เข้าสู่ระบบاجتمعت السيدات بالمنزل، في صالون المنزل الواسع، استقرت كل واحدة منهن على مقعد، وتناثرت حولهن الكثير من الثياب بمختلف الألوان والتصاميم.. وقد امتلأت الطاولة العريضة بالفساتين الراقية. بينما وقفت الفتاة العاملة، وقد كانت من إحدى بيوت الأزياء الشهيرة، هنا لمساعدتهن في اختيار ما يناسبهن من فساتين سهرة فخمة.
بينما كانت السيدة «فوزية» تقلب صفحات المجلة بين يديها، وعلى وجهها ملامح امتعاض وازدراء من الفساتين المعروضة أمامها... _"إيه الفساتين ديه، لا لا توني بدأ يجري ورا الترندات، فين القطع الفخمة اللي كان بيعملها؟" ابتلعت الفتاة العاملة الإهانة في صمت، متجاهلة صلف تلك المرأة، والتي أرهقتها فعليًا معها في عرض أكثر من ثلاثين قطعة حتى الآن، ولم ينل استحسانها ولا قطعة حتى، وأخذت تبحث في الحقيبة الكبيرة عن فستان آخر، لعله ينال إعجابها وتنتهي. خرجت «تسنيم» من الغرفة تسير حافية الأقدام، وما زالت تهندم الفستان على جسدها، وتتفقّده جيدًا، ثم ترفعه عن الأرض، واقتربت منهم قائلة ببسمة واسعة: _"ها إيه رأيكم؟ حلو مش كده؟" وصلتها الإجابة سريعًا من زوجة أخيها، تقول بإعجاب صريح: _"تحفة يا تسنيم، مش قولتلك الفساتين الطويلة عليكِ أحلى." _"بس يا بيئة، أنتِ مبتفهميش حاجة، بالعكس دا بلدي جدًا، وألوانه مش مريحة للعين... لفي كده يا تسنيم." زفرت حانقة، وبدأت بالدوران حول نفسها باستعراض، بينما استقرت يداها فوق خصرها، ولوحت لها والدتها بيدها في عدم رضا: _"لا روحي أقلعيه.. هشوفلك أنا واحد على ذوقي، أنتِ أخت العريس لازم تبقي أحلى واحدة في الموجودين." بحثت سريعًا بعينيها عن فستان بعينه قد رأته أثناء بحثها قبل قليل، لتلتقطه وترفعه أمامها قائلة: _"بصي ده، جميل أوي كلاسيك كده، ولونه راقي." _"بس أنا اللون الأحمر مش بيبقى حلو فيا أوي." أطرقت برأسها مفكرة لثوانٍ قصيرة، قبل أن تلقيه بإهمال: _"أيوه صح، علشان أنتِ سمرا، الأحمر بيسمرك أكتر وأنتِ مش ناقصة." لم تبالِ لتأثير كلماتها التي ألجمت «تسنيم» في مكانها دون حركة، وقد أصابتها كلماتها في مقتل، فاهتزت أصابعها فوق القماش، وسريعًا ما غادرت المجلس.... راقبتها «هدير» بحزن، لتقول معاتبة: _"ليه كده بس يا خالتو؟ زعلتيها منك." _"إيه اللي يزعلها، هو أنا بكذب، أي يعني سمرا، ده حتى السمار نص الجمال... سيبك منها، وريني أنتِ اخترتي إيه." مدت لها المجلة، مفتوحة على صفحة احتلها فستان منفرد، وما إن وقعت عيناها عليه حتى صاحت بها بصلف بالغ: _"أنتِ اتجننتي يا هدير، هتجيبي فستان أبيض أمال أختك تلبس إيه وهي العروسة؟ أنتِ لسة فيكِ خصلة الغيرة ديه، مش كبرتوا؟" لم تمهلها فرصة للرد حتى، بل صرفت نظرها عنها، بعد أن بثت سمها في عروقها دون مبالاة ولو لثانية، لتنشغل بعد ذلك بالبحث مرة أخرى، ثم وبخت الفتاة العاملة: _"بقالك ساعة مشوفناش لحد الآن فستان يشدني ويعجبني." _"عندي فستان، لسه موديله جديد السنة دي ومحدش لحق يلبسه، نازل لونين منه وبس." _"وريني، أشوف." وقبل أن تخرج الفستان، دخلت «جميلة» بخطواتها الهادئة، وتعبيرات وجهها أيضًا هادئة، بها لمحة من الحزن. تعمدت تجاهلهم تمامًا، وكادت تصعد إلى الأعلى حتى أوقفتها كلمات «فوزية»: _"البُومة جاية منين؟.. أنا مش قولتلك تغيري أم اللبس الأسود ده؟" _"في إيه يا طنط، مش فاهمة لبسي مضايق حضرتك في إيه؟" _"إحنا يا حبيبتي عندنا فرح، وعايزين نفرح، رايح جاية قدامنا، بالأسود في أسود ده بتفولي علينا." تعرف أن الشجار سيمتد، وهذه رغبة «فوزية» بالفعل، فهزت رأسها في صمت، وتابعت صعود درجات السلم، حتى وصل إلى مسامعها كلماتها المتهكمة: _"وكأنك مقهورة عليه أوي، يا بجاحتك، تقتل القتيل وتمشي في جنازته." جلست مرة أخرى، وقالت للفتاة: _"عكننت عليا، الله يعكنن عليها، وريني يا بنتي الفستان." أخرجت لها فستانًا، كانت تنوي من البداية أن تعطيه إلى الآنسة «تسنيم»؛ لنعومة تصميمه ورقته، إذ سيناسب كثيرًا قوامها النحيل، بلونه البسيط والخالي من الزخارف المبهرجة. لكنه كان آخر فستان معها، فتحته أمامها، وللغريب، انبهرت به «فوزية»، ولم تكتفِ بذلك، بل صرحت بإعجابها به قائلة: _"جميل جدًا، كنتي مخبياه فين ده.. هاتي هقوم أقيسه." سحبته منها سريعًا، وكادت تغادر، لكن الفتاة أوقفتها قائلة في توتر: _"بس يا هانم... ده يعني صغير و..." _"قصدك إيه؟ شايفني يعني ماسكة العكاز؟" _"لا لا والله، أقصد مقاسه صغير، طالما عجب حضرتك ممكن أجهزلك واحد زيه بس مقاس أكبر." _"آه ماشي.". ❈-❈-❈ يتبعتركت جميلة حقيبتها جانبًا، وما إن وقعت عينا "فوزية" عليها، حتى انفجرت في وجهها بوابل من الكلمات اللاذعة والسباب: _"أخيرًا شرفتي يا ست هانم.؟ " رسمت على وجهها ابتسامة صلفة باردة، وردت عليها بهدوء لا شك أنه سيزيد من غليانها: _"إنتوا مستنيني من بدري ولا إيه؟.. سوري يا ماما، الطريق كان زحمة." وبالفعل، لم تكذب خبرًا، إذ اندفعت نحوها تصرخ بأعلى صوتها: _"لا، ألف حمدالله على السلامة! إنتِ يا بت فاكرة إن شغل التلات وراقات دول هيدخل عليا؟ أنا من أول ما طليتي عليا مع ابني عادل، وأنا قلت البت دي مش سهلة، دي تربية خواجات. فضلتي تتمسكني لحد ما تتمكني.. علي البيت كله، إلا عليا؟" على ما يبدو أن "فوزية" كانت تبذل جهدًا جهيدًا في منع نفسها من جذبها من خصلاتها، إلا أنها أمهلت نفسها قليلًا؛ إذ يبدو أن ذلك سيحدث قريبًا، لكن ليس الآن. ابتعدت" جميلة" عن مرماها، وجلست على أقرب مقعد، تنزع حذاءها ذي الكعب العالي. _"إنتِ يا بت، إنتِ مصنوعة من إيه؟ مكفاكيش إنك قصفتي عمر عادل وموتيه بحسرته؟ إيه، جه الدور على سيف ولا إيه؟" رفَّ جفنها لجزء من الثانية عند ذكر زوجها الراحل، لكنها تماسكت ونهضت في مواجهتها: _
❈-❈-❈ تلقت اتصالًا هاتفيًا من «سميرة»، تخبرها بإيجاز أن المحامي ينتظرها منذ قليل. سريعًا ما بدلت ثياب نومها، بالرغم من انعدام الطاقة في جسدها، أو الرغبة في بدء يوم جديد. إلا أنها ضغطت على نفسها، متمنية أن تنتهي من مشكلة المطعم، ثم ببساطة تغادر، وتنتهي الحكاية. جمعت خصلاتها البنية الطويلة في ربطة محكمة، ثم حملت حقيبتها الصغيرة باللون الأسود وغادرت. كان الوقت لا يزال مبكرًا، ولم يستيقظ أي فرد من أفراد المنزل. طرقت باب غرفة «تسنيم» المغلقة، وأيقظتها من نومها، لتترك صغيرها بصحبتها. رحبت تسنيم بذلك، وضمت الصغير إلى أحضانها، ثم عادا إلى النوم. بالنسبة إليها، كانت «تسنيم» الوحيدة التي تأتمنها على ابنها في هذا المنزل. حينما انقلب المنزل فوق رأسها عقب وفاة زوجها، كانت الوحيدة التي قدّرت محنتها، واحترمت ضعفها، ولم تستغله. كلما اقتربت من موقع المطعم، كانت تشعر بالراحة والضيق في آنٍ واحد؛ الراحة لأنها ستتخلص من المشاكل المتعلقة بالمطعم، وبالتالي ستتمكن من السفر سريعًا... إلا أن الضيق كان أشد وطأة عليها. لم تكن ترتبط بالمطعم بالشكل التقليدي؛ مكانًا وهي مالكته، بل ارتبطت به ذكريات قري
ثبتت «جميلة» الهاتف على القاعدة المخصصة له، أعلى طاولة المطبخ الرخامية، لتظهر على شاشته والدتها وهي ترتشف قهوتها، بينما كانت «جميلة» تتحرك في المطبخ، وقد استقرت أمام الموقد تقلب قطع الدجاج المقلية.قالت والدتها بقلق:— «جميلة، أنا لازم أقول لبابا... ينزل ويبقى جنبك، ويخلص لك موضوع المطعم، علشان المحامي ميستغلكيش وأنتِ بطولك كده.»مدت «جميلة» يدها إلى مقبض الموقد وخفضت درجة الحرارة إلى نار متوسطة، وتركت الدجاج ينضج على مهل، بينما التفتت إلى والدتها:— «مفيش داعي يا ماما، أنا خلاص، أقل من أسبوع وهتلاقيني مسافرة ليكم. بابا تعبان، مينفعش.»— «خلاص أنزل أنا.»قاطعتها سريعًا، مستنكرة بقوة:— «لا، أنتِ لا يا ماما، علشان خاطري. أنا مش ناقصة مشاكل معاهم، عايزة أمشي بهدوء.»ضحكت والدتها بسخرية:— «وهما دول بينفع معاهم حاجة يا حبيبتي؟ ده اسمها إيه دي... سحلية حماتك؟»رغمًا عنها ضحكت «جميلة» على تشبيهها، فوالدتها لا تمل من اختراع أسماء وألقاب مضحكة لحماتها.— «فوزية يا ماما، فوزية.»لوحت والدتها بيدها بلا اهتمام:— «فوزية ولا سحلية... المهم، أخلي بابا يكلم المحامي؟ علشان بس يعرف إنه في ظهرك ووراك
سُحبت المقاعد التابعة للسفرة المخصصة لتناول الطعام، وفي هدوء ورتابة، استقر كل فرد على المقعد المخصص له بأدب، وعلى رأس الطاولة استقرت الجدة «ناهد»، رافعة شعرها الأبيض عاليًا في تسريحة أرستقراطية منمقة.كل شيء هنا كان منمقًا، الملاعق والأطباق مرتبة على نحو دقيق، وحتى أماكن الجلوس لها قواعدها الخاصة.انتهت الخادمات من تفريغ محتويات الطعام في الأطباق، فأصبح أمام كل فرد طبقه ممتلئًا من كل الأنواع الموجودة على الطاولة. لم يتجرأ أحد على رفض نوع معين لأنه لا يفضله.ثوانٍ حتى شرعوا في تناول طعامهم في صمت، احترامًا للطعام... أو للدقة، احترامًا للجدة وقوانينها الصارمة حول الإتيكيت والانضباط.لم يُسمع في الجلسة سوى صوت الملاعق وهي تصطدم بالأطباق، حتى قطعه صوت «ناهد» الآمر بقوة:— «حمدية، هاتي اللمون باللبن... الظاهر إن الهانم هدير نسيته.»وقبل أن تجيب الخادمة، كانت «هدير» قد نهضت من مكانها في عجلة وهي تقول:— «أنا عملته وصبيته، حالًا هجيبه.»تحركت خطوتين، ثم استشعرت تلقائيًا نظرات جدتها الصارمة، فعادت سريعًا إلى مكانها، وعدلت المقعد في موضعه الصحيح، ثم غادرت.وبعد قليل، خرجت تحمل صينية واسعة تراص
الفصل الرابع❈-❈-❈«لو سمحت، حُط الكرسي ده في أوضة النوم مش هنا.»وزعت «ميرنا» تعليماتها على العاملين المنتشرين بالشقة الواسعة، وقد اختفى اتساعها تقريبًا من كثرة الأثاث المتراكم في كل زاوية، وكانت جميع القطع لا تزال تحمل أوراق التغليف الخاصة بها.بدأ الجميع العمل على قدم وساق، متتبعين تعليماتها بدقة، فأهم شيء بالنسبة لهم هو إرضاء العميل، ولم تكن «ميرنا» عميلة هينة، فهي لا تقبض يدها أبدًا... خاصةً خطيبها، السيد «عزيز».كانت قد نزعت عنها سترتها الزرقاء من الجينز، وبقيت بكنزتها البيضاء ذات الأكمام القصيرة، تقف في منتصف الصالة الواسعة، واضعةً يديها على خصرها، تحاول أن تتخيل الصورة النهائية للمكان، وتعيد ترتيبه في رأسها بشكل دقيق وراقي.أزاحت أحد المقاعد المرتفعة جانبًا، فلاحظها أحد العاملين، وهرول إليها سريعًا، يدفعها بعيدًا بخفة واحترام:— «عنك يا آنسة، أنا هشيله. قوليلي بس عايزة ترجعيه فين؟»ابتسمت له بهدوء، ثم أشارت إلى زاوية معينة، فامتثل لرغبتها وحمله إلى المكان الذي حددته. شكرته ممتنة، ثم ابتعدت تنفض الغبار العالق بكفيها، قبل أن ترفع عينيها فتجد وجه «عزيز» يطل عليها من باب الشقة.و
اجتمعت السيدات بالمنزل، في صالون المنزل الواسع، استقرت كل واحدة منهن على مقعد، وتناثرت حولهن الكثير من الثياب بمختلف الألوان والتصاميم.. وقد امتلأت الطاولة العريضة بالفساتين الراقية. بينما وقفت الفتاة العاملة، وقد كانت من إحدى بيوت الأزياء الشهيرة، هنا لمساعدتهن في اختيار ما يناسبهن من فساتين سهرة فخمة.بينما كانت السيدة «فوزية» تقلب صفحات المجلة بين يديها، وعلى وجهها ملامح امتعاض وازدراء من الفساتين المعروضة أمامها..._"إيه الفساتين ديه، لا لا توني بدأ يجري ورا الترندات، فين القطع الفخمة اللي كان بيعملها؟"ابتلعت الفتاة العاملة الإهانة في صمت، متجاهلة صلف تلك المرأة، والتي أرهقتها فعليًا معها في عرض أكثر من ثلاثين قطعة حتى الآن، ولم ينل استحسانها ولا قطعة حتى، وأخذت تبحث في الحقيبة الكبيرة عن فستان آخر، لعله ينال إعجابها وتنتهي.خرجت «تسنيم» من الغرفة تسير حافية الأقدام، وما زالت تهندم الفستان على جسدها، وتتفقّده جيدًا، ثم ترفعه عن الأرض، واقتربت منهم قائلة ببسمة واسعة:_"ها إيه رأيكم؟ حلو مش كده؟"وصلتها الإجابة سريعًا من زوجة أخيها، تقول بإعجاب صريح:_"تحفة يا تسنيم، مش قولتلك الفس







