Home / الرومانسية / بين براثن قسوته / الفصل الرابع: مغازلة

Share

الفصل الرابع: مغازلة

last update publish date: 2026-10-02 21:14:07

الفصل الرابع

❈-❈-❈

«لو سمحت، حُط الكرسي ده في أوضة النوم مش هنا.»

وزعت «ميرنا» تعليماتها على العاملين المنتشرين بالشقة الواسعة، وقد اختفى اتساعها تقريبًا من كثرة الأثاث المتراكم في كل زاوية، وكانت جميع القطع لا تزال تحمل أوراق التغليف الخاصة بها.

بدأ الجميع العمل على قدم وساق، متتبعين تعليماتها بدقة، فأهم شيء بالنسبة لهم هو إرضاء العميل، ولم تكن «ميرنا» عميلة هينة، فهي لا تقبض يدها أبدًا... خاصةً خطيبها، السيد «عزيز».

كانت قد نزعت عنها سترتها الزرقاء من الجينز، وبقيت بكنزتها البيضاء ذات الأكمام القصيرة، تقف في منتصف الصالة الواسعة، واضعةً يديها على خصرها، تحاول أن تتخيل الصورة النهائية للمكان، وتعيد ترتيبه في رأسها بشكل دقيق وراقي.

أزاحت أحد المقاعد المرتفعة جانبًا، فلاحظها أحد العاملين، وهرول إليها سريعًا، يدفعها بعيدًا بخفة واحترام:

— «عنك يا آنسة، أنا هشيله. قوليلي بس عايزة ترجعيه فين؟»

ابتسمت له بهدوء، ثم أشارت إلى زاوية معينة، فامتثل لرغبتها وحمله إلى المكان الذي حددته. شكرته ممتنة، ثم ابتعدت تنفض الغبار العالق بكفيها، قبل أن ترفع عينيها فتجد وجه «عزيز» يطل عليها من باب الشقة.

وقبل أن توبخه أو تتفوه بكلمة، بادرها بعناق قصير، قائلًا بمغازلة:

— «البش مهندسة بحالها واقفة مع العمال؟ الإيد النايتي دي بتتوسخ تراب.»

دفعت نفسها بعيدًا عنه، وقد احمر خداها خجلًا من أعين العاملين التي اتجهت نحوهما وهم يبتسمون، متمنين لهما السعادة، ثم استأنفوا عملهم بعدما حياهم «عزيز» بحماس:

— «عاش يا رجالة، كان الله في العون... ثواني بس أدبح لها القطة وأرجع لكم، علشان مطلعة عيني بقالها يومين.»

ختم حديثه وهو يسحبها من مرفقها برفق نحو الغرفة الفارغة في نهاية الردهة القصيرة. حاولت أن تنزع معصمها من يده وهي تقول بضيق:

— «إيه اللي أنت عملته ده يا عزيز؟ بجد مبحبش حركاتك دي.»

دفعها إلى الداخل وأغلق الباب خلفه، فتملكتها حالة من التوتر، وسارعت بالاقتراب من الباب:

— «أنت بتقفل الباب ليه؟ هتعمل إيه؟ العمال برا.»

رفع إصبعه في وجهها، وحركه يمينًا ويسارًا بنظرة ماكرة:

— «تؤتؤ... عندي فوبيا من الأماكن المفتوحة، أصل كنت بتعلق فيها وأنا صغير.»

نظرت إليه بعدم تصديق، ثم تراجعت خطوة عندما وجدته يقترب منها.

— «أنت بتقرب ليه؟»

تراجعت إلى الخلف، وكلما تقدم هو خطوة، تراجعت هي خطوتين، وهي تقول بتوتر:

— «يا عزيز، العمال يقولوا عليا إيه بجد؟ افتح الباب وخلينا نطلع لهم، مينفعش كده.»

اقترب منها خطوة أخرى، ففعلت المثل، لكنها اصطدمت بالجدار خلفها، فشهقت بخفوت، وزاغت نظراتها في أنحاء الغرفة الفارغة، متعمدة ألا تنظر إليه.

قال هو بلمعة خبث واضحة:

— «هيقولوا واحد بقاله سنتين خاطب ومحروم على الآخر وخلاص فاض بيه.»

جحظت عيناها بتوتر، وكادت تبكي من شدة خجلها، فترجته:

— «عزيز، كفاية والله هصوت.»

انفجر ضاحكًا، وقال وهو يتراجع عنها قليلًا:

— «أنت كده هتثبتي لهم يا غبية... وبعدين فين الشراسة اللي كنت بشوفها على التليفون؟ ولا هو على المواقع بس؟ وقدامي تقلبي قطة بلدي؟»

هزت رأسها بسرعة، وقالت وهي تحاول إنهاء الموقف:

— «أيوه، أنت عندك حق، أنا قطة بلدي. خلاص بقى، أوعدك مش هنكد عليك تاني، يلا نخرج بقى.»

— «أفكر طيب.»

هتفت بنبرة أقرب إلى البكاء:

— «عزيز.»

ابتسم بمكر، وقال:

— «هاتي بوسة طيب؟»

شهقت بخفوت، وتعثرت الكلمات فوق لسانها:

— «عزيز، احترم نفسك.»

ضربها فوق جبهتها بإصبعه، وقال ضاحكًا:

— «بوسة في خدي، أنتِ اللي تفكيرك وحش.»

تنفست الصعداء ما إن ابتعد عنها، فهرولت نحو الباب وفتحته مغادرة، ووجهها بالكامل يضخ حرارة من شدة الخجل.

وصل إلى مسامعها صوته بينما يقول، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة عبثية مستمتعة:

— «ماما عازماكي على الغدا النهارده، هنروح سوا، اعملي حسابك!»

❈-❈-❈

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بين براثن قسوته   الفصل الثامن: ألا يكفي إنك حرمتينا من ابوه؟

    تركت جميلة حقيبتها جانبًا، وما إن وقعت عينا "فوزية" عليها، حتى انفجرت في وجهها بوابل من الكلمات اللاذعة والسباب: _"أخيرًا شرفتي يا ست هانم.؟ " رسمت على وجهها ابتسامة صلفة باردة، وردت عليها بهدوء لا شك أنه سيزيد من غليانها: _"إنتوا مستنيني من بدري ولا إيه؟.. سوري يا ماما، الطريق كان زحمة." وبالفعل، لم تكذب خبرًا، إذ اندفعت نحوها تصرخ بأعلى صوتها: _"لا، ألف حمدالله على السلامة! إنتِ يا بت فاكرة إن شغل التلات وراقات دول هيدخل عليا؟ أنا من أول ما طليتي عليا مع ابني عادل، وأنا قلت البت دي مش سهلة، دي تربية خواجات. فضلتي تتمسكني لحد ما تتمكني.. علي البيت كله، إلا عليا؟" على ما يبدو أن "فوزية" كانت تبذل جهدًا جهيدًا في منع نفسها من جذبها من خصلاتها، إلا أنها أمهلت نفسها قليلًا؛ إذ يبدو أن ذلك سيحدث قريبًا، لكن ليس الآن. ابتعدت" جميلة" عن مرماها، وجلست على أقرب مقعد، تنزع حذاءها ذي الكعب العالي. _"إنتِ يا بت، إنتِ مصنوعة من إيه؟ مكفاكيش إنك قصفتي عمر عادل وموتيه بحسرته؟ إيه، جه الدور على سيف ولا إيه؟" رفَّ جفنها لجزء من الثانية عند ذكر زوجها الراحل، لكنها تماسكت ونهضت في مواجهتها: _

  • بين براثن قسوته   الفصل السابع: جبروت امرأة؟

    ❈-❈-❈ تلقت اتصالًا هاتفيًا من «سميرة»، تخبرها بإيجاز أن المحامي ينتظرها منذ قليل. سريعًا ما بدلت ثياب نومها، بالرغم من انعدام الطاقة في جسدها، أو الرغبة في بدء يوم جديد. إلا أنها ضغطت على نفسها، متمنية أن تنتهي من مشكلة المطعم، ثم ببساطة تغادر، وتنتهي الحكاية. جمعت خصلاتها البنية الطويلة في ربطة محكمة، ثم حملت حقيبتها الصغيرة باللون الأسود وغادرت. كان الوقت لا يزال مبكرًا، ولم يستيقظ أي فرد من أفراد المنزل. طرقت باب غرفة «تسنيم» المغلقة، وأيقظتها من نومها، لتترك صغيرها بصحبتها. رحبت تسنيم بذلك، وضمت الصغير إلى أحضانها، ثم عادا إلى النوم. بالنسبة إليها، كانت «تسنيم» الوحيدة التي تأتمنها على ابنها في هذا المنزل. حينما انقلب المنزل فوق رأسها عقب وفاة زوجها، كانت الوحيدة التي قدّرت محنتها، واحترمت ضعفها، ولم تستغله. كلما اقتربت من موقع المطعم، كانت تشعر بالراحة والضيق في آنٍ واحد؛ الراحة لأنها ستتخلص من المشاكل المتعلقة بالمطعم، وبالتالي ستتمكن من السفر سريعًا... إلا أن الضيق كان أشد وطأة عليها. لم تكن ترتبط بالمطعم بالشكل التقليدي؛ مكانًا وهي مالكته، بل ارتبطت به ذكريات قري

  • بين براثن قسوته   الفصل السادس: هروب

    ثبتت «جميلة» الهاتف على القاعدة المخصصة له، أعلى طاولة المطبخ الرخامية، لتظهر على شاشته والدتها وهي ترتشف قهوتها، بينما كانت «جميلة» تتحرك في المطبخ، وقد استقرت أمام الموقد تقلب قطع الدجاج المقلية.قالت والدتها بقلق:— «جميلة، أنا لازم أقول لبابا... ينزل ويبقى جنبك، ويخلص لك موضوع المطعم، علشان المحامي ميستغلكيش وأنتِ بطولك كده.»مدت «جميلة» يدها إلى مقبض الموقد وخفضت درجة الحرارة إلى نار متوسطة، وتركت الدجاج ينضج على مهل، بينما التفتت إلى والدتها:— «مفيش داعي يا ماما، أنا خلاص، أقل من أسبوع وهتلاقيني مسافرة ليكم. بابا تعبان، مينفعش.»— «خلاص أنزل أنا.»قاطعتها سريعًا، مستنكرة بقوة:— «لا، أنتِ لا يا ماما، علشان خاطري. أنا مش ناقصة مشاكل معاهم، عايزة أمشي بهدوء.»ضحكت والدتها بسخرية:— «وهما دول بينفع معاهم حاجة يا حبيبتي؟ ده اسمها إيه دي... سحلية حماتك؟»رغمًا عنها ضحكت «جميلة» على تشبيهها، فوالدتها لا تمل من اختراع أسماء وألقاب مضحكة لحماتها.— «فوزية يا ماما، فوزية.»لوحت والدتها بيدها بلا اهتمام:— «فوزية ولا سحلية... المهم، أخلي بابا يكلم المحامي؟ علشان بس يعرف إنه في ظهرك ووراك

  • بين براثن قسوته   الفصل الخامس: الكنة المستقبلية

    سُحبت المقاعد التابعة للسفرة المخصصة لتناول الطعام، وفي هدوء ورتابة، استقر كل فرد على المقعد المخصص له بأدب، وعلى رأس الطاولة استقرت الجدة «ناهد»، رافعة شعرها الأبيض عاليًا في تسريحة أرستقراطية منمقة.كل شيء هنا كان منمقًا، الملاعق والأطباق مرتبة على نحو دقيق، وحتى أماكن الجلوس لها قواعدها الخاصة.انتهت الخادمات من تفريغ محتويات الطعام في الأطباق، فأصبح أمام كل فرد طبقه ممتلئًا من كل الأنواع الموجودة على الطاولة. لم يتجرأ أحد على رفض نوع معين لأنه لا يفضله.ثوانٍ حتى شرعوا في تناول طعامهم في صمت، احترامًا للطعام... أو للدقة، احترامًا للجدة وقوانينها الصارمة حول الإتيكيت والانضباط.لم يُسمع في الجلسة سوى صوت الملاعق وهي تصطدم بالأطباق، حتى قطعه صوت «ناهد» الآمر بقوة:— «حمدية، هاتي اللمون باللبن... الظاهر إن الهانم هدير نسيته.»وقبل أن تجيب الخادمة، كانت «هدير» قد نهضت من مكانها في عجلة وهي تقول:— «أنا عملته وصبيته، حالًا هجيبه.»تحركت خطوتين، ثم استشعرت تلقائيًا نظرات جدتها الصارمة، فعادت سريعًا إلى مكانها، وعدلت المقعد في موضعه الصحيح، ثم غادرت.وبعد قليل، خرجت تحمل صينية واسعة تراص

  • بين براثن قسوته   الفصل الرابع: مغازلة

    الفصل الرابع❈-❈-❈«لو سمحت، حُط الكرسي ده في أوضة النوم مش هنا.»وزعت «ميرنا» تعليماتها على العاملين المنتشرين بالشقة الواسعة، وقد اختفى اتساعها تقريبًا من كثرة الأثاث المتراكم في كل زاوية، وكانت جميع القطع لا تزال تحمل أوراق التغليف الخاصة بها.بدأ الجميع العمل على قدم وساق، متتبعين تعليماتها بدقة، فأهم شيء بالنسبة لهم هو إرضاء العميل، ولم تكن «ميرنا» عميلة هينة، فهي لا تقبض يدها أبدًا... خاصةً خطيبها، السيد «عزيز».كانت قد نزعت عنها سترتها الزرقاء من الجينز، وبقيت بكنزتها البيضاء ذات الأكمام القصيرة، تقف في منتصف الصالة الواسعة، واضعةً يديها على خصرها، تحاول أن تتخيل الصورة النهائية للمكان، وتعيد ترتيبه في رأسها بشكل دقيق وراقي.أزاحت أحد المقاعد المرتفعة جانبًا، فلاحظها أحد العاملين، وهرول إليها سريعًا، يدفعها بعيدًا بخفة واحترام:— «عنك يا آنسة، أنا هشيله. قوليلي بس عايزة ترجعيه فين؟»ابتسمت له بهدوء، ثم أشارت إلى زاوية معينة، فامتثل لرغبتها وحمله إلى المكان الذي حددته. شكرته ممتنة، ثم ابتعدت تنفض الغبار العالق بكفيها، قبل أن ترفع عينيها فتجد وجه «عزيز» يطل عليها من باب الشقة.و

  • بين براثن قسوته   الفصل الثالث: عائلة مزيفة

    اجتمعت السيدات بالمنزل، في صالون المنزل الواسع، استقرت كل واحدة منهن على مقعد، وتناثرت حولهن الكثير من الثياب بمختلف الألوان والتصاميم.. وقد امتلأت الطاولة العريضة بالفساتين الراقية. بينما وقفت الفتاة العاملة، وقد كانت من إحدى بيوت الأزياء الشهيرة، هنا لمساعدتهن في اختيار ما يناسبهن من فساتين سهرة فخمة.بينما كانت السيدة «فوزية» تقلب صفحات المجلة بين يديها، وعلى وجهها ملامح امتعاض وازدراء من الفساتين المعروضة أمامها..._"إيه الفساتين ديه، لا لا توني بدأ يجري ورا الترندات، فين القطع الفخمة اللي كان بيعملها؟"ابتلعت الفتاة العاملة الإهانة في صمت، متجاهلة صلف تلك المرأة، والتي أرهقتها فعليًا معها في عرض أكثر من ثلاثين قطعة حتى الآن، ولم ينل استحسانها ولا قطعة حتى، وأخذت تبحث في الحقيبة الكبيرة عن فستان آخر، لعله ينال إعجابها وتنتهي.خرجت «تسنيم» من الغرفة تسير حافية الأقدام، وما زالت تهندم الفستان على جسدها، وتتفقّده جيدًا، ثم ترفعه عن الأرض، واقتربت منهم قائلة ببسمة واسعة:_"ها إيه رأيكم؟ حلو مش كده؟"وصلتها الإجابة سريعًا من زوجة أخيها، تقول بإعجاب صريح:_"تحفة يا تسنيم، مش قولتلك الفس

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status