LOGINبعد وفاة زوجها، لم تجد «جميلة» لنفسها مكانًا سوى بين عائلته، حيث أصبحت أمومتها لـ«سيف» سببًا كافيًا لتظل مرتبطة بهم رغم كل ما عانته. لكن حين قررت أخيرًا أن تنهي كل شيء، وتبيع مطعمها وترحل بابنها بعيدًا عنهم، لم يسمحوا لها بالمغادرة وحدها... فقد قدموا لها حلًا لم يخطر لها على بال. «عزيز»... أحد أفراد العائلة، الرجل الذي لم تره جميلة يومًا إلا كأحد رجال بيت زوجها الراحل، سيصبح زوجها...والكارثة أنها أكبر منه سنا والآن، عليها أن تعيش تحت سقف واحد مع رجل لم تختره، وتمنحه مكانة الزوج في حياتها، بينما قلبه كان متعلقًا بامرأة أخرى... فهل يكون هذا الزواج هو القيد الأخير الذي سيمنع جميلة من الرحيل، أم أن الرجل الذي فُرض عليها زوجًا سيصبح أول رجل تختاره بإرادتها؟
View Moreالفصل الأول
❈-❈-❈ استقرت شمس النهار في كبد السماء، ورويدًا رويدًا تنحدر ناحية الأرض، يصاحب ذلك ارتفاع في درجة الحرارة الصيفية في شهر أغسطس الحار.. وغطّت مدينة الإسكندرية، عروس البحر المتوسط، موجات ساخنة، خفّت الأقدام حول الشاطئ الرملي، تجنبًا لضربات الشمس المُلتهبة، إلا بعض الأطفال الصغار يركضون هنا وهناك بجاروفات الرمال البلاستيكية الصغيرة بين أيديهم. وبالفعل كان المطعم الصغير، الذي تطل واجهته الزجاجية الواسعة على البحر الممتد مباشرةً، شاغرًا من الزوار في هذه الساعة من النهار.. وللمحزن أن ذلك لم يكن اليوم فقط من أجل ارتفاع الحرارة. قد سبق ذلك بكثير، تدريجيًا وفي خلال ستة أشهر خفّت الأقدام عن زيارة المطعم، بعد أن تراجعت جودته في الفترة الأخيرة، سواء في الخدمات أو الوجبات المقدمة. لسعتها حرارة الشمس، مستقرةً فوق جلد ظهرها العاري، بعد أن انحرف الشال القصير عنها بينما هي شاردة في منظر البحر أمامها، رفعته سريعًا متنهدة بحرارة.. تضمه إليها بقوة، وكأنها تحتضن نفسها في مواساة صامتة.. كان البحر صامتًا، زادت مياهه قتامةً وكأنه حزين يودعها. _"مدام جميلة؟... يا مدام جميلة." لم تنتبه إلى النداءات المتكررة، وكأنها تأتي من مكان ما بعيد تجهله، أو هي التي ذهبت إلى مكان بعيد. ارتفع النداء مرة أخرى، ولكن بصوتٍ مرتفع، يزداد وضوحًا كلما اقتربت من موقعها على الشاطئ الرملي. لفتت انتباهها "سميرة"، مساعدتها الخاصة بالمطعم، تقترب منها بقامتها القصيرة ووزنها شبه الزائد. تهرول على الأرضية الرملية المختلطة بالمياه، وقد تلطخ ثوبها، وعلقت به الرمال، تنبأت بحديثها القادم، فسألتها مباشرةً: _"المحامي جه؟" هزت "سميرة" رأسها نافية، بداخلها تمني يكاد يكون دعاء، بألا يأتي المحامي اليوم.... بل ألا يأتي إطلاقًا وقد تح تبعتها إجابتها المقتضبة، بينما ترفع كفها للأعلى تحجب أشعة الشمس عن نظارتها الطبية العريضة: _"لا لسه، تحبي نقفل المطعم دلوقتي ونرجع على بليل؟" تنهيدة حارة محملة بثقل كبير أخرجتها "جميلة" من صدرها، وملامحها الأوروبية غرقت في حزن عميق لا تواسيه أي كلمات، نظرة طويلة ألقتها على واجهة المطعم الزجاجية، والتي عُلّقت فوقها لافتة عريضة، اختلطت ألوانها ما بين اللون الأزرق المماثل لزرقة البحر، واللون الذهبي... وقد تقشر طلاؤها وبهت. غرقت في صمت طويل تراقب المقاعد الشاغرة من خلف الزجاج، اقتربت منها مساعدتها، تربت على كتفيها بحنوٍ، تقول مواسية بصدق: _"يا مدام لسه قُدامنا فرصة، أتصل بالمحامي وأبلغه أننا خلاص مش هنبيع، والموضوع يخلص." قاطعتها سريعًا تنفي اقتراحها من جذوره، معنى التفكير في احتمالية ذلك.. لن يؤدي سوى إلى امتداد المدة وبالتالي تراكم المشاكل والديون، أحكمت الشال الأسود حول بشرتها الصافية حتى لا تحرقها الشمس... بادرت بالانصراف دون رد، فتبعتها "سميرة" بوجه قلق وغارق في الأسى، حتى وصلتا إلى الداخل، نزعت عنها الشال تُلقيه على أقرب مقعد وكأنه حمل ثقيل لا يطيقه جسدها، ترفع خصلاتها البندقية من ثم تدفعها للخلف. واستقرت على كرسي قريب تلقي نظرات متفرقة مودعة على أرجاء المكان، مبتسمة بمرارة: _"عارفة يا سميرة، المكان ده غالي على قلبي أوي. كل ركن فيه أنا اللي اخترته بإيدي.. سهرت كتير وأنا بتخيله قبل ما يبقى حقيقي وواقع." وكأنها أمسكت طرف الخيط، استغلت لحظة تأثرها، وأخذت تحاول إقناعها بشتى الطرق وأقربها إلى قلبها: _"أحنا لسه فيها، بلاش تسيبيه وتمشي، والله المكان واللي فيه متعلقين بيكِ يمكن أكتر منك.. عارفة، العُمال مش زعلانين على قطع عيشهم قد ما زعلانين على فراقك يا مدام جميلة." اغرورقت زرقاويتا عينيها بالدمع. العُمال. أي قطع عيشٍ هذا؟ لا تتذكر آخر مرة استلموا فيها رواتبهم كاملة، مستحقاتهم الشهرية متوقفة منذ أربعة أشهر، وبالرغم من ذلك يوميًا متواجدين بالمطعم بالرغم من انعدام الزبائن وحتى المنتجات. صمتت لثوانٍ تراقب تأثير كلماتها، ثم استأنفت تضرب في مقتلٍ: _" متنسيش أن ده آخر حاجة فاضلة من ريحة المرحوم." وبالفعل، زلزلت الذكرى ثباتها الهش جدًا، لتصيح مستنكرة بغصة مريرة تكونت في حلقها تكاد تخنقها بلا رحمة: _"مش قادرة، مش هقدر يا سميرة... مش هقدر." ختمت حديثها لتنخرط بعد ذلك في بكاء مرير، ينفطر له الحجر، لقد قضت الليلة الماضية في التفكير المستمر، لم تجد إلا ذلك حلًا مناسبًا، بالرغم من المبلغ الضعيف في المقابل والذي لا يساوي نصف قيمته حتى. إلا أنها اتخذت قرارها، ما إن تستلم المبلغ، أولًا ستدفع كل ما تأخر على العاملين من رواتب، بالإضافة إلى مكافأة بسيطة، تعرف أنها لا تساوي جهدهم وصبرهم عليها، لكن أفضل من لا شيء. سحبتها "سميرة" إلى أحضانها بعفوية وحنان لم تبخل به عليها يومًا، تعتبرها أكثر من ابنتها وتكن لها حبًا واحترامًا مضاعفًا، أخذت تربت على ظهرها العاري لارتدائها فستانًا صيفيًا قصيرًا، أسود اللون، ذو فتحة ظهر دائرية واسعة. ❈-❈-❈تركت جميلة حقيبتها جانبًا، وما إن وقعت عينا "فوزية" عليها، حتى انفجرت في وجهها بوابل من الكلمات اللاذعة والسباب: _"أخيرًا شرفتي يا ست هانم.؟ " رسمت على وجهها ابتسامة صلفة باردة، وردت عليها بهدوء لا شك أنه سيزيد من غليانها: _"إنتوا مستنيني من بدري ولا إيه؟.. سوري يا ماما، الطريق كان زحمة." وبالفعل، لم تكذب خبرًا، إذ اندفعت نحوها تصرخ بأعلى صوتها: _"لا، ألف حمدالله على السلامة! إنتِ يا بت فاكرة إن شغل التلات وراقات دول هيدخل عليا؟ أنا من أول ما طليتي عليا مع ابني عادل، وأنا قلت البت دي مش سهلة، دي تربية خواجات. فضلتي تتمسكني لحد ما تتمكني.. علي البيت كله، إلا عليا؟" على ما يبدو أن "فوزية" كانت تبذل جهدًا جهيدًا في منع نفسها من جذبها من خصلاتها، إلا أنها أمهلت نفسها قليلًا؛ إذ يبدو أن ذلك سيحدث قريبًا، لكن ليس الآن. ابتعدت" جميلة" عن مرماها، وجلست على أقرب مقعد، تنزع حذاءها ذي الكعب العالي. _"إنتِ يا بت، إنتِ مصنوعة من إيه؟ مكفاكيش إنك قصفتي عمر عادل وموتيه بحسرته؟ إيه، جه الدور على سيف ولا إيه؟" رفَّ جفنها لجزء من الثانية عند ذكر زوجها الراحل، لكنها تماسكت ونهضت في مواجهتها: _
❈-❈-❈ تلقت اتصالًا هاتفيًا من «سميرة»، تخبرها بإيجاز أن المحامي ينتظرها منذ قليل. سريعًا ما بدلت ثياب نومها، بالرغم من انعدام الطاقة في جسدها، أو الرغبة في بدء يوم جديد. إلا أنها ضغطت على نفسها، متمنية أن تنتهي من مشكلة المطعم، ثم ببساطة تغادر، وتنتهي الحكاية. جمعت خصلاتها البنية الطويلة في ربطة محكمة، ثم حملت حقيبتها الصغيرة باللون الأسود وغادرت. كان الوقت لا يزال مبكرًا، ولم يستيقظ أي فرد من أفراد المنزل. طرقت باب غرفة «تسنيم» المغلقة، وأيقظتها من نومها، لتترك صغيرها بصحبتها. رحبت تسنيم بذلك، وضمت الصغير إلى أحضانها، ثم عادا إلى النوم. بالنسبة إليها، كانت «تسنيم» الوحيدة التي تأتمنها على ابنها في هذا المنزل. حينما انقلب المنزل فوق رأسها عقب وفاة زوجها، كانت الوحيدة التي قدّرت محنتها، واحترمت ضعفها، ولم تستغله. كلما اقتربت من موقع المطعم، كانت تشعر بالراحة والضيق في آنٍ واحد؛ الراحة لأنها ستتخلص من المشاكل المتعلقة بالمطعم، وبالتالي ستتمكن من السفر سريعًا... إلا أن الضيق كان أشد وطأة عليها. لم تكن ترتبط بالمطعم بالشكل التقليدي؛ مكانًا وهي مالكته، بل ارتبطت به ذكريات قري
ثبتت «جميلة» الهاتف على القاعدة المخصصة له، أعلى طاولة المطبخ الرخامية، لتظهر على شاشته والدتها وهي ترتشف قهوتها، بينما كانت «جميلة» تتحرك في المطبخ، وقد استقرت أمام الموقد تقلب قطع الدجاج المقلية.قالت والدتها بقلق:— «جميلة، أنا لازم أقول لبابا... ينزل ويبقى جنبك، ويخلص لك موضوع المطعم، علشان المحامي ميستغلكيش وأنتِ بطولك كده.»مدت «جميلة» يدها إلى مقبض الموقد وخفضت درجة الحرارة إلى نار متوسطة، وتركت الدجاج ينضج على مهل، بينما التفتت إلى والدتها:— «مفيش داعي يا ماما، أنا خلاص، أقل من أسبوع وهتلاقيني مسافرة ليكم. بابا تعبان، مينفعش.»— «خلاص أنزل أنا.»قاطعتها سريعًا، مستنكرة بقوة:— «لا، أنتِ لا يا ماما، علشان خاطري. أنا مش ناقصة مشاكل معاهم، عايزة أمشي بهدوء.»ضحكت والدتها بسخرية:— «وهما دول بينفع معاهم حاجة يا حبيبتي؟ ده اسمها إيه دي... سحلية حماتك؟»رغمًا عنها ضحكت «جميلة» على تشبيهها، فوالدتها لا تمل من اختراع أسماء وألقاب مضحكة لحماتها.— «فوزية يا ماما، فوزية.»لوحت والدتها بيدها بلا اهتمام:— «فوزية ولا سحلية... المهم، أخلي بابا يكلم المحامي؟ علشان بس يعرف إنه في ظهرك ووراك
سُحبت المقاعد التابعة للسفرة المخصصة لتناول الطعام، وفي هدوء ورتابة، استقر كل فرد على المقعد المخصص له بأدب، وعلى رأس الطاولة استقرت الجدة «ناهد»، رافعة شعرها الأبيض عاليًا في تسريحة أرستقراطية منمقة.كل شيء هنا كان منمقًا، الملاعق والأطباق مرتبة على نحو دقيق، وحتى أماكن الجلوس لها قواعدها الخاصة.انتهت الخادمات من تفريغ محتويات الطعام في الأطباق، فأصبح أمام كل فرد طبقه ممتلئًا من كل الأنواع الموجودة على الطاولة. لم يتجرأ أحد على رفض نوع معين لأنه لا يفضله.ثوانٍ حتى شرعوا في تناول طعامهم في صمت، احترامًا للطعام... أو للدقة، احترامًا للجدة وقوانينها الصارمة حول الإتيكيت والانضباط.لم يُسمع في الجلسة سوى صوت الملاعق وهي تصطدم بالأطباق، حتى قطعه صوت «ناهد» الآمر بقوة:— «حمدية، هاتي اللمون باللبن... الظاهر إن الهانم هدير نسيته.»وقبل أن تجيب الخادمة، كانت «هدير» قد نهضت من مكانها في عجلة وهي تقول:— «أنا عملته وصبيته، حالًا هجيبه.»تحركت خطوتين، ثم استشعرت تلقائيًا نظرات جدتها الصارمة، فعادت سريعًا إلى مكانها، وعدلت المقعد في موضعه الصحيح، ثم غادرت.وبعد قليل، خرجت تحمل صينية واسعة تراص





