ANMELDENلم تسأل ليان النجار حاسم الرفاعي عن المرأة التي رأتها في قصة رائد.
حتى عندما ظهر وجهها بوضوح أمامها، وحتى عندما سمعت رائد يناديها باسم جانو، لم تفعل شيئاً سوى إغلاق هاتفها. كانت قد فهمت من الصور القديمة أنها جاني السعدي. الفتاة التي كانت جزءاً من مجموعة أصدقاء حاسم ورائد ويزن منذ أيام المدرسة. لكنها لم تعرف أكثر من ذلك. ولم تكن تنوي أن تسأل. فليان لم تكن من النوع الذي يفتش خلف زوجها أو يسأله عن كل شخص يقابله. إذا أراد حاسم أن يخبرها بشيء، سيخبرها. وإذا لم يفعل... فهي لن تجبره. في صباح اليوم التالي، كان حاسم يستعد للذهاب إلى الشركة عندما وجد ليان في غرفة الطعام. "صباح الخير." رفعت عينيها إليه. "صباح النور." جلس لتناول قهوته. ساد بينهما صمت مريح. كان حاسم يتصفح بعض الرسائل على هاتفه، بينما كانت ليان تتناول فطورها بهدوء. بعد دقائق، رفع عينيه إليها. "لدي اجتماع خارج الشركة اليوم." "حسناً." "قد أتأخر." أومأت. "لا بأس." لم تضف شيئاً. نظر إليها لثوانٍ، ثم عاد إلى هاتفه. لم يكن يعرف أن ليان كانت تعرف شيئاً لم تخبره به. ولم يكن يعرف أنها شاهدت قصته مع أصدقائه. كانت ليان جيدة في إخفاء مشاعرها. قال حاسم: "إذا احتجتِ شيئاً، اتصلي بي." ابتسمت. "سأفعل." وقف، ثم أخذ سترته. "سأعود الليلة." "حسناً." غادر. وبقيت ليان تراقب الباب للحظات. ثم عادت إلى فطورها. لم تشعر بأنها غاضبة. ولم تكن حتى متأكدة من أنها غارت. كل ما شعرت به كان فضولاً هادئاً. من تكون جاني بالنسبة إليه الآن؟ هل هي مجرد صديقة قديمة؟ أم أن عودتها تعني شيئاً آخر؟ لكنها لم تسمح لهذه الأسئلة بأن تأخذ مساحة كبيرة في عقلها. على الأقل ليس الآن. في الشركة، كان حاسم غارقاً في العمل. دخل رائد إلى مكتبه دون موعد. "لدينا مشكلة صغيرة." رفع حاسم عينيه عن الأوراق. "ما هي؟" "المشروع الجديد." أشار حاسم إلى الكرسي. "اجلس." جلس رائد وبدأ يشرح التفاصيل. بعد دقائق، دخل يزن أيضاً. اجتمع الثلاثة حول مكتب حاسم. كان الحديث عملياً في البداية. أرقام. عقود. خطط. مواعيد. ثم، بعد أن انتهوا، اتكأ رائد إلى الخلف وقال: "بالمناسبة..." رفع حاسم حاجبه. "ماذا؟" ابتسم رائد. "هل ستأتي الليلة؟" "إلى أين؟" "لا تقل إنك نسيت." تدخل يزن: "اتفقنا منذ أيام." فكر حاسم للحظة. ثم تذكر. "صحيح." قال رائد: "أنا ويزن سنكون هناك." أومأ حاسم. "سأأتي." لم يكن اللقاء اجتماع عمل. كان مجرد عشاء بين ثلاثة أصدقاء. لقاء بسيطاً كما كانوا يفعلون أحياناً منذ أن بدأت الشركة. لم يكن حاسم يعلم أن هذه الليلة تحديداً ستكون مختلفة. في المساء، عاد حاسم إلى الشقة قبل أن يغادر مرة أخرى. وجد ليان جالسة في الصالون. قال: "سأخرج مع رائد ويزن." رفعت عينيها إليه. "حسناً." "قد أتأخر." "لا مشكلة." لم تسأله إلى أين. ولم تسأله من سيكون هناك. ابتسم حاسم ابتسامة خفيفة. "تصبحين على خير إذا نمتِ قبل أن أعود." "وأنت أيضاً." غادر. جلست ليان مكانها. ثم أخذت هاتفها. فتحت كتاباً إلكترونياً، وحاولت القراءة. بعد نصف ساعة، شعرت بالملل. فتحت إنستغرام دون اهتمام. ظهرت أمامها قصة جديدة. رائد. فتحتها. كان هناك فيديو قصير من المطعم. ظهر رائد أولاً. ثم يزن. ثم حاسم. كان حاسم يضحك. ضحكة صادقة وعفوية. حدقت ليان في الشاشة. لم تره يضحك بهذه الطريقة منذ وقت طويل. ثم تحركت الكاميرا. ظهرت امرأة. كانت جميلة ومرتبة بشكل واضح، ترتدي ملابس أنيقة، وشعرها مصفف بعناية. ضحكت وقالت شيئاً لم تستطع ليان سماعه جيداً بسبب الموسيقى. ثم ظهر رائد وهو يقول: "جانو، لا تغيري الموضوع!" توقفت ليان. جانو. أعادت القصة. هذه المرة ركزت أكثر. كان حاسم ينظر إليها. وكان يبتسم. ليس ابتسامته الرسمية. ولا ابتسامته الصغيرة المعتادة. بل ابتسامة مختلفة. ابتسامة رجل مرتاح. ابتسامة شخص يشعر بالألفة. أغلقت ليان القصة. لم تبحث عن المزيد. لكن الفضول غلبها بعد دقائق. فتحت حساب رائد. وجدت صوراً قديمة. ثلاثة شباب. وفتاة بينهم. حاسم. رائد. يزن. وجاني السعدي. عرفت الاسم فوراً. لم تكن بحاجة إلى أن يسألها أحد. كانت هي. جاني. الحب الأول لحاسم. بقيت ليان تنظر إلى الصورة. ثم أغلقت التطبيق. لم تشعر بالغيرة بشكل واضح. لكن قلبها أصبح أثقل قليلاً. كانت تعرف أن الماضي جزء من حياة حاسم. وهي لم تكن تملك الحق في محوه. وضعت هاتفها جانباً. "لا يهم." قالتها لنفسها. ثم أخذت كتابها من جديد. لكنها لم تقرأ كلمة واحدة. في المطعم، كان رائد يضحك بصوت مرتفع. "لا أصدق أنك عدتِ فعلاً." ابتسمت جاني. "قلت لكم إنني سأعود." قال يزن: "بعد كل هذه السنوات؟" "كانت لدي أسبابي." نظر حاسم إليها. لم يتحدث. كان لا يزال يحاول استيعاب وجودها أمامه. كانت جاني التي عرفها. لكنها تغيرت. أصبحت أكثر نضجاً. ومع ذلك، بقي شيء فيها كما هو. طريقتها في الكلام. ابتسامتها. والقدرة الغريبة على جعله يشعر بأنه عاد إلى عمر مختلف. قالت جاني: "حاسم، لماذا أنت صامت؟" أجاب: "أحاول أن أستوعب أنك هنا." ضحكت. "هل هذه طريقة جيدة للترحيب؟" لأول مرة، ابتسم حاسم بوضوح. "لم أعرف ماذا أقول." نظر رائد ويزن إلى بعضهما. لم يتدخلا. كانا يعرفان أن هناك تاريخاً بين الاثنين لا يمكن اختصاره في جلسة واحدة. رفعت جاني كوبها. "لنشرب." رفع الثلاثة أكوابهم. وقال رائد: "إلى عودة جانو." ابتسمت جاني. أما حاسم، فظل ينظر إليها. في تلك اللحظة، كانت ليان في شقتها. وضعت هاتفها بعيداً. لم تكن تعرف ماذا حدث بعد انتهاء القصة. ولم تكن تريد أن تعرف. كل ما كانت تعرفه هو أن جاني عادت. وأن حاسم كان سعيداً برؤيتها. أما ما يعنيه ذلك... فستتركه للأيام القادمة. لأن ليان لم تكن مستعدة لأن تسأل حاسم عن امرأة لم يخبرها حتى بوجودها. ولم تكن مستعدة أيضاً لأن تظهر له أنها رأت شيئاً. كانت ستبقى صامتة. كما فعلت طوال حياتها. لكن هذه المرة... كان صمتها يخفي سؤالاً واحداً: هل يمكن لماضٍ غائب لسنوات أن يعود في لحظة واحدة ويغير كل شيء؟مرّت أسابيع قليلة منذ بدأت ليان إعادة التأهيل.لم تكن التغييرات كبيرة بما يكفي ليلاحظها شخص لا يعرفها، لكنها بالنسبة إليها كانت أشبه بمعجزة.أصبحت تقف لفترة أطول.خطواتها أصبحت أكثر ثباتاً.والأهم أنها لم تعد تخاف من ساقها كما كانت في السابق.كل صباح كانت تدخل مركز التأهيل وهي تعرف أن الطريق طويل، لكنها لم تعد تكره الطريق.كانت تحبه.لأنه يعيد إليها شيئاً فقدته.في ذلك اليوم، كانت ليان تنهي تمرينها الأخير عندما قال لها المدرب:"توقفي."نظرت إليه."لماذا؟""لأنك بدأت تتعبين.""أستطيع الاستمرار.""أعرف."ثم ابتسم."لكن القدرة على التوقف في الوقت المناسب جزء من العلاج أيضاً."تنهدت وجلست."حسناً."ناولها الماء."بعد أسبوعين، إذا استمر التحسن بهذا الشكل، سنزيد التمارين."رفعت رأسها بسرعة."إلى ماذا؟""إلى تمارين أقرب للحركة التي تحتاجينها في الرقص."تجمدت للحظة.
في اليوم التالي، وصلت ليان إلى العيادة في الموعد المحدد.لم تخبر حاسم.وكعادتها، لم يكن في الأمر شيء سري بالنسبة لها؛ كانت فقط تريد أن تتولى هذه المرحلة بنفسها.كان آدم قد أخبرها أن الطبيب يريد أن يبدأ معها بطريقة مختلفة قبل الانتقال إلى إعادة التأهيل.دخلت غرفة الفحص، فوجدت الطبيب يجهز أدواته.قال لها:"اليوم لن نبدأ بتمارين شاقة."نظرت إليه باستغراب."ماذا سنفعل؟""سأبدأ معك بالعلاج بالوخز بالإبر."نظرت إلى ساقها."الإبر؟"ابتسم."نعم. الهدف هو تحفيز مناطق معينة ومساعدة العضلات والأعصاب على الاستجابة بشكل أفضل، وبعدها سننتقل تدريجياً إلى إعادة التأهيل."أومأت."أنا مستعدة."استلقت ليان بهدوء.كان الطبيب يشرح لها كل خطوة قبل أن يقوم بها، حتى لا تشعر بالخوف.وضعت يدها على طرف السرير.ثم بدأت الجلسة.في البداية شعرت بوخز خفيف.ثم إحساس غريب بالشد في بعض المناطق.أغمضت عينيها.
مرت ثلاثة أيام منذ زيارة ليان للطبيب.ثلاثة أيام لم تتحدث فيها عن الأمر مع أحد.كانت تذهب إلى مركز الرقص صباحاً، ثم تعود إلى المنزل، وتكمل إجراءات سفرها بصمت.أما حاسم، فقد أصبح أكثر ملاحظة لكل تفاصيلها.لم يكن يسألها مباشرة.لكنه كان يراقب.لاحظ أنها أصبحت تستيقظ مبكراً.لاحظ أنها تخرج أكثر.لاحظ أنها لم تعد تنتظر عودته إلى المنزل.والأهم...لاحظ أنها لم تعد ترتب حياته كما كانت تفعل في الماضي.في السابق، كان يجد ملابسه جاهزة قبل أن يطلبها.ربطات العنق التي تناسب بدلاته.الأزرار التي اختارتها بنفسها.حتى بعض التصاميم التي كانت تتواصل مع يوسف بشأنها كانت تحمل لمساتها الخاصة.أما الآن؟كان يرتدي ما يجده.ولم تعد تسأله إن كان يحتاج شيئاً.في صباح اليوم الرابع، كان حاسم في مكتبه عندما وصلته رسالة من الطبيب."النتائج الأولية جاهزة. نحتاج إلى جلسة أخرى لمناقشة خطة العلاج."ظل ينظر إلى الرسالة.كان
كانت ليان قد قررت منذ أيام أن تبدأ خطوة جديدة.بعد أن حصلت على موافقة التأشيرة، لم تعد تريد أن تغادر وهي تحمل في داخلها سؤالاً واحداً عن ساقها.إذا كانت ستعود إلى الرقص، فعليها أن تعرف أولاً إلى أي مدى تستطيع جسدياً أن تفعل ذلك.ولهذا، عندما أخبرتها نادين عن طبيب جديد يستخدم تقنية مختلفة في إعادة التأهيل، اهتمت فوراً.قالت لها نادين:"إنه ليس طبيباً عادياً. آدم يعرفه، وقد أخبرني عنه."رفعت ليان عينيها."آدم؟""نعم."ثم أضافت:"يقول إن طريقته مختلفة عن الأطباء الذين ذهبتِ إليهم سابقاً."فكرت ليان للحظة.ثم وافقت.في اليوم التالي، اجتمعت ليان بنادين.كان آدم الكيلاني ينتظرهما في مقهى قريب.عندما رآها، ابتسم."مر وقت طويل."قالت ليان:"نعم."كان آدم ينظر إليها باهتمام واضح، لكنه كان حريصاً على ألا يكشف شيئاً.كان قد عرفها منذ سنوات.وعلى الرغم من أن ليان لم تكن تعرف ما كان يشعر به تجاهها، إلا أن
في صباح اليوم التالي، استيقظت ليان قبل شروق الشمس.لم يكن هناك سبب واضح يجعلها تستيقظ باكراً.لكن منذ أن عادت إلى مركز الرقص، أصبح النوم مختلفاً.كانت تشعر أن شيئاً قديماً استيقظ بداخلها.شيء ظنت أنه مات منذ أربع سنوات.جلست على حافة السرير، ثم نظرت إلى الصندوق الموجود بجانبها.فتحت الغطاء.كان حذاء الرقص الذي اشتراه لها حاسم بالأمس.مررت أصابعها فوقه.ثم ابتسمت."شكراً..."قالتها لنفسها.لكنها لم تكن متأكدة إن كانت تشكره لأنه أعاد إليها شيئاً تحبه...أم لأنها أدركت بسببه أن هذا الحلم لم يمت فعلاً.بعد ساعة، كانت في مركز الرقص.وقفت أمام المرآة الكبيرة.كان المدرب أمامها."سنبدأ ببطء."أومأت."أنا مستعدة.""لا تحاولي إثبات شيء."نظرت إليه."لا أريد إثبات شيء."ثم أخذت نفساً عميقاً."أريد فقط أن أرقص."بدأت الموسيقى.خطوة.ثم أخرى.
كان صباحاً عادياً...على الأقل بالنسبة إلى حاسم.استيقظ، ارتدى بدلته، تناول قهوته، ثم خرج إلى الشركة.لكن بالنسبة إلى ليان، كان كل يوم يمر يحمل معه خطوة جديدة نحو النهاية.لم تعد تفكر في سؤال واحد:هل سأرحل؟بل أصبح السؤال:متى؟بعد خروج حاسم، دخلت ليان غرفتها وأغلقت الباب.وضعت حقيبتها على السرير، ثم أخرجت ملفاً صغيراً.كانت الأوراق مرتبة بعناية.جواز السفر.شهادة اللغة.خطاب القبول.الوثائق الجامعية.ثم ورقة التأشيرة.وضعت إصبعها على التاريخ.اقترب الموعد.ابتسمت دون أن تشعر.ثم رن هاتفها.كانت الجامعة.أجابت بسرعة."مرحباً."تحدثت الموظفة معها لبضع دقائق، ثم قالت:"نعم، بالتأكيد. سأرسل لكم الوثيقة المطلوبة اليوم."أغلقت المكالمة.وأخذت نفساً عميقاً.كانت الأمور تسير كما خططت.لكنها لم تكن وحدها التي بدأت تلاحظ التغيير.







