Home / التاريخ الافتراضي / تاج من نار / الفصل السابع: يدٌ تضمّد

Share

الفصل السابع: يدٌ تضمّد

Author: Hani
last update publish date: 2026-10-17 16:46:14

مرّ أسبوع قبل أن تُسمح لزمرد برؤية أيهم. كان يقيم في ثكنة الحرس الخلفية، في غرفةٍ ضيقة مظلمة لا تدخلها الشمس. وحين فُتح الباب أخيرًا بإذنٍ من الملك، وجدته جالسًا على حصيرةٍ يشدّ شريطًا من القماش حول صدره.

وقفت عند العتبة مترددة. بدا وجهه أنحل، وعيناه غائرتان، لكن ابتسامةً خافتة ارتسمت حين رآها. قال: «لا تقفي هناك كالتمثال. ادخلي.»

كانت الغرفة تفوح برائحة العرق والدم الجاف والخل، وفي جدارها كوّةٌ صغيرة لا تتسع لكفّ، يتسلل منها شعاعٌ شاحب. على الأرض بجواره وعاءٌ من الماء الآسن ورغيفٌ يابس لم يمسّه. سمعته يسعل سعالًا مكتومًا كي لا تسمعه، وأحسّت بحرارة الخجل تصعد إلى وجهها لأنها اشتكت يومًا من وثارة سريرها الحريري.

دخلت وجلست قبالته على صندوقٍ خشبي. كان في يدها وعاءٌ صغير من الخزف يحمل مرهمًا أعدّته نهى من الأعشاب وزيت الزيتون. مدّته نحوه دون أن تنظر في عينيه: «سمحوا لي بإحضار هذا.»

«شكرًا.»

«لا تشكرني.» كان صوتها يرتجف. «لا أستطيع أن أصدق ما فعلتَه. لماذا؟»

هزّ كتفيه بصعوبةٍ فتألم: «لأن الجلدات كانت ستُحصي أنفاس نهى العجوز لو لم أتدخل. ولأن النظر إليك وأنتِ تشاهدين كان أصعب عليّ من الجلد نفسه.»

سكتت. ثم مدّت يدها المرتعشة وتناولت قطعة قماشٍ نظيفة وغمستها في المرهم. قالت بنبرةٍ آمرة تُخفي ارتباكها: «أدر ظهرك.»

«لا يليق بأميرة...»

«لم أعد أميرة هنا. أدر ظهرك.»

أطاع. ولمّا رأت ظهره من قريب، كتمت شهقة. كانت الجراح عميقة متورمة، يتخللها خطوطٌ حمراء داكنة. بدأت تمسح بخفةٍ، وكانت تسمع أنفاسه تتقطع عند كل لمسة.

قال بصوتٍ مخنوق يحاول المزاح: «لو علمتُ أنني سأنال هذه العناية لطلبتُ جلداتٍ أكثر.»

ضحكت رغمًا عنها، ضحكةً قصيرة اختلطت بالدمع. «أيها الأحمق.»

سألته وهي تعصر قطعة القماش في الماء الدافئ: «من أين تعلّمت هذا الصبر؟» تنهّد: «من أبي، كان راعيًا في سفوح «قطنا». علّمني أن الذئب لا يهاجم قطيعًا يقف راعيه ثابتًا. وحين ماتت أمي بالطاعون وأنا في الثانية عشرة، أخذني حمدان إلى ثكنات الحرس، فصار السيف أبي الثاني.» أنصتت دون أن تقاطعه، وأدركت أنها عاشت سنواتٍ بجوار هذا الرجل ولم تسأله يومًا عن اسم قريته.

«ربما.» ثم صمتا طويلًا. وحين انتهت، شدّت الضماد الجديد وقالت: «لن أسمح بأن يتكرر هذا. لن أدع أحدًا يتأذى بسببي ثانيةً.»

«ماذا تعنين؟»

«أعني أنني لن أتصرف بتهورٍ بعد الآن. سأخطط بعناية، ولن أورّط من لا ذنب له.»

«ومن يكون الذي لا ذنب له؟»

«أنت. نهى. شمخة. الجميع.» ثم استدركت: «سأفعلها وحدي.»

أدار رأسه نحوها ونظر إليها بنظرةٍ هادئة حازمة لم تعهدها منه: «لا تتصرفي وحدك. إن وعدتك بالحماية فذلك يعني أن أكون إلى جانبك، لا خلفك ولا بعيدًا عنك. ثمة فرقٌ بين الحارس والشريك.»

أحسّت بشيءٍ دافئ يتسلل إلى صدرها، لكنها قمعته سريعًا. نهضت: «سأرحل قبل أن يشكّوا في طول زيارتي.»

عند الباب التفتت: «أيهم؟»

«نعم؟»

«لم أشكرك بعد.»

ابتسم ابتسامته المتعبة: «شكرُك أنّي ما زلتُ أتنفس.»

في الممر المظلم الذي يفضي إلى جناحها توقفت لحظةً تستند إلى الجدار. كانت ذراعاها ما زالتا تحملان دفء ذلك الجسد المجروح، وأذناها تردّدان نبرته حين قال إن النظر إليها كان أصعب عليه من الجلد. هزّت رأسها بعنف كأنها تطرد دبّورًا. قالت لنفسها بصوتٍ مسموع: «هذا امتنانٌ فحسب.» لكنّ الحارس عند الباب رفع رأسه مستغربًا، فتصنّعت السعال ودخلت.

وجدت نهى في انتظارها تطوي الثياب، فأخبرتها وهي تنظر إلى الأرض أن ظهر شمخة بدأ يلتئم، وأن الخدم صاروا يهمسون باسم الأميرة الأسيرة بشيءٍ من الإجلال. ابتسمت زمرد ابتسامةً شاحبة: «لا أحتاج إجلالهم، بل أحتاج مفتاحًا.» ثم أمسكت بيد خادمتها وقالت: «اجمعي لي كل ما تسمعينه من أحاديث المطبخ عن نينوى.»

في المساء، بلّغها قائد الحرس بأن الملك يريدها في قاعة الطعام. وجدت فهدًا يتناول عشاءه مع ثلاثة من القادة، وقد أعدّ لها مقعدًا على الطرف. قال دون أن يرفع عينيه عن صحنه: «ظننتُ أنك ستبكين كل ليلة بعد ما جرى.»

«لا أبكي أمام من لا يستحق دموعي.»

«جميل.» وضع قطعة لحم في فمه ومضغها ببطء. «سنذهب بعد غدٍ إلى نينوى. هناك احتفال النصر السنوي، وسأقدّمك للأمراء. وأريدك أن تتزيّني.»

«ولماذا أُعرض؟»

«لأنك زوجتي، ولأنني أريد أن يراك الجميع. لا تنسي أنك هدية السلام التي أعطتني إياها ماري.»

«أنا لست هدية!»

انحنى فهد فجأة وأمسك معصمها بقوةٍ تؤلم. صاح القادة بصوتٍ مكتوم، لكنه لم ينظر إليهم: «أنتِ ما أقوله. حاولي أن تفهمي ذلك قبل أن أفقد صبري.»

كانت يده تكاد تكسر عظامها، لكنها رفضت أن تتألم. قالت بهدوءٍ جليدي: «اتركني.»

تحدّت عيناه عينيها لثانيتين طويلتين، ثم أطلقها. فركت معصمها الأحمر وجلست بصمت، لكنها بدأت في تلك اللحظة تفكر في الخطة الثانية. فنينوى مدينةٌ كبيرة تعجّ بالأسواق والقوافل، وما أسهل الاختفاء بين ألوف الوجوه إذا سنحت لحظةُ اضطراب واحدة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • تاج من نار   الفصل العشرون: على سطح القصر

    لم تكلّم زمرد أحدًا ثلاثة أيام. جلست في جناحها تحدّق في الفراغ، تتناول ما يُدفع إليها من طعام كأنه ترابٌ في فمها. حين كانت شمخة تحاول مواساتها، كانت تهزّ رأسها دون أن تلتفت، وتغمغم بجملةٍ واحدة لا تفهمها العجوز: «لقد أُغلقت كل الأبواب.»كانت الأيام تتشابه أمامها كحبات مسبحةٍ ثقيلة. حلمت بحمدان يبتسم لها وهو يقول: «الزمرد لا يتعفن في الماء»، وبأبيها يناديها من وراء ستارٍ من الدخان فلا تصل إليه. وفي كل صباحٍ كانت تستيقظ على عطشٍ غريب لا يرويه الماء، عطشٍ إلى عدلٍ لا تراه في هذا القصر ولا في سماء الآلهة.في الليلة الرابعة، عند منتصفها، سمعت نقرةً خفيفة على الباب. فتحت شمخة بإيماءةٍ خاطفة، وظهر أيهم على العتبة، متعبًا شاحبًا، وبيده عباءة. قال بخفوت: «غيّري ثوبك. أريدك أن تأتي معي.» «إلى أين؟» «لا أعرف مكانًا أفضل لحديثٍ كهذا من السماء.»صعدا درجًا حلزونيًّا ضيقًا يفضي إلى سطح البرج الغربي، حيث لا يسمعهما أحد إلا الريح. كان القمر نصف مكتمل يتدلى فوق دجلة كفضةٍ مثلومة، وتحتهما المدينة نائمة، تتناثر فيها أضواء المشاعل الصغيرة. جلست زمرد على حافة الجدار وضمّت العباءة حولها، وجلس هو على بعد خط

  • تاج من نار   الفصل التاسع عشر: الباب المائي

    في اليوم السادس من المهلة وصلها الأمل بصورة جرّةٍ أخرى. كانت شمخة هي التي تسلمت من حمدون دلو الزيت الصغير المخصص لمصابيح القصر، وفي قاعه رقاقةٌ مغلّفة بالشمع. قرأتها زمرد على ضوء شمعةٍ واحدة: «ليلة الهلال الرقيق. الباب المائي عند ضفة دجلة. أربعون رجلًا في قوارب الصيد. حمدان.»وكان ذلك أول يومٍ منذ أسابيع تنام فيه بلا كوابيس؛ فقد أحسّت أن قراراتها تعود إليها بعد أن أفلتت منها طويلًا. ومع ذلك لم تفارقها فكرةٌ مزعجة: إن كان الأمل قد عاد، فما أرخص أن يُسحق مرةً أخرى تحت قدمٍ تعرف طريقه.ترددت زمرد. لم يغب عن بالها ما قاله القائد عن «الأصعب»، لكنها رأت في هذا العرض فرصةً أخيرة لتنجو دون دم. همست عبر شقّ الباب لأيهم، الذي سمع كل كلمة وهو ممسكٌ بسيفه: «لدينا ليلتان لنتحضّر. أنت قائد الحرس، فهل تستطيع أن تفتح الباب؟»كانت الليالي الفاصلة بين الرسالة والموعد ثقيلةً كالأرض المبتلة. حاول أيهم أن يقيس الأوقات: الحرس يتبدل بعد الجرس الثالث، والرجلان اللذان وعد بوضعهما عند الباب المائي ينتميان إلى فرقته القديمة التي قاتلت معه في ماري. زار الباب نهارًا بحجة تفقّد الحراس، وفحص قفله وحجارة ممرّه، ورسم

  • تاج من نار   الفصل الثامن عشر: مهلة الملك

    لم تدم عزلتها في المطبخ أكثر مما أراد فهد لها. في مساء اليوم التالي، استدعاها ماهر وأمرها بغسل وجهها وارتداء ثوبٍ نظيف. حين دخلت القاعة الكبرى وجدتها مكتظة بالأعيان، وقد جلس الملك على عرشه بثيابه الرسمية، يرفع كأسه ويبتسم ابتسامةً لم تعجبها.سألها ماهر وهما يعبران الباحة: «هل تعلمين لماذا هذه المفاجأة؟» لم تجب. ابتسم بخبث: «لأن الملك لا يحب أن يقتسم متاعه مع الخدم، حتى لو كانوا من خدم قلبه.» ثم انحنى انحناءةً ساخرة، وتركها تفسّر الجملة كما تشاء، فقد كان يدرك أن الألغاز أحدّ من الصراحة.«أيها الأشراف! لقد صبرتُ على زوجتي شهورًا، وعلّمتها ما يليق بالعرش. وها هي تعود اليوم إلى جناحها.» ثم أضاف ببطء ليتذوق وقع كلماته: «وعند اكتمال القمر بعد ثلاثة أسابيع نُتمّ زواجنا أمام الآلهة، فتحمل وريثي قبل أن يموت أبوها.» دوّى هتاف النبلاء، وتجمدت زمرد في مكانها كأن ماءً جليديًّا صُبّ على رأسها.ومرّ في ذهنها ما كتبه حمدان: «أعطيني علامةً وأخرجك»؛ ثم تحسّرت، فهي لا تملك علامةً ولا مخرجًا. رأت وجوه الأمراء من حولها: بعضهم يصفّق بحماسةٍ حقيقية، وبعضهم يتصنّع الابتسام مخافة الملك، وبعضهم يتجنب نظرتها بخ

  • تاج من نار   الفصل السابع عشر: ما لا يُقال

    بعد عودة الموكب إلى آشور بأسبوعين تماثل أيهم للشفاء، وأقام الملك احتفالًا كبيرًا في القاعة الكبرى لتكريم من أنقذه. اصطفّ النبلاء والقادة تحت المشاعل، ووقفت زمرد في الصف الخلفي بين الخدم تحمل إبريقها، وعيناها تتتبعان الفارس الذي ارتدى لأول مرة درعًا مذهّبًا ومعطفًا أزرق. بدا في هذا الثوب غريبًا عنها، كأنما صارت بينهما مسافةٌ من حرير.قال فهد وهو يرفع كأسه: «أيها الأشراف! هذا الرجل وضع جسده بيني وبين مخالب الموت. بأمري يصير قائد حرس السيف، ويقيم في الجناح الملاصق لجناحي، وينال أجر ثلاثة قادة.» دوّى التصفيق وعلت الهتافات، أما ماهر، الواقف عند العمود، فزمّ شفتيه كمن ابتلع عودًا مرًّا وحدّق في الأرض.وبعد التصفيق تقدّم الأمراء واحدًا واحدًا لتهنئة أيهم، وانحنى بعضهم له انحناءةً متملقة كانوا يحتفظون بها للأقوياء. لاحظت زمرد أنه يتلقى كل ذلك بنظرةٍ جامدة، وعينين تبحثان عن زاويةٍ يختبئ فيها من الضجيج. كان رجلًا لا يعرف كيف يتقبل مجدًا لا يرى فيه إلا قيدًا جديدًا.ثم أضاف الملك بنبرة من يمزح وهو لا يمزح: «ولا يليق بقائدٍ مثله أن يعيش وحيدًا. سأزوّجه ريمة، ابنة وزيري حزقيل.» التفتت الرؤوس إلى ف

  • تاج من نار   الفصل السادس عشر: الأسد

    اشتعلت عند الفجر مشاعل الموكب الملكي المتجه نحو جبال زاغروس للصيد، وكان في صفوفه ستون فارسًا وعشرات الخدم والكلاب والصقارين. حُملت زمرد مع الخدم على عربة المؤن، تلفّ كتفيها بعباءةٍ بالية، وقد أمر فهد أن تقوم بخدمته في خيمته كما تُخدم الأمراء في المعسكرات.لم تخفِ عن نفسها فرحتها المكتومة بالخروج. فالمعسكر في الجبال لا أسوار فيه، والخيام تُنصب على سفوحٍ مكشوفة، وحرّاسه يغفون على ضوء النار. همست لأيهم في الطريق، وقد ركب بجوار العربة بأمر الملك: «هنا. الليلة الثالثة. حين ينشغلون بوليمة الصيد.» لم يردّ بكلمة، لكن قبضته على اللجام اشتدّت.أخذت تدرس الوجوه من حولها: أحد الحرّاس يتثاءب كلما أُطفئت المشاعل، وآخر يغيب عن نوبته ليشرب مع الصقارين. وفي الليلة الأولى انسلّت إلى حافة المعسكر تتفقد الطريق، فتلمّست جذوع الأشجار وصخور الوادي، وقدّرت المسافة إلى أقرب قريةٍ بليلة كاملة سيرًا. كانت تحفظ الأرض كما تحفظ عظامها.نُصبت الخيام عند سفحٍ مشرف على وادٍ ضيق تكسوه الغابات الكثيفة، ويجري في قاعه جدولٌ يلمع كشريطٍ من الفضة بين الصخور. كانت الرياح هناك باردة تحمل رائحة الصنوبر والتراب الندي، فاستنشقت

  • تاج من نار   الفصل الخامس عشر: جرّة الزيت

    جاءت القافلة من ماري في الأسبوع الرابع من خدمتها في المطبخ. كانت تحمل جرارًا من زيت الزيتون وأقفاصًا من الدجاج، يقودها تاجرٌ نحيل يُدعى حمدون، عرفته زمرد من الوهلة الأولى: كان يزوّد قصر أبيها بالزيت منذ أن كانت طفلة، وطالما ناولها قطعة حلوى من سلّته.كان حمدون شيخًا هرِمًا حين رأته آخر مرة، أما اليوم فبدا أنحل وأصغر حجمًا، وقد غارت عيناه من السهر والخوف. وضع كيسًا من الحبوب على كتفه وسار ببطءٍ يتظاهر بالعرج، ولم يكفّ عن إلقاء نظراتٍ خاطفة نحو مداخل الباحة كأنه يعدّ العيون التي تراقبه.حين التقت عيناه بعينيها وهي تفرغ جرةً في الوعاء، توقف قلبها. لم يُظهر شيئًا، لكنه مال فوق الجرة التالية وقال بصوتٍ جافّ كأنه يتحدث عن الزيت: «الجرة الثالثة صافيةٌ جدًا يا بنت الخادمات، فاحتفظي بغطائها لنفسك.»وبينما كانت القافلة تفرغ حمولتها، مرّ ماهر بين الجرار يتفقد. رفع غطاء جرتين وأمر الجنود بشمّ الزيت، ثم وصل إلى الجرة الثالثة. شعرت زمرد أن الدم يتجمد في عروقها وهي تحمل الصحن بيدين ثابتتين ظاهريًّا. مدّ ماهر يده إلى الغطاء، فناداه جندي من الباب: «الملك يريدك فورًا!» تردّد لحظة ثم انصرف، وتنفست هي كم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status