LOGINالفصل 65---لياأربعة أعوام كاملة مرت وكأنها حلم ثقيل تتداخل فيه آلام المخاض القاسية بنسيم الطمأنينة الهادئ الذي يعمّ أرجاء ملجأ ستان مور. لا أستطيع نسيان تلك الليلة العصيبة التي وضعتُ فيها طفليّ؛ ليلة حبس الجميع فيها أنفاسهم، وخاض فيها الدكتور سلون معركة طبية حامية الوطيس لإنقاذ حياتي. كان جسدي يصارع الموت بسبب آثار الندوب القديمة والأنسجة الضعيفة التي تركها داني في رحمي، لكن الدكتور سلون كافح بكل خبرته وإنسانيته، مستعيناً ببرامج الراحة والمراقبة الصارمة، حتى تجاوزتُ مرحلة الخطر وخرجتُ إلى النور معجزة حية أتنفس معها معجزة أخرى... طفلاي.ولولا معجزة الرب، ثم الوقفة الأموية الصادقة للسيدة شير التي احتضنتني وأخذت بيدي طوال هذه السنوات الأربع، لما استطعتُ الوقوف على قدميّ مجدداً. كانت لي ولأطفالي السند والدرع الداعم، تحيطنا بحبها ورعايتها وتضمن ألّا ينقصنا شيء في هذا الملجأ الصغير.رزقت بتوأم أسميتهما *آدريان وآيلا*... طفلان يختزلان جمال الدنيا وصعوبة الذكرى في آن واحد. ففي كل مرة أنظر فيها إلى وجهيهما، يتملكني الذهول والدهشة؛ فهما نسخة مصغرة وطبق الأصل عن جيمس! كلاهما يحمل شعره الأسو
الفصل 64---جيمسمرّت الأيام بعد غيابها وكأنها دهور من العذاب البطيء. لم أكن أدرك أن حجم الفراغ الذي ستتركه خلفها قادر على أن يسحقني بهذا الشكل المبرح. تدهورت حالتي الصحية والنفسية يوماً بعد يوماً؛ فقد كنتُ أذوب ببطء وأفقد رغبتي في الحياة، شاحباً، غارقاً في أرق أبدي، لا يربطني بالحياة سوى خيط واهٍ من الذكريات وصورتها وهي تصعد تلك الحافلة الحزينة.دمر غيابها كل مفهوم بنيته لحياتي. كانت هي المعنى الوحيد لكل شيء، وحين اختفت، تحول كل ما حول رماداً. كنتُ ألوم نفسي كل ثانية، أكل روحي بسكاكين الندم لأنني كنتُ ذلك الجلاد الغبي الذي دفعها للهروب وهي تحمل في أحشائها توأمها وتوأمي. كيف طاوعني قلبي أن أهددها بالاجهاض؟ كيف لم أرَ كم كانت خائفة ومجروحة؟بقيتُ أبحث عنها في كل مكان، وكلما مرّ يوم دون أن أجد لها أثراً، كان شعور العجز يمزق صدري أكثر. لم أستطع البقاء في هامبستيد؛ فقد كان المنزل يضيق بأنفاس طيفها الذابل، وكانت زواياه تصرخ باسمها. لذا، اتخذتُ قراراً جذرياً؛ تركتُ القرية تماماً، وانطلقتُ أجوب البلاد من أقصاها إلى أقصاها.لم أكن أجول عبثاً؛ بل بدأتُ أوسع نطاق أعمال عائلتي وأسسست إمبراطو
الفصل 63---ليامرّت الأيام في بلدة "ستان مور" بطيئة ومحملة بسلام غريب يشبه هدوء ما بعد العاصفة. تحول ملجأ الأطفال واليتامى تدريجياً إلى درع حقيقي يحميني من قسوة العالم الخارجي، ومن شبح الماضي الذي كان يطارد خطاي في كل مكان. وجدتُ في ذلك المكان البسيط، المليء بضحكات الصغار وبراءتهم، متنفساً أعاد لروحي شيئاً من التوازن.لم أكن أكتفي بالمكوث في غرفتي الصغيرة، بل بدأتُ أعمل جنباً إلى جنب مع السيدة شير في إدارة الملجأ والاعتناء بالأطفال. كنتُ أقضي ساعات طوال ألاعب الصغار، أساعدهم في دروسهم، وأحكي لهم الحكايات قبل النوم. في كل مرة كانت كفّ طفل صغير تمسك بأصبعي، أو يبتسم لي أحدهم ببراءة، كان شعور دافئ وعميق يسري في صدري، كأن هؤلاء الأطفال قد اختاروا أن يرمموا جزءاً من انكسارات روحي دون أن يشعروا.لاحظت السيدة شير، بحنانها الأموي الفطري، كل تفصيلة تخصني. كانت تحيطني برعاية بالغة تشبه رعاية الأمهات الحقيقيات؛ فهي لم تقصر يوماً في إعداد وجبات صحية دافئة لي، وتصر دائماً على أن أتناول طعامي بانتظام، مرددة دائماً بنبرة حنونة: "أنتِ لا تملكين جسداً واحداً لتهمليه، ابنتي.. أنتِ تحملين حياة أخرى
الفصل 62---جيمسلم تكن الساعات تمرّ، بل كانت تحترق كالجمر الحارق تحت أقدامي. لم أذق طعم النوم، ولم يعرف الجوع أو الراحة طريقاً إلى جسدي منذ تلك اللحظة اللعينة التي وجدتُ فيها رسالتها على الفراش الخالي. تحولت حياتي بأكملها إلى مطاردة محمومة ومجنونة بحثاً عن أثر يقودني إلى ليا.بدعم شخصي ومباشر من السيد فينيك، رئيس مركز الشرطة في لندن، تحركنا بكل ما أوتينا من نفوذ وقوة. استنفرنا رجال الشرطة، ونشرنا صورها وأوصافها على كافة الدوريات والمحطات الإقليمية الممتدة بين المقاطعات.كنتُ أركض بسيارتي كالبرق، أفتش في كل زاوية، وأسأل في كل مقهى، فندق، ومحطة قطار أو حافلات قد تكون عبرت من خلالها. كنتُ أنظر إلى وجوه النساء في الشوارع بلهفة قاتلة، لعلّني ألمح قوامها الرقيق أو خصلات شعرها، لكن كل الأبواب كانت توصد في وجهي بخيبة مريرة تزيد من جنوني.وصلنا أخيرًا، برفقة لويس ورجال الشرطة، إلى خيط الأمل الوحيد؛ تتبع خط سير الحافلة الصباحية التي استقلتها ليا في ذلك الفجر المظلم. مسافة طويلة على طول الطريق السريع الذي سلكته الحافلة، نراجع كاميرات المراقبة الخاصة بالبلدات والقرى الواقعة على امتداد الخط.لكن
الفصل 61---لياتوقفت حافلة الركاب البالية عند مدخل بلدة "ستان مور" النائية، بعد وقت طويل من رحلة الحافلة التي شقت طريقها عبر الضباب والرياح الباردة. نزلتُ من حافلة العذاب بخطوات متثاقلة، وأنا أضم معطفي الثقيل حول جسدي بارتجاف، وأحكم قبضتي بحقيبة سفري الصغيرة وكأنها طوق النجاة الوحيد المتبقي لي في هذا العالم الواسع.كانت البلدة صغيرة وغريبة عني تماماً، طابعها القديم وشوارعها الخالية إلا من بعض المارة القلائل تزيد من شعوري بالوحشة والضياع. سرتُ على غير هدى بين الأزقة الحجرية المظلمة، وأنا أشعر بغثيان خفيف ودوار حاد يجتاح رأسي من اثر الإرهاق وقلة النوم والجوع الشديد الذي بدأ ينهش معدتي. أدركتُ أنني بحاجة ماسة لتناول طعام يمدني بالقدر الضئيل من القوة لمواصلة طريقي والبحث عن مأوى بعيد جداً عن هامبستيد، بعيد عن عينيّ جيمس وبحثه المحتوم عني.وجدتُ مقهىً صغيراً يقع في زاوية الشارع، فدفعت بابه ودخلت لأجلس في أبعد ركن مظلم. طلبتُ قدحاً من الشاي الساخن وقليلاً من الخبز، وصرتُ أحرك الملعقة ببطء بينما كانت الدموع تنهمر على وجنتي بغزارة وصمت لا يتوقف. كل تفصيلة صغيرة حولي كانت تذكرني بجيمس؛ ب
الفصل 60---جيمسكانت الصرخة التي أطلقتها في سماء هامبستيد الصباحية كأنها مزقت أضلعي قبل أن تشق ضباب القرية البارد. كان الهلع ينساب في عروقي كالمصل المسموم، يجمد التفكير في رأسي ويتركني فريسة لجنون عارم لم أختبره حتى في أحلك ليالي مواجهتي مع داني.تراجعتُ إلى الخلف خطوتين وأنا أتنفس بجهد، وعيناي المحمرتان تنظران إلى الفناء الخارجي الخالي إلا من أثر خطواتها الخفيفة التي ابتلعها الجفاف.لم أتردد؛ اندفعتُ كالمجنون بين الطرقات الترابية المحيطة بالمنزل، أصرخ باسمها بعلو صوتي، أفتش خلف المزارع الخشبية، بين الأشجار العتيقة، وحول الإسطبلات.كنتُ أركض بحفاء يائس، أتعثر بالحصى وأحجار الطريق دون أن أشعر بوجع قدميّ، فكل خلية في جسدي كانت تصرخ باسم "ليا"."ليا! ليا... أرجوكِ!"حين لم أجد لها أثراً، اندفعتُ بنشيج مكتوم نحو منزل هانا القريب. ضربتُ الباب بقبضتي المرتجفة ضربات متتالية صاخبة هزت الخشب. فتحت هانا الباب بملامح تفاجأ بها النعاس، غير أن ملامحها تغيرت فوراً لرعب حقيقي حين رأت هيئتي؛ وجهي الشاحب كالجثة، وعينيّ الممتلئتين بالدموع، وشعري المبعثر.أمسكتُ بكتفيها بضغط مجنون وسألتها بصوت متحشرج







