد مكتبه. "أنت أخفت الرجل." أجاب حاسم: "لم أفعل شيئاً." "نظرت إليه فقط." رفع حاسم حاجبه. "وهذا يكفي." ضحك رائد. ثم جلس على الكرسي المقابل. "لا تنسَ الليلة." "لن أنسى." "ويزن سيأتي أيضاً." "أعرف." خرج رائد. لكن قبل أن يصل إلى الباب، قال: "لدينا ضيفة." توقف حاسم. "من؟" ابتسم رائد ابتسامة غامضة. "ستعرف الليلة." نظر حاسم إليه. "رائد." "ماذا؟" "أنا لا أحب المفاجآت." ضحك رائد. "لهذا السبب اخترتها." ثم خرج. بقي حاسم ينظر إلى الباب. لم يكن يحب المفاجآت فعلاً. خصوصاً عندما تتعلق بحياته الخاصة. لكن لم يكن لديه وقت للتفكير في الأمر. في المساء، عاد إلى الشقة قبل موعده المعتاد. كانت ليان في الصالون. رفعت رأسها عندما دخل. "عدت مبكراً." "لدي موعد مع رائد ويزن." أومأت. "حسناً." خلع معطفه. "قد أتأخر." "لا بأس." نظر إليها للحظة. ثم قال: "لا تنتظريني." ابتسمت. "لن أفعل." كان حاسم على وشك المغادرة عندما توقف. "هل تحتاجين شيئاً؟" هزت رأسها. "لا." أومأ وغادر. وقفت ليان للحظات بعد خروجه. لم تعرف لماذا شعرت بشيء من الفراغ. ربما لأنها اعتادت وجوده. حتى لو لم يتحدثا. حتى لو عاشا في عالمين منفصلين داخل الشقة نفسها. كانت مجرد فكرة أنه لن يعود الليلة في الوقت المعتاد تجعل المنزل أكثر هدوءاً. عادت إلى الصالون. فتحت التلفاز. ثم أخذت هاتفها. بدأت تتصفح إنستغرام بلا اهتمام. صور. إعلانات. مقاطع قصيرة. أغلقت التطبيق. ثم فتحته مرة أخرى. لم تكن تعرف لماذا. ظهر أمامها حساب رائد منصور. كانت هناك قصة جديدة. توقفت. فيديو قصير. رائد يضحك. ثم ظهر يزن. ثم تحركت الكاميرا قليلاً. ظهر حاسم. كان جالساً معهم. لكن ليان لم تتوقف عند ذلك. فهي تعرف أن حاسم يلتقي بأصدقائه. ما جعلها تتوقف هو وجهه. كان يبتسم. ليس ابتسامته الصغيرة التي اعتادت عليها. ولا ابتسامته الرسمية أمام الموظفين. كانت ابتسامة واسعة. حقيقية. مريحة. حتى عيناه كانتا مختلفتين. شاهدت الفيديو مرة أخرى. ثم مرة ثالثة. لم تكن تعرف لماذا شعرت بشيء غريب في صدرها. حاسم كان يضحك. مع أصدقائه. كان يبدو سعيداً. وفي اللحظة التي كانت على وشك إغلاق القصة، انتقلت الكاميرا إلى الجهة الأخرى من الطاولة. ظهرت يد امرأة أولاً. ثم صوت أنثوي ناعم: "أنتم لم تتغيروا أبداً." توقفت ليان. لم تستطع معرفة وجهها جيداً بسبب حركة الكاميرا. لكنها كانت موجودة. امرأة تجلس معهم. امرأة تبدو قريبة منهم. شاهدت ليان القصة حتى نهايتها. ثم انتهت. حدقت في الشاشة. لم يكن هناك شيء غريب. لم يفعل حاسم شيئاً خاطئاً. كان يجلس مع أصدقائه. لكن سؤالاً واحداً بقي في رأسها: من كانت تلك المرأة؟ لم تسمح لنفسها أن تسأل حاسم. لم يكن من حقها أن تراقب أصدقاءه. أغلقت الهاتف ووضعته على الطاولة. ثم حاولت العودة إلى كتابها. لكن الكلمات لم تعد واضحة أمام عينيها. في الجهة الأخرى من المدينة، كان حاسم يجلس مع رائد ويزن. ضحك رائد. "أخبرتك أنني لن أندم على دعوتها." هز يزن رأسه. "وأنا لم أصدق أنك استطعت إقناعها." لم يقل حاسم شيئاً. كان ينظر إلى الباب. ثم فُتح. دخلت امرأة أنيقة. توقفت للحظة عند المدخل. كانت تحمل حقيبة صغيرة، وترتدي معطفاً أنيقاً. رفعت عينيها. والتقت عيناها بعيني حاسم. توقف الزمن للحظة. لم يقل أحد شيئاً. ثم ابتسمت. ابتسامة يعرفها جيداً. ابتسامة لم يرها منذ سنوات. قال رائد بصوت منخفض: "حاسم..." لكن حاسم لم يسمعه. كانت عيناه معلقتين بها. اقتربت المرأة. ثم قالت بصوت ناعم: "مرحباً، حاسم." لم يجب فوراً. بعد سنوات طويلة... كانت جاني السعدي تقف أمامه من جديد. المرأة التي غادرت البلاد ذات يوم دون أن تمنحه فرصة لفهم السبب. المرأة التي كانت جزءاً من أجمل وأسوأ ذكريات شبابه. والمرأة التي كان يظن أنه نسيها. لكنه في تلك اللحظة... عرف أنه لم ينساها أبداً. ابتسمت جاني. "اشتقت لكم." وقف حاسم. ولأول مرة منذ سنوات، لم يعرف ماذا يقول. أما في الشقة، فكانت ليان قد أغلقت هاتفها تماماً. لم تكن تعرف أن المرأة التي ظهرت لثوانٍ على شاشة هاتفها تحمل اسماً سيغير الكثير من الأشياء. لم تكن تعرف من هي جاني. ولم تكن تعرف أن تلك المرأة كانت يوماً أهم شخص في قلب زوجها. كل ما عرفته تلك الليلة... أن حاسم عاد إلى المنزل متأخراً. لكن وجهه كان مختلفاً. كان أكثر هدوءاً. وأكثر سعادة. وعندما دخل، لم تسأله ليان عن السبب. اكتفت بالنظر إليه. أما حاسم، فلم يخبرها شيئاً. قال فقط: "تصبحين على خير، ليان." ثم دخل غرفته. وبقيت ليان وحدها في الصالون. لأول مرة منذ أربعة أعوام... شعرت أن هناك جزءاً من حياة زوجها لا تعرف عنه شيئاً. وكان ذلك الجزء قد عاد للتو.مرّت أسابيع قليلة منذ بدأت ليان إعادة التأهيل.لم تكن التغييرات كبيرة بما يكفي ليلاحظها شخص لا يعرفها، لكنها بالنسبة إليها كانت أشبه بمعجزة.أصبحت تقف لفترة أطول.خطواتها أصبحت أكثر ثباتاً.والأهم أنها لم تعد تخاف من ساقها كما كانت في السابق.كل صباح كانت تدخل مركز التأهيل وهي تعرف أن الطريق طويل، لكنها لم تعد تكره الطريق.كانت تحبه.لأنه يعيد إليها شيئاً فقدته.في ذلك اليوم، كانت ليان تنهي تمرينها الأخير عندما قال لها المدرب:"توقفي."نظرت إليه."لماذا؟""لأنك بدأت تتعبين.""أستطيع الاستمرار.""أعرف."ثم ابتسم."لكن القدرة على التوقف في الوقت المناسب جزء من العلاج أيضاً."تنهدت وجلست."حسناً."ناولها الماء."بعد أسبوعين، إذا استمر التحسن بهذا الشكل، سنزيد التمارين."رفعت رأسها بسرعة."إلى ماذا؟""إلى تمارين أقرب للحركة التي تحتاجينها في الرقص."تجمدت للحظة.
في اليوم التالي، وصلت ليان إلى العيادة في الموعد المحدد.لم تخبر حاسم.وكعادتها، لم يكن في الأمر شيء سري بالنسبة لها؛ كانت فقط تريد أن تتولى هذه المرحلة بنفسها.كان آدم قد أخبرها أن الطبيب يريد أن يبدأ معها بطريقة مختلفة قبل الانتقال إلى إعادة التأهيل.دخلت غرفة الفحص، فوجدت الطبيب يجهز أدواته.قال لها:"اليوم لن نبدأ بتمارين شاقة."نظرت إليه باستغراب."ماذا سنفعل؟""سأبدأ معك بالعلاج بالوخز بالإبر."نظرت إلى ساقها."الإبر؟"ابتسم."نعم. الهدف هو تحفيز مناطق معينة ومساعدة العضلات والأعصاب على الاستجابة بشكل أفضل، وبعدها سننتقل تدريجياً إلى إعادة التأهيل."أومأت."أنا مستعدة."استلقت ليان بهدوء.كان الطبيب يشرح لها كل خطوة قبل أن يقوم بها، حتى لا تشعر بالخوف.وضعت يدها على طرف السرير.ثم بدأت الجلسة.في البداية شعرت بوخز خفيف.ثم إحساس غريب بالشد في بعض المناطق.أغمضت عينيها.
مرت ثلاثة أيام منذ زيارة ليان للطبيب.ثلاثة أيام لم تتحدث فيها عن الأمر مع أحد.كانت تذهب إلى مركز الرقص صباحاً، ثم تعود إلى المنزل، وتكمل إجراءات سفرها بصمت.أما حاسم، فقد أصبح أكثر ملاحظة لكل تفاصيلها.لم يكن يسألها مباشرة.لكنه كان يراقب.لاحظ أنها أصبحت تستيقظ مبكراً.لاحظ أنها تخرج أكثر.لاحظ أنها لم تعد تنتظر عودته إلى المنزل.والأهم...لاحظ أنها لم تعد ترتب حياته كما كانت تفعل في الماضي.في السابق، كان يجد ملابسه جاهزة قبل أن يطلبها.ربطات العنق التي تناسب بدلاته.الأزرار التي اختارتها بنفسها.حتى بعض التصاميم التي كانت تتواصل مع يوسف بشأنها كانت تحمل لمساتها الخاصة.أما الآن؟كان يرتدي ما يجده.ولم تعد تسأله إن كان يحتاج شيئاً.في صباح اليوم الرابع، كان حاسم في مكتبه عندما وصلته رسالة من الطبيب."النتائج الأولية جاهزة. نحتاج إلى جلسة أخرى لمناقشة خطة العلاج."ظل ينظر إلى الرسالة.كان
كانت ليان قد قررت منذ أيام أن تبدأ خطوة جديدة.بعد أن حصلت على موافقة التأشيرة، لم تعد تريد أن تغادر وهي تحمل في داخلها سؤالاً واحداً عن ساقها.إذا كانت ستعود إلى الرقص، فعليها أن تعرف أولاً إلى أي مدى تستطيع جسدياً أن تفعل ذلك.ولهذا، عندما أخبرتها نادين عن طبيب جديد يستخدم تقنية مختلفة في إعادة التأهيل، اهتمت فوراً.قالت لها نادين:"إنه ليس طبيباً عادياً. آدم يعرفه، وقد أخبرني عنه."رفعت ليان عينيها."آدم؟""نعم."ثم أضافت:"يقول إن طريقته مختلفة عن الأطباء الذين ذهبتِ إليهم سابقاً."فكرت ليان للحظة.ثم وافقت.في اليوم التالي، اجتمعت ليان بنادين.كان آدم الكيلاني ينتظرهما في مقهى قريب.عندما رآها، ابتسم."مر وقت طويل."قالت ليان:"نعم."كان آدم ينظر إليها باهتمام واضح، لكنه كان حريصاً على ألا يكشف شيئاً.كان قد عرفها منذ سنوات.وعلى الرغم من أن ليان لم تكن تعرف ما كان يشعر به تجاهها، إلا أن
في صباح اليوم التالي، استيقظت ليان قبل شروق الشمس.لم يكن هناك سبب واضح يجعلها تستيقظ باكراً.لكن منذ أن عادت إلى مركز الرقص، أصبح النوم مختلفاً.كانت تشعر أن شيئاً قديماً استيقظ بداخلها.شيء ظنت أنه مات منذ أربع سنوات.جلست على حافة السرير، ثم نظرت إلى الصندوق الموجود بجانبها.فتحت الغطاء.كان حذاء الرقص الذي اشتراه لها حاسم بالأمس.مررت أصابعها فوقه.ثم ابتسمت."شكراً..."قالتها لنفسها.لكنها لم تكن متأكدة إن كانت تشكره لأنه أعاد إليها شيئاً تحبه...أم لأنها أدركت بسببه أن هذا الحلم لم يمت فعلاً.بعد ساعة، كانت في مركز الرقص.وقفت أمام المرآة الكبيرة.كان المدرب أمامها."سنبدأ ببطء."أومأت."أنا مستعدة.""لا تحاولي إثبات شيء."نظرت إليه."لا أريد إثبات شيء."ثم أخذت نفساً عميقاً."أريد فقط أن أرقص."بدأت الموسيقى.خطوة.ثم أخرى.
كان صباحاً عادياً...على الأقل بالنسبة إلى حاسم.استيقظ، ارتدى بدلته، تناول قهوته، ثم خرج إلى الشركة.لكن بالنسبة إلى ليان، كان كل يوم يمر يحمل معه خطوة جديدة نحو النهاية.لم تعد تفكر في سؤال واحد:هل سأرحل؟بل أصبح السؤال:متى؟بعد خروج حاسم، دخلت ليان غرفتها وأغلقت الباب.وضعت حقيبتها على السرير، ثم أخرجت ملفاً صغيراً.كانت الأوراق مرتبة بعناية.جواز السفر.شهادة اللغة.خطاب القبول.الوثائق الجامعية.ثم ورقة التأشيرة.وضعت إصبعها على التاريخ.اقترب الموعد.ابتسمت دون أن تشعر.ثم رن هاتفها.كانت الجامعة.أجابت بسرعة."مرحباً."تحدثت الموظفة معها لبضع دقائق، ثم قالت:"نعم، بالتأكيد. سأرسل لكم الوثيقة المطلوبة اليوم."أغلقت المكالمة.وأخذت نفساً عميقاً.كانت الأمور تسير كما خططت.لكنها لم تكن وحدها التي بدأت تلاحظ التغيير.







