LOGINلم تكن مجرد قصة حب عابرة، ولا حكاية تقليدية بين فتاة وحارسها الشخصي… بل كانت رحلة غامضة تتشابك فيها الحقيقة مع الوهم، ويختلط فيها القلب بالخطر. في قلب هذه الحكاية، تقف فتاة رقيقة الجمال، تحمل خلف ابتسامتها عالمًا من الألم، تعيش أسيرة حياة فرضها عليها رجل يُفترض أنه والدها… رجل أعمال لامع في العلن، لكنه يخفي في الظلال أسرارًا لا تُروى. وعلى الطرف الآخر، يظهر رجل لم يأتِ صدفة. ضابط مخابرات يتقن التخفّي، يتسلل إلى حياتها تحت قناع "حارس شخصي"، لا لحمايتها فقط… بل لكشف حقيقة ذلك الرجل الذي يحيط بها من كل جانب. لكن كلما اقترب من الحقيقة، وجد نفسه يقترب منها أكثر… من روحها، من ضعفها، ومن ذلك الألم الذي لم يعتد مواجهته. ومع انكشاف الخيوط، يتسلل سؤال أخطر من كل الأسرار: هل ذلك الرجل هو والدها حقًا؟ أم أن الحقيقة أعمق وأكثر قسوة مما يمكن تحمّله؟ بين الخطر والمشاعر، بين الواجب والرغبة، سيجد البطل نفسه أمام معركة لا تشبه أي مهمة خاضها من قبل… معركة يكون فيها قلبه هو الخصم، وسلاحه هو الحكم. فأيّهما سيختار؟ أن ينفذ أوامره… أم يستسلم لنبضه؟
View Moreلم تدم تلك الأجواء الهادئة طويلًا. فبينما كانت رهف تجلس فوق سريرها وقد استعادت شيئًا من حيويتها المفقودة، وبينما كان جاسر يراقب ابتسامتها الصغيرة التي بدأت تعود تدريجيًا إلى وجهها بعد ساعات طويلة من الخوف والانهيار، انفتح باب الغرفة فجأة دون مقدمات. دخل بسام بخطواته المعتادة التي تحمل قدرًا غريبًا من الفوضى والمرح في الوقت نفسه، وما إن وقعت عيناه على رهف حتى توقف في منتصف الطريق، ثم رفع حاجبيه بتمثيل مبالغ فيه وكأنه يشاهد معجزة حدثت أمامه للتو. اتسعت ابتسامته وهو يقول بصوت مرتفع: "أخيرًا استيقظت الأميرة!" ثم أشار بإبهامه نحو جاسر الجالس بجوارها وأضاف بنبرة ساخرة: "أتعلمين؟ لقد كان هذا الوحش على وشك قلب المستشفى رأسًا على عقب بسببكِ، ولم يوافق حتى على تناول أي شيء طوال اليوم." تحولت نظرات رهف مباشرة نحو جاسر بدهشة، أما جاسر فقد رمقه بنظرة حادة كافية لإسكات معظم الناس. لكن بسام لم يكن من هؤلاء الناس، بل انفجر ضاحكًا فورًا. "لا تنظر إليّ هكذا، الحقيقة يجب أن تُقال." "بسام." خرج اسم صديقه من بين أسنان جاسر بتحذير واضح. لكن ذلك لم يمنع رهف من الضحك، ضحكة صغيرة وخافتة في البداية،
لثوانٍ طويلة بدت وكأنها امتدت إلى ما لا نهاية، ظل جاسر عاجزًا عن استيعاب ما حدث أمامه، وكأن عقله رفض في البداية تصديق تلك اللحظة المفاجئة التي اندفعت فيها رهف نحوه بكل عفوية وخوف، لتلجأ إليه دون تردد أو تفكير مسبق، وكأن غريزتها وحدها هي التي قادتها إليه. تجمد في مكانه تمامًا، بينما احتاج إلى بعض الوقت ليستوعب أن الفتاة التي كانت قبل دقائق قليلة أسيرة لكوابيسها، ترتجف خوفًا وتصارع أشباح ذكرياتها المؤلمة، قد احتمت به بهذه الطريقة وكأن وجوده أصبح ملاذها الوحيد من كل ما كان يطاردها. شعر بوضوح بالارتجاف الذي كان يجتاح جسدها الصغير بين ذراعيه، كما شعر بأنفاسها المتلاحقة والمضطربة وهي ترتطم بصدره في إيقاع مرتبك يعكس حجم الرعب الذي ما زالت تعيشه، ولم تغب عنه أيضًا تلك القبضة الصغيرة التي تشبثت بملابسه بقوة، وكأنها تخشى أن يختفي من أمامها في اللحظة التي تتركه فيها. وفي تلك اللحظة القصيرة جدًا، التي لم تستغرق سوى ثوانٍ معدودة، وجد نفسه ينسى كل شيء. نسي الشجار الذي دار بينه وبين خالد، وتلاشى الألم الذي كان يثقل صدره، وغاب عن ذهنه الجرح النابض في رأسه، بل إنه نسي للحظات المكان الذي يوجد فيه أ
أُغلق باب المصعد في نهاية الممر معلنًا رحيل خالد وعمر أخيرًا، وعادت الطمأنينة النسبية إلى الطابق بعد العاصفة التي اجتاحته قبل قليل، لكن آثارها لم تختفِ تمامًا، فقد بقي التوتر عالقًا في الهواء كشيء مرئي يمكن لمسه. وبقي بسام واقفًا خارج غرفة رهف، مستندًا إلى الجدار القريب وذراعاه معقودتان أمام صدره، يراقب الباب المغلق بصمت وهو يدرك أن الرجل الموجود في الداخل لم يعد ذلك الضابط العنيد الذي يعرفه منذ سنوات. أما جاسر، فما إن دخل إلى الغرفة حتى أغلق الباب خلفه بهدوء، وكأنه يحاول أن يعزل ذلك المكان الصغير عن العالم بأسره، ثم توجه نحو أحد الكراسي القريبة وسحبه حتى أصبح ملاصقًا تقريبًا لسرير رهف قبل أن يجلس عليه ببطء. للحظة طويلة لم يفعل شيئًا فقط جلس هناك يرافقها كما كانت ترافقه. تمامًا كما كانت تفعل خلال الأيام الطويلة التي قضاها غارقًا في غيبوبته. ابتسم ابتسامة صغيرة باهتة وهو يتذكر رؤية وجهها عندما استيقظ، قبل أن تنطفئ الابتسامة سريعًا عندما عادت كلمات خالد لتتردد داخل رأسه مجددًا. "يبدو أنها ليست مجرد مهمة بالنسبة لك." أغمض عينيه للحظة لأنه لم يعد يملك أي سبب للإنكار. في الماضي كان
سادت الغرفة حالة من الصمت الثقيل والمطبق بعد أن استسلم جسد رهف أخيرًا لتأثير المهدئ الذي حقنه الطبيب في عروقها قبل دقائق، إلا أن ذلك الصمت لم يكن مريحًا لأحد، بل بدا أكثر قسوة وإزعاجًا من صرخاتها السابقة، وكأن أصداء انهيارها العصبي ما زالت عالقة بين الجدران وتتردد داخل رؤوس الحاضرين رغم أن صوتها قد اختفى تمامًا. وقف الطبيب بالقرب من السرير لعدة ثوانٍ طويلة، يراقب ملامحها الشاحبة وأنفاسها المنتظمة بحذر شديد، متأكدًا من أن نبضها قد عاد إلى استقراره وأن جسدها بدأ أخيرًا يستجيب للراحة القسرية التي فرضها عليها الدواء، قبل أن يرفع رأسه ببطء نحو الرجال الواقفين داخل الغرفة، لتظهر بوضوح في عينيه نظرة غضب لم يحاول إخفاءها. كان ذلك غضب رجل اعتاد طوال سنوات عمله على رؤية ضحايا الحوادث والناجين من الصدمات النفسية العنيفة، ويعرف أكثر من غيره حجم الثمن الذي يدفعه الإنسان عندما يُجبر على مواجهة ذكرياته المؤلمة قبل أن يكون مستعدًا لذلك. ولهذا أطلق زفرة طويلة وهو ينزع قفازيه الطبيين ثم قال بنبرة حادة جعلت الجميع يلتفتون إليه فورًا: "هذه المريضة لم تستعد عافيتها بعد." ساد الصمت للحظات، لكن الطبيب ل
استيقظت حور في ذلك الصباح وكأنها لم تنم أصلًا. لم يكن هناك كابوس محدد أيقظها… بل كان شعور ثقيل، مستمر، يضغط على صدرها منذ أن فتحت عينيها. ظلت مستلقية لعدة دقائق، تحدّق في السقف الأبيض، وكأنها تنتظر أن يتغير شيء… أن تختفي فكرة واحدة فقط من رأسها. لكنها لم تختفِ. الحفل. تنهدت ببطء وأغمضت عينيه
انتهت المحاضرة الأخيرة، وخرجت حور من القاعة وهي تشعر بإرهاقٍ غريب… لم يكن إرهاق الجسد، بل ثقل ذلك الشعور الدائم بأنها مراقبة. فظهور فهد في حياتها يشعرها بأن خطواتها لم تعد طبيعية. كل شيء أصبح محسوبًا، وكل حركة مرصودة. تنهدت وهي تسير نحو بوابة الجامعة، تحاول إقناع نفسها أن تتجاهل وجوده، أن تتصر
وقفت حور أمام البحر، كأنها تقف على حافة عالمين؛ عالمٍ تعرفه بكل قسوته، وآخر مجهول يغريها بصمته الواسع. كانت الأمواج تتكسر أمامها بلا توقف، تصرخ ثم تهدأ، كأنها تعيد تمثيل ما يدور في داخلها. لأول مرة منذ سنوات، لم تحاول أن تكون قوية. تركت كل شيء ينهار. وانفجرت بالبكاء. لم يكن بكاءً عاديًا، بل
توقفت لحظة أمام المرآة، تتأمل ملامحها التي فقدت بريقها، وعينيها اللتين أثقلهما التعب والحزن. مرّرت أصابعها المرتجفة على وجنتيها، ثم تمنت بداخلها ألا تلتقي بمالك مرة أخرى. أغمضت عينيها للحظة لتجمع شتات نفسها، ثم استدارت وغادرت. خرجت من دورة المياه بخطوات متثاقلة، كأنها تحمل فوق كتفيها عبئًا لا يُ






reviewsMore