Share

الفصل 4

last update publish date: 2026-07-28 18:34:23

السماء كانت رمادية منذ الفجر.

غيوم ثقيلة تغطي المدينة، والريح تضرب نوافذ القصر كأنها تريد الدخول.

استيقظت نور على صوت المطر.

نزلت كعادتها في الخامسة. المطبخ كان بارداً ورطباً.

وضعت الماء على النار ويديها ترتجفان من البرد.

الساعة السابعة بالضبط حملت الصينية.

القهوة السوداء، الفنجان الأبيض، والملعقة الفضية.

طرقت باب المكتب. لا جواب.

دفعت الباب ودخلت.

كان جالساً. لكنه لم يكن يعمل.

كان واقفاً أمام النافذة الكبيرة، ويداه في جيوبه، وظهره لها.

المطر ينزل بغزارة خلف الزجاج.

وضعت الصينية بهدوء: "القهوة سيدي."

لم يرد.

اقتربت خطوة: "سيد آسر؟ القهوة..."

استدار فجأة.

وجهه لم يكن بارداً اليوم. كان مرهقاً. عيناه محمرتان قليلاً كأنه لم ينم.

"اتركيها واخرجي" قال بصوت أجش.

أومأت واستدارت.

وفي لحظة غباء منها، انزلقت قدمها على الأرض المبللة بسبب الحذاء.

اختل توازنها.

"آه!"

الصينية طارت في الهواء.

القهوة الساخنة انسكبت كلها... على قميصه الأبيض وعلى الأوراق على المكتب.

ساد صمت.

صوت المطر فقط.

نور جثت على ركبتيها فوراً والدموع تجمعت في عينيها:

"أنا آسفة! آسفة جداً سيدي! أنا غبية! سأنظفها حالاً!"

كانت يداها ترتجفان وهي تحاول مسح القهوة من على المكتب بكمها.

وفجأة شعرت بيد تمسك بمعصمها بقوة وتوقفها.

رفعت عينيها بفزع.

كان ينظر إلى يدها. إلى مكان الحرق القديم الذي لم يلتئم بعد من الأسبوع الماضي.

"تؤلمك؟" سأل. سؤال واحد، قصير، وغير متوقع.

هزت رأسها بسرعة: "لا لا... قميصك ! سأحضر لك واحداً آخر!"

حاولت أن تنهض لكنه لم يترك يدها.

سحبها فجأة فنهضت واقفة أمامه.

القهوة تقطر من قميصه على الأرض. رائحتها ملأت الغرفة.

"كفى" قال.

"أنا سأدفع ثمن القميص! وأي شيء تكسر! من راتبي!"

صوتها كان يبكي.

نظر إليها. إلى شعرها المبلل من رطوبة الجو، وإلى عينيها الخائفتين، وإلى يديها الحمراء من الماء الساخن.

شيء ما داخله انكسر.

ترك يدها ببطء وتراجع خطوة.

خلع سترته ورماها جانباً. ثم بدأ يفك أزرار القميص المبتل.

تجمدت نور في مكانها وعيناها اتسعتا: "م-ماذا تفعل؟"

"سأغيره. أم تريدينني أن أبقى هكذا؟" قال ببرود لكن صوته لم يكن قاسياً.

أدار لها ظهره وخلع القميص.

ظهره عريض، وعليه آثار قديمة... ندوب لا تعرف قصتها.

أحمر وجهها كله وأدارت وجهها بسرعة: "سأحضر لك قميصاً من الخزانة!"

ركضت إلى الخزانة وأخرجت قميصاً أبيض جديداً.

عادت ومدت يدها به وهي لا تنظر إليه.

شعرت به يأخذه من يدها. أصابعهم تلامست لثانية.

"شكراً" قال.

الكلمة صدمتها.

آسر المنصور يقول شكراً؟

لبس القميص بهدوء. ثم اقترب من المكتب.

الأوراق كلها تلفت. عقود بملايين.

توقعته يصرخ. يطردها.

لكن كل ما فعله هو أنه جلس على الكرسي وأشار إلى الفوضى:

"نظفي هذا."

بدأت تمسح وهي رأسها منخفض.

كان الصمت خانقاً.

فجأة سمعت صوته:

"لماذا لم تهربي عندما انسكبت القهوة؟"

رفعت عينيها إليه: "ماذا؟"

"كان بإمكانكِ الهرب والاختباء في غرفتك. لكنكِ بقيتِ واعتذرتِ."

بلعت ريقها: "لأنه خطئي. الهرب لن يمسحه."

ظل يطالعها لوقت طويل.

ثم وقف وذهب إلى النافذة مرة أخرى.

"المطر اليوم قوي" قال فجأة، كأنه يغير الموضوع.

"نعم سيدي"

"اسمي آسر. عندما نكون وحدنا."

توقفت يدها عن المسح.

استدار إليها: "ماذا؟"

"قلت اسمي آسر. ليس سيدي. عندما لا يوجد أحد."

اقترب منها. أخذ المنشفة من يدها وجف بقعة قهوة من على يدها بنفسه.

حركته كانت بطيئة وحذرة.

"والآن اذهبي وبدلي ملابسك. أنتِ مبللة."

خرجت من المكتب وهي لا تفهم شيئاً.

قلبها يدق، ويدها لا تزال تشعر بدفء لمسته.

وفي الداخل، آسر وقف أمام المرآة.

عدل ياقة القميص الجديد.

ولأول مرة منذ 5 سنوات...

ابتسم ابتسامة صغيرة جداً لنفسه.

لأن القهوة انسكبت.

ولأنها لم تهرب.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • تاج من الثلج   الفصل 47

    *المشهد 1: الجهاز - 6:29 مساءً*الدكتورة سارة. أخصائية قلب.جاءت بجهاز تخطيط نبض محمول."أريد أن أقيس نبض طفل واحد أثناء الغناء."وضعت اللاصقات على صدر يوسف.الساعة 6:30.بدأ الغناء.الشاشة قفزت.ثم قفزت شاشة ثانية. وثالثة.لأن 20 جهازاً آخر في الحشد سجلت نفس الشيء.نبض واحد.60 نبضة. في الدقيقة.لنفس الـ 10 آلاف شخص.*المشهد 2: الصدمة - 6:31*سليم: "أعيدي القياس."أعادت.النتيجة نفسها.الدكتورة: "هذا مستحيل طبياً.إلا إذا كانوا... متزامنين."*المشهد 3: التجربة - اليوم التالي*جاؤوا بـ 100 جهاز.وزعوها عشوائياً.6:30. غناء.كل القلوب. نبضة واحدة.الصحافة جنّت.العنوان: "قلب واحد من 10 آلاف صدر."*المشهد 4: التفسير العلمي - منتصف النهار*مؤتمر.بروفيسور: "ظاهرة التزامن الحيوي. تحدث في النارflies.ولكن في البشر... هذه أول مرة."بروفيسور آخر: "الغناء + اللمس + النية.تخلق مجالاً."*المشهد 5: التفسير الروحي - العصر*شيخ: "هذا ما سماه القدماء: قلب الأمة."قس: "هذا الجسد الواحد."*المشهد 6: المشكلة - المغرب*بدأت الناس تخاف."هل يتحكمون بنا؟""هل هذا تنويم؟"*المشهد 7: الرد - الليل*سليم: "

  • تاج من الثلج   الفصل 46

    *المشهد 1: أول نغمة - 6:30 مساءً*كانت اللحظة العادية.آلاف الأيدي على الرواق. والضوء البرتقالي.وفجأة... طفل صغير عمره 7 سنوات غنى.صوت واحد. مرتجف: "يا دارنا..."ثم طفل ثانٍ أكمل: "يا أماننا..."وفي 10 ثوانٍ. غنى 5000 شخص.بدون اتفاق. بدون قائد.نشيد لم يكتبه أحد.*المشهد 2: الصدمة - 6:31*سليم تجمد.ليان بكت.يوسف نظر لسماء الغروب وقال: "الرواق تكلم."نور الصغير سجل الصوت: "تردد 432 هيرتز. تردد الشفاء."*المشهد 3: اليوم الثاني - 6:30*جاء الناس مبكرين.ينتظرون الغناء.الساعة 6:30. وضعوا أيديهم.وسكتوا.لم يغنِ أحد.الطفل الصغير: "خفت."سليم: "لا تخف. نحن معك."غنى وحده. ثم تبعه اثنان. ثم عشرة. ثم الكل.*المشهد 4: الظاهرة - أسبوع*صار لكل ساعة غناء.6:30 = نشيد الغروب.5:05 = ترنيمة الفجر.3:13 = صمت. ثم همسة واحدة.*المشهد 5: التحليل - منتصف النهار*علماء أعصاب جاؤوا."الغناء الجماعي يفرز أوكسيتوسين.الأطفال هنا أقل توتراً بـ60%."*المشهد 6: المشكلة - العصر*بعض الناس: "هذا دين جديد."آخرون: "هذا تلاعب بالمشاعر."ياسمين ردت: "تعالوا وغنوا معنا. ثم احكموا."*المشهد 7: المعارض - المغ

  • تاج من الثلج   الفصل 45

    *المشهد 1: السكون - فجر الجمعة*مرت 10 أيام.الساعة 3:13 تمر ولا شيء يحدث.الجدار الثامن صامت.الناس ما زالت تأتي. ولكن بلا خوف. بلا ترقب.يوسف قال: "أظن أننا ودعنا الساعة."*المشهد 2: أول تغيير - ظهر الجمعة*طفلة عمرها 9 سنوات. اسمها مريم.جاءت للمؤسسة وحدها.وقفت أمام الجدار الثامن في الثانية ظهراً.وضعت يدها.فظهرت بصمتها. بلون أخضر فاتح.الحراس تجمدوا.نور الصغير: "الساعة تغيرت."*المشهد 3: الظاهرة - العصر*خلال ساعة. جاء 40 طفلاً.كل منهم وضع بصمته في وقت مختلف.12:04. 4:20. 7:07. 9:11.وألوان مختلفة. أزرق. أصفر. بنفسجي.ليان: "إنهم يختارون ساعتهم."*المشهد 4: الاستنتاج - المغرب*سليم جمعهم: "لماذا غيرتم الساعة؟"طفل: "لأن 3:13 كانت ساعة الخوف.ونحن نريد ساعة الفرح."*المشهد 5: القرار - الليل*سليم: "من اليوم. الرواق مفتوح 24 ساعة.وكل طفل له الحق أن يختار ساعته ولونه."*المشهد 6: المشكلة - منتصف الليل*بدأت المشكلة.أهالي يشتكون: "أطفالنا لا ينامون.ينتظرون ساعتهم ليضعوا البصمة."طبيبة نفسية: "صار عندهم هوس بالوقت."*المشهد 7: الحل - الفجر*سليم: "إذن نجعل لكل أسبوع ساعة واحدة ل

  • تاج من الثلج   الفصل 44

    *المشهد 1: أول بلاغ - 3:13 فجر الأحد*رن هاتف الطوارئ في مؤسسة النور.امرأة تبكي: "هناك بصمة على مرآة الحمام. ظهرت وحدها.والساعة الآن 3:13 بالضبط."سليم وصل خلال 20 دقيقة.مرآة. وبصمة صغيرة. متوهجة. ثم اختفت بعد 7 ثوانٍ.وتركت رطوبة وبرداً.*المشهد 2: البلاغ الثاني - 3:13 فجر الاثنين*من الجزائر."بصمة على زجاج شباك غرفة ابني."نفس الحجم. نفس التوقيت. نفس الاختفاء.*المشهد 3: البلاغ العاشر - 3:13 فجر الأربعاء*من الأرجنتين. من اليابان. من كندا.نفس القصة.أطفال يستيقظون في 3:13. يجدون بصمة. ثم ينامون ولا يتذكرون.ياسمين فتحت بثاً: "من يرى هذا... صور لنا."*المشهد 4: التحليل - الصباح*نور الصغير جمع 40 فيديو."كل البصمات متطابقة. نفس الضغط. نفس الزاوية.كأن يداً واحدة تضعها في كل بيوت العالم."ليان: "مستحيل. إلا إذا..."سليم أكمل: "إلا إذا كان هناك أكثر من يد.وتعمل كخلية واحدة."*المشهد 5: نظرية الصدى - منتصف النهار*نور العجوز: "آسر كتب مرة: إذا امتلأ الجدار بالبصمات...سيبدأ الجدار بالبحث عن جدران أخرى."رعد: "الجدار الثامن صار بوابة."*المشهد 6: التجربة - العصر*قرروا إطفاء الجدار

  • تاج من الثلج   الفصل 43

    *المشهد 1: الظهور - منتصف الليل*الساعة 3:13 فجراً.حارس الأمن يمر بجولة في رواق البصمات.توقف عند الجدار الثامن.كان فارغاً في المساء.الآن عليه 7 بصمات.صغيرة. بحجم أطفال.ولونها أبيض متوهج في الظلام.الحارس تراجع للخلف: "بسم الله."*المشهد 2: الاستدعاء - الفجر*الساعة 5.وصل الجميع.سليم. ليان. نور الصغير. يوسف.الكاميرات لا تُظهر شيئاً. 7 ساعات تسجيل. لا أحد دخل.نور الصغير: "لا أثر حرارة. لا بصمات أقدام.كأن البصمات نزلت من السقف."*المشهد 3: التحليل - الصباح*مسحوا البصمات.النتيجة: حمض نووي بشري. ولكن غير مسجل.وعمر البصمة: أقل من 6 ساعات.ياسمين: "أشباح؟"رعد: "أو أحد يعبث بتقنية جديدة."*المشهد 4: اليوم الثاني - منتصف الليل*الساعة 3:13 مرة أخرى.ظهرت 7 بصمات جديدة. بجانب القديمة.صارت 14.وتشكلت على هيئة دائرة.يوسف: "إنها تدور حول نقطة في الوسط."*المشهد 5: النقطة - الفجر*في وسط الدائرة فراغ. بحجم كف.كأن أحداً ينتظر أن يضع يده.سليم وضع يده.لم يحدث شيء.ليلى وضعت يدها.الجدار اهتز اهتزازاً خفيفاً ثم سكن.*المشهد 6: اليوم الثالث - الليل*3:13.21 بصمة. 3 دوائر.وفي كل دائ

  • تاج من الثلج   الفصل 42

    *المشهد 1: الطابور - شروق السبت*منذ الفجر والناس واقفون.أكثر من 3000 شخص أمام بوابة مؤسسة النور.يريدون وضع بصماتهم على "رواق البصمات".صار الآن 7 جدران زجاجية. كل جدار 1000 بصمة.يوسف يقف على المنصة الصغيرة ويقول بالمكبر: "دوركم سيأتي.البصمة مجانية. والاسم اختياري."*المشهد 2: العرض - الصباح*الساعة 10.دخلت 3 سيارات سوداء.نزل منها رجل في بدلة. ومعه محامون.الرجل: "اسمي فهد الرشيد. مجموعة الرشيد القابضة.أريد شراء الرواق."سليم: "الرواق ليس للبيع."فهد ابتسم: "كل شيء للبيع. أنا أعرض 200 مليون دولار."*المشهد 3: الرفض - منتصف النهار*سليم: "هذه ليست جدران. هذه ذكريات."فهد: "الذكريات سلعة. وسأجعلها متحفاً. بتذاكر."ليان: "لن نسمح."فهد: "إذن سأشتري الأرض التي عليها المؤسسة."*المشهد 4: التهديد القانوني - العصر*وصل إنذار."الأرض ملك للدولة. وعقد المؤسسة ينتهي بعد 6 أشهر.ولن يُجدد إلا بموافقة لجنة الاستثمار."رعد: "إنهم يضغطون علينا."*المشهد 5: الحملة - المغرب*ياسمين بثت مباشر."يريدون أن يشتروا أملنا."خلال 4 ساعات. وصلت تبرعات 50 مليون.ووقّع 2 مليون شخص عريضة: "الرواق لنا."*

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status