Share

أسئلة من الماضي

Author: TheWriter
last update publish date: 2026-08-25 19:52:04

لم تسأل ليان النجار حاسم الرفاعي عن المرأة التي رأتها في قصة رائد.

حتى عندما ظهر وجهها بوضوح أمامها، وحتى عندما سمعت رائد يناديها باسم جانو، لم تفعل شيئاً سوى إغلاق هاتفها.

كانت قد فهمت من الصور القديمة أنها جاني السعدي.

الفتاة التي كانت جزءاً من مجموعة أصدقاء حاسم ورائد ويزن منذ أيام المدرسة.

لكنها لم تعرف أكثر من ذلك.

ولم تكن تنوي أن تسأل.

فليان لم تكن من النوع الذي يفتش خلف زوجها أو يسأله عن كل شخص يقابله.

إذا أراد حاسم أن يخبرها بشيء، سيخبرها.

وإذا لم يفعل...

فهي لن تجبره.

في صباح اليوم التالي، كان حاسم يستعد للذهاب إلى الشركة عندما وجد ليان في غرفة الطعام.

"صباح الخير."

رفعت عينيها إليه.

"صباح النور."

جلس لتناول قهوته.

ساد بينهما صمت مريح.

كان حاسم يتصفح بعض الرسائل على هاتفه، بينما كانت ليان تتناول فطورها بهدوء.

بعد دقائق، رفع عينيه إليها.

"لدي اجتماع خارج الشركة اليوم."

"حسناً."

"قد أتأخر."

أومأت.

"لا بأس."

لم تضف شيئاً.

نظر إليها لثوانٍ، ثم عاد إلى هاتفه.

لم يكن يعرف أن ليان كانت تعرف شيئاً لم تخبره به.

ولم يكن يعرف أنها شاهدت قصته مع أصدقائه.

كانت ليان جيدة في إخفاء مشاعرها.

قال حاسم:

"إذا احتجتِ شيئاً، اتصلي بي."

ابتسمت.

"سأفعل."

وقف، ثم أخذ سترته.

"سأعود الليلة."

"حسناً."

غادر.

وبقيت ليان تراقب الباب للحظات.

ثم عادت إلى فطورها.

لم تشعر بأنها غاضبة.

ولم تكن حتى متأكدة من أنها غارت.

كل ما شعرت به كان فضولاً هادئاً.

من تكون جاني بالنسبة إليه الآن؟

هل هي مجرد صديقة قديمة؟

أم أن عودتها تعني شيئاً آخر؟

لكنها لم تسمح لهذه الأسئلة بأن تأخذ مساحة كبيرة في عقلها.

على الأقل ليس الآن.

في الشركة، كان حاسم غارقاً في العمل.

دخل رائد إلى مكتبه دون موعد.

"لدينا مشكلة صغيرة."

رفع حاسم عينيه عن الأوراق.

"ما هي؟"

"المشروع الجديد."

أشار حاسم إلى الكرسي.

"اجلس."

جلس رائد وبدأ يشرح التفاصيل.

بعد دقائق، دخل يزن أيضاً.

اجتمع الثلاثة حول مكتب حاسم.

كان الحديث عملياً في البداية.

أرقام.

عقود.

خطط.

مواعيد.

ثم، بعد أن انتهوا، اتكأ رائد إلى الخلف وقال:

"بالمناسبة..."

رفع حاسم حاجبه.

"ماذا؟"

ابتسم رائد.

"هل ستأتي الليلة؟"

"إلى أين؟"

"لا تقل إنك نسيت."

تدخل يزن:

"اتفقنا منذ أيام."

فكر حاسم للحظة.

ثم تذكر.

"صحيح."

قال رائد:

"أنا ويزن سنكون هناك."

أومأ حاسم.

"سأأتي."

لم يكن اللقاء اجتماع عمل.

كان مجرد عشاء بين ثلاثة أصدقاء.

لقاء بسيطاً كما كانوا يفعلون أحياناً منذ أن بدأت الشركة.

لم يكن حاسم يعلم أن هذه الليلة تحديداً ستكون مختلفة.

في المساء، عاد حاسم إلى الشقة قبل أن يغادر مرة أخرى.

وجد ليان جالسة في الصالون.

قال:

"سأخرج مع رائد ويزن."

رفعت عينيها إليه.

"حسناً."

"قد أتأخر."

"لا مشكلة."

لم تسأله إلى أين.

ولم تسأله من سيكون هناك.

ابتسم حاسم ابتسامة خفيفة.

"تصبحين على خير إذا نمتِ قبل أن أعود."

"وأنت أيضاً."

غادر.

جلست ليان مكانها.

ثم أخذت هاتفها.

فتحت كتاباً إلكترونياً، وحاولت القراءة.

بعد نصف ساعة، شعرت بالملل.

فتحت إنستغرام دون اهتمام.

ظهرت أمامها قصة جديدة.

رائد.

فتحتها.

كان هناك فيديو قصير من المطعم.

ظهر رائد أولاً.

ثم يزن.

ثم حاسم.

كان حاسم يضحك.

ضحكة صادقة وعفوية.

حدقت ليان في الشاشة.

لم تره يضحك بهذه الطريقة منذ وقت طويل.

ثم تحركت الكاميرا.

ظهرت امرأة.

كانت جميلة ومرتبة بشكل واضح، ترتدي ملابس أنيقة، وشعرها مصفف بعناية.

ضحكت وقالت شيئاً لم تستطع ليان سماعه جيداً بسبب الموسيقى.

ثم ظهر رائد وهو يقول:

"جانو، لا تغيري الموضوع!"

توقفت ليان.

جانو.

أعادت القصة.

هذه المرة ركزت أكثر.

كان حاسم ينظر إليها.

وكان يبتسم.

ليس ابتسامته الرسمية.

ولا ابتسامته الصغيرة المعتادة.

بل ابتسامة مختلفة.

ابتسامة رجل مرتاح.

ابتسامة شخص يشعر بالألفة.

أغلقت ليان القصة.

لم تبحث عن المزيد.

لكن الفضول غلبها بعد دقائق.

فتحت حساب رائد.

وجدت صوراً قديمة.

ثلاثة شباب.

وفتاة بينهم.

حاسم.

رائد.

يزن.

وجاني السعدي.

عرفت الاسم فوراً.

لم تكن بحاجة إلى أن يسألها أحد.

كانت هي.

جاني.

الحب الأول لحاسم.

بقيت ليان تنظر إلى الصورة.

ثم أغلقت التطبيق.

لم تشعر بالغيرة بشكل واضح.

لكن قلبها أصبح أثقل قليلاً.

كانت تعرف أن الماضي جزء من حياة حاسم.

وهي لم تكن تملك الحق في محوه.

وضعت هاتفها جانباً.

"لا يهم."

قالتها لنفسها.

ثم أخذت كتابها من جديد.

لكنها لم تقرأ كلمة واحدة.

في المطعم، كان رائد يضحك بصوت مرتفع.

"لا أصدق أنك عدتِ فعلاً."

ابتسمت جاني.

"قلت لكم إنني سأعود."

قال يزن:

"بعد كل هذه السنوات؟"

"كانت لدي أسبابي."

نظر حاسم إليها.

لم يتحدث.

كان لا يزال يحاول استيعاب وجودها أمامه.

كانت جاني التي عرفها.

لكنها تغيرت.

أصبحت أكثر نضجاً.

ومع ذلك، بقي شيء فيها كما هو.

طريقتها في الكلام.

ابتسامتها.

والقدرة الغريبة على جعله يشعر بأنه عاد إلى عمر مختلف.

قالت جاني:

"حاسم، لماذا أنت صامت؟"

أجاب:

"أحاول أن أستوعب أنك هنا."

ضحكت.

"هل هذه طريقة جيدة للترحيب؟"

لأول مرة، ابتسم حاسم بوضوح.

"لم أعرف ماذا أقول."

نظر رائد ويزن إلى بعضهما.

لم يتدخلا.

كانا يعرفان أن هناك تاريخاً بين الاثنين لا يمكن اختصاره في جلسة واحدة.

رفعت جاني كوبها.

"لنشرب."

رفع الثلاثة أكوابهم.

وقال رائد:

"إلى عودة جانو."

ابتسمت جاني.

أما حاسم، فظل ينظر إليها.

في تلك اللحظة، كانت ليان في شقتها.

وضعت هاتفها بعيداً.

لم تكن تعرف ماذا حدث بعد انتهاء القصة.

ولم تكن تريد أن تعرف.

كل ما كانت تعرفه هو أن جاني عادت.

وأن حاسم كان سعيداً برؤيتها.

أما ما يعنيه ذلك...

فستتركه للأيام القادمة.

لأن ليان لم تكن مستعدة لأن تسأل حاسم عن امرأة لم يخبرها حتى بوجودها.

ولم تكن مستعدة أيضاً لأن تظهر له أنها رأت شيئاً.

كانت ستبقى صامتة.

كما فعلت طوال حياتها.

لكن هذه المرة...

كان صمتها يخفي سؤالاً واحداً:

هل يمكن لماضٍ غائب لسنوات أن يعود في لحظة واحدة ويغير كل شيء؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بين الواجب و الحب الضائع   أربعة أيام أقل

    لم تنم ليان تلك الليلة.ليس بسبب الخوف وحده، بل لأن عقلها أصبح يعمل بطريقة لم تعرفها من قبل.وضعت تذكرة السفر داخل غلاف أزرق صغير، ثم أخفته بين صفحات كتاب قديم كانت قد اشترته قبل سنوات ولم يفتحه أحد في المنزل.ستة عشر يومًا.ستة عشر يومًا فقط، وستكون في الطائرة.أربعة أيام قبل الموعد الذي يعرفه الجميع.لم تكن تعرف إن كان قرارها صائبًا، لكنها للمرة الأولى شعرت أن البقاء في مكان واحد لم يعد خيارًا آمنًا.في الصباح، نهضت قبل سعاد.ارتدت ملابس بسيطة، وربطت شعرها، ثم جلست أمام النافذة وهي تشرب قهوتها دون سكر.على الطاولة أمامها كانت توجد ثلاثة أشياء:جواز سفرها.ملف الجامعة.وقائمة صغيرة كتبتها بخط يدها:الأوراق.الأدوية.ملابس التدريب.الحذاء.الهاتف الاحتياطي.المال.ولا شيء من الماضي.توقفت عند الجملة الأخيرة.ثم أضافت تحتها:إلا الحقيقة.---في الجهة الأخرى من المدينة، كان حاسم في مكتبه

  • بين الواجب و الحب الضائع   شيء لم يكن في الحسبان

    في صباح اليوم التالي، لم تستيقظ ليان على صوت المنبه.استيقظت على طرق خفيف على باب غرفتها.— سيدتي؟كان صوت سعاد.فتحت ليان عينيها.— ادخلي.فتحت سعاد الباب، وكانت تحمل صندوقًا متوسط الحجم.— وصل هذا لكِ.جلست ليان.— لي؟— نعم. جاء رجل وأعطاه للحارس، وقال إنه طلب منكِ استلامه شخصيًا.نظرت ليان إلى الصندوق.لم يكن عليه اسم المرسل.فقط اسمها.ليان الأزهري.قالت:— هل رأيتِ الرجل؟— لا. الحارس هو من استلمه.اقتربت ليان من الصندوق.لكنها لم تفتحه.— ضعيه هنا.وضعت سعاد الصندوق على الطاولة وخرجت.انتظرت ليان حتى أُغلق الباب.ثم أخذت نفسًا عميقًا.فتحت الصندوق.لم يكن بداخله شيء مخيف.بل كانت مجموعة من الأشياء القديمة.صور.دفتر صغير.تذكرة قطار.وشريط فيديو قديم.وفي الأعلى ورقة واحدة:> "هذه الأشياء

  • بين الواجب و الحب الضائع   الرسالة التي كشفت أكثر مما ينبغي

    ظل حاسم واقفًا في مكانه.الهاتف المكسور بين أصابعه.اسم واحد على الشاشة:جاني السعدي.لم يقل شيئًا.حتى رائد، الذي كان يقف إلى جانبه، لم يجرؤ على الكلام للحظات.قال حاسم أخيرًا:— افتح الهاتف.— الشاشة مكسورة.— حاول.أخذ رائد الهاتف، وحاول تشغيله مرة أخرى.اشتغل للحظات.ظهرت الرسالة.لم تكن طويلة.جاني:"هل فعلت ما طلبته منك؟"حدق حاسم في الجملة.ثم ظهرت رسالة ثانية لم تكتمل بسبب انطفاء الهاتف:"لا تجعلني أندم لأنني..."وانطفأت الشاشة.قال رائد:— هذا ليس طبيعيًا.لم يرد حاسم.كان يشعر بأن شيئًا داخله يرفض تصديق ما يراه.جاني؟المرأة التي كان يعتقد أنها أكثر شخص يمكنه الوثوق به؟المرأة التي اعتاد الدفاع عنها أمام الجميع؟هل كانت تعرف الرجل الذي كان يعمل في قسم الأمن؟ولماذا كانت تطلب منه شيئًا؟قال رائد:— هل تريدني

  • بين الواجب و الحب الضائع   الصورة القديمة

    لم تنم ليان.ظلت الصورة أمامها على شاشة هاتفها، تعود إليها كلما حاولت أن تضع الهاتف جانبًا.لم يكن وجه الرجل واضحًا.لكن الشعار...كان واضحًا بما يكفي.شعار شركة حاسم.وضعت الهاتف على الطاولة، ثم قامت من مكانها وبدأت تمشي ببطء داخل الغرفة.لم تكن تريد أن تقفز إلى الاستنتاجات.حاسم كان يملك شركة كبيرة.ومن الطبيعي أن يعمل فيها مئات الأشخاص.وقد تكون الصورة مرتبطة بأحد موظفي الشركة دون أن يكون حاسم نفسه يعرف شيئًا.لكن السؤال الأصعب كان:لماذا كان أحد موظفي شركته يراقبها قبل الحادث؟فتحت الصورة مرة أخرى.كبرتها.نظرت إلى الرجل.ثم إلى الشعار.ثم إلى تاريخ الصورة الموجود في بياناتها.كان قبل الحادث بأيام.لم يكن يوم الحادث نفسه.وهذا جعل الأمر أكثر غرابة.---في الصباح، أخذت ليان قرارًا.لن تسأل حاسم.ليس الآن.ليس قبل أن تعرف شيئًا حقيقيًا.

  • بين الواجب و الحب الضائع   من كان خلف الباب؟

    توقفت ليان عن التنفس لثوانٍ.كانت عيناها معلقتين بوجه فارس.— ماذا تقصد بـ"عاد"؟لم يجب فورًا.كان ينظر إلى باب القاعة وكأنه يتوقع أن يُفتح في أي لحظة.قالت ليان بحدة هادئة:— فارس، أنا انتظرت أربع سنوات حتى أسمع منك الحقيقة. لن أخرج من هنا قبل أن تخبرني.اقترب منها وخفض صوته:— ليس هنا.— لماذا؟— لأنني لا أعرف من كان خلف الباب.التفتت ليان بسرعة.كان الممر فارغًا.لم يكن هناك أحد.قالت:— ربما تخيلت الأمر.هز فارس رأسه.— لا.— هل رأيت شخصًا؟— لم أر وجهه.ثم نظر إليها.— لكنني سمعت صوت الباب.سكت لحظة.— وكان هناك شخص آخر معنا.تجمدت ليان.— شخص آخر؟— نعم.— من؟نظر فارس إليها طويلًا.— شخص لم يكن من المفترض أن يكون هناك.في الوقت نفسه، كان حاسم داخل سيارته.كان قد تلقى رسالة من رائد قبل دقائق:

  • بين الواجب و الحب الضائع   الصورة التي لم يكن يجب أن توجد

    ظل حاسم يحدق في الصورة على شاشة حاسوبه.لم يتحرك.لم يرمش حتى.كانت الصورة قديمة، جودتها ضعيفة، ويبدو أنها التُقطت في عجلة وسط الفوضى التي أعقبت الحادث.في المقدمة كانت السيارة.وفي الجهة الأخرى كانت ليان.وجهها لم يكن واضحًا تمامًا، لكن حاسم عرفها فورًا.أما في الخلفية...فكان هناك رجل يقف بعيدًا.رجل لم يظهر في التقرير الرسمي.قال حاسم ببطء:— من هذا؟كان رائد واقفًا خلفه.— لا أعرف بعد.كبّر حاسم الصورة.ظهر الرجل أوضح قليلًا.معطف داكن.هاتف في يده.ووجه نصفه مخفي بسبب زاوية التصوير.قال حاسم:— وكيف حصلت على هذه الصورة؟— من أرشيف إحدى الصحف المحلية. لم تُنشر الصورة في الخبر النهائي، لكنها كانت ضمن الصور الأصلية التي التقطها المصور.— ولماذا لم تظهر في التحقيق؟— هذا ما أحاول معرفته.أعاد حاسم النظر إليها.ثم قال:— كبّر الجهة الأخرى.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status