Share

الفصل 6

Author: ياسمين
last update publish date: 2026-04-03 20:51:59

توقفت لحظة أمام المرآة، تتأمل ملامحها التي فقدت بريقها، وعينيها اللتين أثقلهما التعب والحزن. مرّرت أصابعها المرتجفة على وجنتيها، ثم تمنت بداخلها ألا تلتقي بمالك مرة أخرى.

أغمضت عينيها للحظة لتجمع شتات نفسها، ثم استدارت وغادرت.

خرجت من دورة المياه بخطوات متثاقلة، كأنها تحمل فوق كتفيها عبئًا لا يُرى. كانت تحاول أن تستعيد توازنها، أن تُقنع نفسها بأن ما تشعر به مجرد قلق عابر، لا أكثر.

كان الممر المؤدي إلى قاعة الحفل طويلًا، تغمره أضواء خافتة تنعكس على الأرضية المصقولة. من بعيد، كانت أصوات الموسيقى والضحكات تتصاعد، وكأن عالمًا آخر ينبض بالحياة هناك، عالم لا يمتّ لها بصلة. شعرت بغربةٍ خانقة، وكأنها تسير وسط مشهد لا تنتمي إليه.

كانت خطواتها سريعة ومتوترة، كأنها تهرب من شيء يلاحقها، أو من فكرة لا تريد مواجهتها.

وفجأة——

امتدت يد قوية من العتمة، وقبضت على ذراعها.

شهقت، ولم تُمهل حتى لحظة للصراخ، إذ سُحبت بعنف إلى جهة جانبية، نحو بابٍ نصف مفتوح لم تنتبه له من قبل.

أُغلق الباب خلفها بقوة، فارتد صوته في صدرها كضربة موجعة.

ثم ساد الصمت.

صمت ثقيل وخانق.

تجمدت في مكانها، وعيناها تحاولان التكيف مع الظلام، لكن قلبها كان قد أدرك الحقيقة قبل أن تبصرها عيناها.

"مالك..."

خرج اسمه من بين شفتيها كهمس مرتجف.

تقدّم خطوة ثم أخرى، حتى بات قريبًا منها حدّ أنفاسه تلامس وجهها.

كان حضوره وحده كافيًا ليُعيد إليها كل مشاعر الخوف التي حاولت دفنها.

قال بصوت منخفض، يحمل تهديدًا واضحًا: "هل ظننتِ أنكِ تستطيعين الافلات مني الليلة؟"

تراجعت خطوة إلى الخلف، حتى اصطدم ظهرها بالجدار.

لم يعد هناك مفر.

"دعني أذهب رجاءً..." قالتها بصوت واهن، بالكاد يُسمع.

بينما هو وكأنه لم يسمعها، فاقترب منها أكثر حتى شعرت بأن المسافة بينهما لم تعد موجودة.

ثم قبض على كتفيها بقسوة، وثبّتها في مكانها، فأصبحت محاصرة بينه وبين الجدار.

حاولت أن تدير وجهها بعيدًا، أن تتفادى قربه، لكن يده أمسكت بذقنها وأجبرتها على مواجهته.

في تلك اللحظة، لم يكن الخوف مجرد شعور… كان واقعًا يحيط بها من كل جانب.

اقترب منها أكثر، ثم حاول أن يطبع قبلة قسرية على شفتيها.

تجمدت لثانية، كأن الزمن توقف، ثم انفجر بداخلها شيء.

دفعت صدره بكل ما تملك من قوة، وأدارت وجهها بعنف، محاولة الإفلات من قبضته. كانت أنفاسها متسارعة، وقلبها يضرب بجنون، بينما يداها ترتجفان وهي تحاول إبعاده.

"ابتعد عني!" صرخت هذه المرة، بصوتٍ اختلط فيه الرعب بالغضب.

لكنه لم يتراجع بسهولة.

أمسك بمعصمها مجددًا وشدّها نحوه، وكأنها شيء لا يحق له أن يهرب. شعرت بالألم يمتد في ذراعها، لكن ما كان يؤلم أكثر هو ذلك الإحساس بالعجز… بالانتهاك… بأن كرامتها تُسحق أمامها.

وفي لحظة خاطفة——

لمحت بطرف عينها جسمًا صلبًا موضوعًا على طاولة قريبة.

فتحركت بدافع غريزي، بدافع النجاة.

مدّت يدها بسرعة، والتقطت الشيء دون أن تدرك ماهيته، ثم ضربته به بكل ما أوتيت من قوة.

تراجع فجأة متأوهًا، وقد أفلت قبضته عنها.

كانت تلك اللحظة الوحيدة.

لحظة النجاة.

فاندفعت نحو الباب، فتحته بعنف، ثم خرجت تركض دون أن تلتفت خلفها.

كانت خطواتها غير متزنة، أنفاسها متقطعة، ودموعها تنهمر بلا وعي.

لم تكن تهرب منه فقط…

بل من تلك اللحظة التي شعرت فيها أنها كادت تفقد نفسها.

......

في تلك الأثناء، كان جاسر يتنقل بين الحضور بعينين تبحثان عنها.

لاحظ غيابها منذ فترة، ومع كل دقيقة تمر، كان شعور غير مريح يتسلل إلى داخله.

حاول أن يقنع نفسه بأنها ربما ذهبت لتعديل مظهرها، لكنه لم يطمئن.

فاتجه نحو الممر المؤدي إلى دورات المياه، خطواته سريعة ونظراته متفحصة.

وفجأة——

اصطدمت به فتاة بقوة.

كاد يفقد توازنه، لكنه تدارك نفسه، ثم نظر إليها.

فاتسعت عيناه على الفور.

"آنسة رهف؟"

كانت أمامه، لكن ليست كما تركها.

وجهها كان محمرًا، مبللًا بالدموع، وعيناها تحملان رعبًا لم يره فيها من قبل.

كانت ترتجف وكأن جسدها لم يعد يحتمل ما مرّ به.

أمسكت ببدلته بكلتا يديها، وكأنها تتشبث بطوق نجاة.

"لنخرج من هنا... بسرعة..." قالتها بصوت مكسور.

تجمد لوهلة.

"ماذا حدث؟"

لكنها لم تجب.

وقبل أن يستوعب الموقف——

رفع نظره خلفها ورآه.

مالك صاحب الحفل.

كان يقترب، ممسكًا برأسه وعيناه تشتعلان غضبًا.

في لحظة واحدة، تغيّر كل شيء في ملامح جاسر.

جذب رهف خلفه، لتختبئ وراء ظهره، وكأنه قرر أن يكون درعها غريزيًا.

اقترب مالك، وصوته يقطر سخرية وغضبًا:

"أيتها الحقيرة... كيف تجرئين؟ من تظنين نفسك؟ ألا تعلمين جيدًا لمَ أحضركِ والدكِ إلى هنا؟ فلماذا تتظاهرين بالبراءة الآن؟"

ثم مدّ يده محاولًا الإمساك بها——

لكن يدًا أخرى اعترضته.

قبضة جاسر كانت حازمة، ونظرته باردة.

"ابتعد."

لكن مالك لم يتراجع.

وفي لحظة اشتعال، سدد له جاسر لكمة قوية.

سقط مالك أرضًا، وقد دوى صوت الارتطام في المكان.

ساد صمت ثقيل لثوانٍ.

لكن جاسر لم ينتظر أكثر، بل أمسك بذراع رهف التي كانت لا تزال ترتجف، وسحبها معه بسرعة خارج المكان.

......

الهواء البارد في الخارج لم يكن كافيًا ليطفئ ما بداخلها.

أدخلها السيارة، ثم انطلق بها دون أن ينطق بكلمة.

جلست في المقعد الخلفي صامتة.

لم تكن تبكي بصوت، لكن دموعها كانت تنساب في صمت، كأنها اعتادت أن تُخفي ألمها عن العالم.

كانت تنظر من النافذة، لكن دون أن ترى.

كل ما حدث كان يتكرر في ذهنها، مشوشًا، مؤلمًا، خانقًا.

"كنت أعرف..." همست داخلها، "كنت أشعر أن شيئًا سيحدث..."

وضعت يدها على صدرها، تحاول أن تلتقط أنفاسها.

لكن الألم لم يكن فقط مما حدث الآن.

كان أعمق.

أقدم.

"لو كانت أمي هنا..." تسللت الفكرة إلى عقلها، فاشتد بكاؤها.

شعرت بوحدة قاسية، بوخز في قلبها، وكأن العالم كله تخلى عنها.

لا أحد يفهمها، لا أحد يشعر بها، ولا أحد يهتم.

راودتها رغبة مفاجئة في الاختفاء، في الهروب من كل شيء، في... الموت.

أغمضت عينيها بقوة، وكأنها تحاول إيقاف هذه الأفكار.

أما جاسر——

فكان يقود، لكن عقله لم يكن على الطريق وحده.

كان ينظر إليها بين حين وآخر، يراقب صمتها، ارتجافها ودموعها التي لم تتوقف.

شعر بشيء ثقيل في صدره.

غضب... وقلق... وعجز.

لم يسألها، لكنه فهم.

وبداخله، اشتعل شيء لم يعرف له اسمًا.

......

وفجأة——

شعرت رهف بأن السيارة تضيق بها. أن الهواء أصبح أثقل، وأن الجدران تقترب منها.

"توقف..."

لم يسمعها.

"توقف هنا!" قالتها هذه المرة بصوت أعلى، يكاد يختنق.

ضغط جاسر على المكابح فورًا، فانحرفت السيارة قليلًا قبل أن تستقر على جانب الطريق.

لمحت رهف بعينين زائغتين، امتدادًا مظلمًا يتخلله بريق خافت... كان البحر.

أمواجه تتكسر على صخورٍ قريبة، وصوتها يتردد في سكون الليل كنبضٍ بعيد.

فتحت الباب بسرعة، وكأنها تهرب من شيءٍ يلاحقها، ونزلت دون أن تنتظر. اتجهت بخطوات غير متزنة نحو الصخور القريبة، حيث يضرب الموج حافتها بإيقاعٍ متكرر.

وقفت هناك، قريبة من البحر، ورفعت وجهها قليلًا تستقبل هواءه البارد.

اندفعت نسمة مالحة إلى صدرها، فشهقت بعمق كأنها تستعيد الحياة بعد غرقٍ طويل.

وضعت يدها على صدرها، تحاول تهدئة ذلك الاضطراب العنيف، بينما كانت الأمواج تتلاطم أمامها، تعكس فوضى داخلها.

الليل من حولها كان ساكنًا، إلا من صوت البحر، وأنفاسها المتقطعة، وقلبها الذي لم يعرف طريقه إلى الهدوء بعد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (1)
goodnovel comment avatar
Bêbø Åyãd
رائعه.........️
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • بين قلبه وسلاحه   الفصل 70

    تصلب جسد رهف بالكامل في اللحظة التي وقعت فيها عيناها على سيارات مدحت السوداء المتوقفة بين الأشجار، وشعرت وكأن العالم الذي استطاعت بصعوبة أن تبنيه خلال الأسابيع الماضية قد انهار فجأة فوق رأسها بلا رحمة. لم تعد تسمع شيئًا بوضوح؛ لا صوت الرياح، ولا حفيف الأشجار، ولا حتى دقات قلبها التي كانت تضرب صدرها بعنفٍ يكاد يمزقه، فقد تحول كل شيء داخلها إلى حالة من الذعر الخالص، ذلك الرعب البدائي الذي يشل التفكير ويجعل الإنسان يشعر أنه عاد فجأة إلى أضعف لحظات حياته. تراجعت ببطء عن النافذة، بينما كانت أنفاسها تتسارع بصورة مرعبة، وعقلها يدور في دوامة من الأسئلة المخيفة التي لم تجد لها إجابة. ماذا ستفعل الآن؟ هي وحدها… فهد ليس هنا… لا أحد يستطيع حمايتها إن دخلوا المنزل. هل سيأخذها مدحت مجددًا؟ هل انتهى كل شيء؟ هل كانت تلك الأيام القليلة من الطمأنينة مجرد وهمٍ قصير قبل أن تعود حياتها إلى الجحيم مرة أخرى؟ وشعرت فجأة ببرودةٍ قاسية تسري في أطرافها، حتى إن قدميها بالكاد استطاعتا حملها، بينما بدأت صور الماضي تنهال فوق رأسها بلا توقف؛ وجه مدحت الغاضب، قبضته العنيفة، نظراته التي كانت تملؤها السيطرة وال

  • بين قلبه وسلاحه   الفصل 69

    مرّت ثلاثة أيامٍ أخرى بطيئة وثقيلة، وكأن الزمن نفسه صار يتحرك بحذر مترقب لما هو قادم. ففي تلك الليالي الثلاث كانت الغابة تغرق في هدوئها المعتاد، بينما كانت العاصفة الحقيقية تتشكل بعيدًا عنها دون أن يشعر أحد. أما مدحت، فلم يكن يعيش سوى على الأخبار التي تصله تباعًا من رجاله، ينتظر أي خيطٍ جديد يقوده أخيرًا إلى فهد ورهف، وقد تحولت مطاردته لهما إلى هوسٍ كامل استحوذ على عقله حتى لم يعد يرى شيئًا سواهما. وفي إحدى الليالي، وبينما كان جالسًا داخل مكتبه شبه المظلم، تحيط به أعقاب السجائر الفارغة وزجاجات الخمر المبعثرة، دُق الباب سريعًا قبل أن يدخل أحد رجاله وعلى وجهه ملامح انتصارٍ واضحة. رفع مدحت رأسه فورًا، وكأن جسده بأكمله استيقظ دفعة واحدة، ثم ثبت عينيه عليه منتظرًا أن يتحدث. قال الرجل بصوتٍ متحمس وهو يحاول إخفاء لهثه: "لقد توصلنا إلى مكانهم تقريبًا يا سيدي." ضاقت عينا مدحت بترقبٍ حاد، فاقترب الرجل أكثر وأكمل: "رجالنا مشطوا الغابة بالكامل خلال الأيام الماضية… لم نترك طريقًا ولا كوخًا ولا ممرًا إلا وفتشناه، ولم يتبقَّ سوى منزل صغير قرب البحيرة في الجهة الجنوبية… ومن المؤكد أنهم هناك."

  • بين قلبه وسلاحه   الفصل 68

    مرّ شهر كامل منذ اختفاء رهف وجاسر داخل تلك الغابة البعيدة، شهر بدا بالنسبة لهما وكأنه عالم منفصل تمامًا عن الواقع، حتى إن الأيام بدأت تتشابه بهدوئها ودفئها البسيط، بينما في الخارج كانت العواصف تتشكل ببطء دون أن يدركا حجمها الحقيقي بعد. خلال ذلك الشهر، تحولت الحياة بينهما إلى روتين هادئ لم يعتده أيٌّ منهما من قبل. ومع مرور الأيام، لم تعد تشعر بذلك الخوف الدائم الذي كان يرافقها حتى أثناء نومها، بل بدأت تستعيد شيئًا من شخصيتها الحقيقية التي دفنتها سنوات الرعب داخل فيلا مدحت. أصبحت تضحك أكثر. تتكلم أكثر. وتتشاجر مع فهد على أمور سخيفة فقط لأنها أصبحت تشعر بالأمان الكافي لتفعل ذلك. أما جاسر فكان يلتزم بروتينه الأسبوعي بدقةٍ تكاد تكون عسكرية؛ ففي صباح كل أسبوع، وقبل أن تستيقظ الغابة تمامًا من سكونها البارد، كان يخرج بسيارته متجهًا نحو المدينة، يشق الطرق الترابية الطويلة بعينين متيقظتين لا تهدآن، وكأن الأشجار نفسها قد تخبئ خلفها عيونًا تراقبه في صمت. كانت رحلته إلى المدينة تبدو عادية لأي عابر طريق، لكنها بالنسبة له كانت مخاطرة محسوبة بعناية. إذ كان أول ما يفعله فور وصوله هو الذهاب إلى

  • بين قلبه وسلاحه   الفصل 67

    مرّت الأيام التالية على رهف بطريقة لم تكن تتخيل يومًا أنها قد تعيشها، حتى إنها أحيانًا كانت تستيقظ صباحًا وتتوقف للحظات تحدق في سقف الغرفة بصمت، وكأن عقلها ما يزال غير قادر على استيعاب أن هذا الهدوء حقيقي، وأنها لم تعد في تلك الفيلا الباردة التي كانت تخنق أنفاسها مع كل ليلة تمر. لأول مرة في حياتها… لم تكن تستيقظ على الخوف. بل على رائحة القهوة التي يعدّها فهد في المطبخ، أو على صوت خطواته الهادئة وهو يتحرك داخل المنزل، أو على ضوء الشمس المتسلل من النافذة ليغمر الغرفة بدفءٍ ناعم يجعلها تشعر بشيء غريب ومؤلم في الوقت نفسه… الراحة. وكان ذلك الشعور وحده كافيًا ليجعل قلبها يرتبك كلما فكرت فيه. أما جاسر، فكان يراقبها بصمت أغلب الوقت، يلاحظ كيف بدأت ملامحها تتغير تدريجيًا، وكيف اختفى ذلك الذعر الدائم من عينيها شيئًا فشيئًا، حتى إن ضحكتها أصبحت أكثر ظهورًا، أكثر صدقًا، وكأن روحها التي ظلت حبيسة لسنوات بدأت أخيرًا تخرج إلى النور ببطء. وفي تلك الغابة البعيدة عن العالم، بدأ الاثنان يعيشان أيامًا بسيطة للغاية… لكنها بالنسبة لهما كانت أشبه بحياة كاملة. كانا يستيقظان معًا كل صباح تقريبًا، يتناول

  • بين قلبه وسلاحه   الفصل 66

    مرّت الساعات على رهف ببطءٍ غريب، حتى إن صوت الرياح بين الأشجار كان يبدو أوضح من المعتاد داخل ذلك المنزل الصغير المعزول. ومع كل دقيقة تتأخر فيها عودة فهد، كانت تجد نفسها تنظر نحو الباب بلا وعي، ثم تعود لتلوم نفسها بانزعاج، وكأنها غاضبة من قلبها لأنه بدأ يعتاد وجود شخص بهذه السرعة. حاولت إشغال نفسها كما فعلت طوال اليوم، رتبت بعض الأشياء مجددًا رغم أنها رتبتها بالفعل، ومسحت الطاولة مرة أخرى بلا داعٍ، ثم جلست قرب النافذة تراقب الأشجار بصمت، لكن عقلها كان منشغلًا بشيء واحد فقط… متى سيعود؟ وحين بدأت الشمس تميل نحو الغروب، سمعت أخيرًا صوت سيارة يقترب من الخارج. اتسعت عيناها فورًا، ونهضت من مكانها بسرعة حتى إنها لم تشعر بنفسها وهي تتجه نحو الباب بخطوات متعجلة. وما إن فُتح الباب ودخل فهد حاملًا عدة أكياس، حتى ظهرت على وجهها ابتسامة تلقائية واسعة وهي تقول بسرعة امتزجت فيها الراحة بالفرح: "لقد أتيت!" توقف جاسر للحظة عند الباب، ونظر إليها بدهشة خفيفة، كأنّه لم يتوقع أبدًا أن يجد أحدًا ينتظره بهذه الطريقة، ثم تسللت إلى شفتيه ضحكة قصيرة دافئة وهو يضع الأكياس أرضًا قليلًا ويقول مازحًا: "ماذا؟

  • بين قلبه وسلاحه   الفصل 65

    ما إن غادر جاسر المنزل وأغلق الباب خلفه بهدوء، حتى بقي واقفًا للحظات أمام السيارة، يحدق نحو الأشجار الكثيفة التي تحيط بالمكان من كل جانب، وكأنّه يتأكد بعينيه للمرة الأخيرة أن لا شيء يهدد ذلك الهدوء المؤقت الذي ترك رهف بداخله. ثم تنفّس ببطء وأخرج مفاتيحه، قبل أن يستقل السيارة وينطلق عبر الطريق الترابي الضيق المؤدي خارج الغابة. لكنه لم يكن متجهًا مباشرة إلى المتجر كما أخبر رهف، بل كانت له وجهة أخرى أكثر أهمية… وأكثر خطورة. ...... بعد قرابة ساعة من القيادة الحذرة، توقفت السيارة أخيرًا أمام مبنى رمادي ضخم يبدو من الخارج كمؤسسة حكومية عادية، بلا أي ملامح مميزة تلفت الانتباه، لكن الداخل كان شيئًا مختلفًا تمامًا. مبنى المخابرات. ترجل جاسر من السيارة بخطوات ثابتة، رغم الإرهاق الواضح في عينيه، ثم دخل عبر البوابة الإلكترونية بعد إجراءات أمنية سريعة اعتادها منذ سنوات، قبل أن يتجه مباشرة إلى الطابق السفلي حيث غرفة الاجتماعات الخاصة بالفريق المسؤول عن قضية مدحت. وما إن فتح الباب حتى توقفت الأحاديث للحظة قصيرة، واتجهت الأنظار نحوه. كان العقيد شوقي يجلس في مقدمة الطاولة الطويلة، وأمامه عدة م

  • بين قلبه وسلاحه   الفصل 8

    استيقظت رهف في صباح اليوم التالي وكأن الليل لم ينتهِ بعد. لم يكن الأمر مجرد تعب جسدي عابر، بل كان ثقلًا غامضًا يستقر فوق صدرها، يضغط أنفاسها ببطء ويجعلها تشعر وكأنها لم تنم دقيقة واحدة. فتحت عينيها على ضوء خافت يتسلل من خلف الستائر، لكنه لم يحمل معها أي دفء أو طمأنينة، بل زاد إحساسها بالوحشة. ظل

  • بين قلبه وسلاحه   الفصل 7

    وقفت حور أمام البحر، كأنها تقف على حافة عالمين؛ عالمٍ تعرفه بكل قسوته، وآخر مجهول يغريها بصمته الواسع. كانت الأمواج تتكسر أمامها بلا توقف، تصرخ ثم تهدأ، كأنها تعيد تمثيل ما يدور في داخلها. لأول مرة منذ سنوات، لم تحاول أن تكون قوية. تركت كل شيء ينهار. وانفجرت بالبكاء. لم يكن بكاءً عاديًا، بل

  • بين قلبه وسلاحه   الفصل 5

    استيقظت حور في ذلك الصباح وكأنها لم تنم أصلًا. لم يكن هناك كابوس محدد أيقظها… بل كان شعور ثقيل، مستمر، يضغط على صدرها منذ أن فتحت عينيها. ظلت مستلقية لعدة دقائق، تحدّق في السقف الأبيض، وكأنها تنتظر أن يتغير شيء… أن تختفي فكرة واحدة فقط من رأسها. لكنها لم تختفِ. الحفل. تنهدت ببطء وأغمضت عينيه

  • بين قلبه وسلاحه   الفصل 4

    انتهت المحاضرة الأخيرة، وخرجت حور من القاعة وهي تشعر بإرهاقٍ غريب… لم يكن إرهاق الجسد، بل ثقل ذلك الشعور الدائم بأنها مراقبة. فظهور فهد في حياتها يشعرها بأن خطواتها لم تعد طبيعية. كل شيء أصبح محسوبًا، وكل حركة مرصودة. تنهدت وهي تسير نحو بوابة الجامعة، تحاول إقناع نفسها أن تتجاهل وجوده، أن تتصر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status