LOGINفي قلب لندن، عاشت ليا حياةً تحولت إلى كابوس على يد الرجل الذي أخضعها لسيطرته وعنفه، حتى جاءت ليلة واحدة قلبت كل شيء. وبينما تحاول الدفاع عن نفسها من اعتداءٍ وحشي، تجد ليا نفسها مضطرة لطعنه بسكين قبل أن تهرب مذعورة، حاملةً معها سرًا قد يدمّر حياتها إن انكشف. تختفي ليا عن العالم، وتصل إلى قرية هامبستيد الساحلية الهادئة، حيث تمنحها مأوى وفرصة للعمل. لكن ليا تدرك سريعًا أن النجاة من ماضيها تتطلب أكثر من مجرد الهروب؛ فتختلق حياة جديدة، وقصةً كاذبة عن حياتها بينما تدفن الحقيقة في أعماقها. إلا أن الماضي ليس الشيء الوحيد الذي يهدد هدوءها... هناك جيمس. رجل غامض، نافذ، ووسيم، تحيط به هالة يصعب تفسيرها، ومنذ لقائهما الأول، يلاحظ جيمس خوفها غير المبرر من الرجال، وارتباكها أمام أبسط لمسة أو نبرة حانية، فيبدأ بالتساؤل: ممن تهرب هذه الفتاة؟ وما الذي تحاول بكل قوتها إخفاءه؟ ورغم أن جيمس يحاول الاقتراب منها بحذر، ويحترم حدودها ومساحتها، بل يحميها حين تحتاج إليه، فإن قربه نفسه يصبح اختبارًا قاسيًا لليا؛ فكل نظرة دافئة، وكل اهتمام صادق، يعيد إلى ذاكرتها ظلال الماضي التي تحاول دفنها. ومع تزايد انجذاب جيمس إليها، وتزايد شكوكه حول حقيقتها، تجد ليا نفسها عالقة بين رغبة عميقة في الشعور بالأمان وخوفٍ مرعب من أن تثق بالرجل الخطأ مرة أخرى.
View Moreالفصل 1
----
ليا
لندن، الساعة الثالثة والنصف صباحاً.
كان البرد يقضم أطرافي كالأنياب، والمطر يهمر بغزارة مرعبة ليغسل آثار ركضي المتواصل والدماء التي غطت يدي. كانت أنفاسي اللاهثة هي الصوت الوحيد الذي يكسر صمت الأزقة الضيقة والمظلمة، ينبعث منها رذاذ أبيض متصاعد مع كل خطوة مذعورة.
كأن المدينة بأكملها قد ماتت، والهدوء المريب الذي يلف المنازل يزيدني ذعراً. جسدي الصغير يرتجف، لا أعلم إلى أين أذهب ولا أين أختبئ من المصير الذي فررت منه... كان صدى خطواط ثقيلة في نهاية الشارع يلاحقني، يخيّل إليّ في كل لحظة أن أحدهم يترصدني خلف الظلال.
دفعتني غريزة البقاء نحو أحد المنازل، وأخذت أطرق الباب بيدين ترتعشان وضربات قلب تكاد تتجاوز ضجيج المطر، حتى فتحت لي سيدة عجوز في منتصف سبعينياتها.
"كايلتين"
"سيدة مالكد، أرجوكِ، ساعديني..."
"ادخلي ابنتي، ادخلي الجو بارد."
أدخلتني سريعاً ولفّت حول جسدي المرتعش أغطية سميكة، ثم اتجهت لإعداد كوب من القهوة الساخنة علّه يعيد الدفء إلى عروقي المتجمدة. كنت أرتجف كالمحمومة، وعقلي يتآكله الخوف والرعب مما اقترفت يدَاي...
لقد طعنته وهربت.
هل مات؟
هل قتلت شخصاً للتو؟
أغلقت عيني لأرى مشهد السكين وهو يغوص في جسده، وأنا أستشعر حرارة الدماء على كفي.
عادت السيدة مالكد وسكبت لي القهوة.
ومع كل رشفة دافئة، بدأت أقص عليها كابوسي.
اعتلت الصدمة وجهها العجوز، لكنها لم تتخلَّ عني، بل قررت مساعدتي على الهرب فوراً قبل أن يحاصر الشرطةُ المربع السكني.
ذهبت لتجلب لي بعض الاحتياجات، بينما استجمعت قواي المتهالكة وهرعت نحو الهاتف الثابت، أصابعي المرتعشة تضغط الأرقام بألم لأتصل بمحطة القطارات والحافلات.
"هل هناك حجز الان؟"
"أجل، الحافلات ستتحرك بعد ساعتين من الآن"
"اريد الحجز بعد ساعتين اذا"
"الى اين؟"
تطلعتُ بتوتر حاد إلى الحائط أمامي، فسقطت نظراتي على صورة قديمة ملتقطة لمكان هادئ يضم مزارع وبحيرات، ومكتوب أسفلها: "هامبستيد".
"تذكرة الى هامبستيد من فضلك."
"بإسم من؟"
"ليا ويلسون"
عادت السيدة مالكد سريعاً باللوازم، وساعدتني في قَصّ شعري السريع وتغيير لونه من البني الفاتح إلى الأشقر لتمويه ملامحي.
ودعتها بدموع الامتنان وخرجت أركض نحو الشارع.
استقللت سيارة أجرة، وظللت أرقب النافذة بشرود وشعور بالمطاردة ينهكني.
فجأة، تعالت أضواء سيارات الشرطة الحمراء والزرقاء وهي تخترق الضباب متجهة بنباح صفاراتها نحو منزلي! انخفضت فوراً في المقعد، والعرَق البارد يغطيني، وطلبت من السائق الإسراع.
وصلت المحطة، وركضت للداخل لأقف في صف التذاكر، وأنفاسي تتصاعد باضطراب. وفي تلك اللحظة المشئومة، تتصلبت الدماء في عروقي؛ توقفت سيارات الشرطة بغتة عند بوابة المحطة، وانفتح الباب ليترجل منه هو بذاته!
كان يستند على أحد الضباط بملامح حاقدة وشاحبة، يضع يده على جرحه... إنه حي ولم يمت!
صدمة شلت تفكيري ورعب أطلق ساقَي للريح، فركضت نحو الحافلة التي بدأت تتحرك بالفعل، وصعدتُ في اللحظة الأخيرة لأغطي رأسي بقبعة الكنزة وأكمن في مقعدي كطفل مذعور يهرب من العالم.
غلبني النعاس من الإرهاق الشديد والخوف المتواصل. مرت الحافلة بمحطات عدة دون أن أشعر، حتى فتحت عيني المرهقتين مع إشراقة الصباح لأجد نفسي بين أحضان المزارع والبحيرات، بعيداً عن جحيم لندن.
نزلت في المحطة الأخيرة، وخلعت القبعة لأستكشف المكان. جذبتني رائحة القهوة من متجر صغير عند موقف الحافلات، فدخلت وابتعث كوباً وجلست أمام النافذة المطلة على المياه، أغرق في تفكيري وفي غياهب هذا المكان الجديد الذي لا أعرف فيه أحداً.
قطع شرودي صوت البائع وهو يرحب بأحدهم بضحكة عالية:
"هل كل من يذهب إلى لندن يتغيب كل هذا الوقت؟"
"لقد كان لدي عمل يا رجل، ألم اخبرك ذلك بالهاتف؟"
تسمرتُ حين سمعت اسم لندن، وشعرت بقشعريرة تضرب جسدي. أدرت بصري نحو صاحب الصوت الثقيل، ولاحظ هو شرودي المطول به ليتبادل معي نظرات غامضة، قبل أن يقطعهما البائع: "هل ستأتي بالمساء ، الجميع ينتظرك؟"
"بالطبع لقد جلبت لكم الكثير من الأشياء"
"اوووه، نحن ننتظرك اذا"
خرج الرجل متجهاً لسيارته، وحين كنت أخرج أنا أيضاً من المتجر، توقف يراقبني وهو يطالع سيري نحو الممشى المؤدي إلى البحيرة الكبيرة، قبل أن يستقل سيارته وينطلق.
"لا يمكن أن يكون قد تعرف عليّ!!"
الفصل 8---ليابقيتُ مستلقية على فراش جيمس العلوي، أتقلب بانزعاج وشعور بالذنب يأكل أطرافي. كان عقلي يحترق بالتردد والتساؤلات: هل أنزل إليه الآن وأعتذر عن انفعالي وجفائي؟ أم أترك الأمر يمر وكأنه لم يكن، تجنباً لمزيد من التوتر؟مرت الساعات ثقيلة وخانقة حتى انقضت الليلة ، ولفت هامبستيد شمس يوم جديد.استيقظتُ بنعاس، ونزلتُ درجات السلم بخطوات خافضة أبحث عنه في أنحاء البيت، لكنني لم أجد له أثراً. لم يكن هناك سوى طبق فطور دافئ أعده بعناية ووضعه على طاولة المطبخ، وبجانبه ورقة صغيرة مطوية.سحبتُ الورقة بإنهاك وفتحتها لأقرأ خط يده الأنيق:*(أنا أعتذر عن تطفلي بالأمس، لا أريدكِ أن تشعري بالانزعاج بسببي إطلاقاً. لقد ذهبتُ إلى لندن وسأعود غداً.. يمكنكِ البقاء في المنزل بحرّية حتى أعود وأقوم بإصلاح الباب... جيمس.)*اعتصر قلبي ألم خفيف؛ وسرت في حلقي مرارة حزن لأنني لم أنزل بالأمس لأعتذر منه وأشرح له ما أعيشه. تناولتُ الفطور الذي أعده لي والابتسامة تتسلل إلى شفتي رغماً عني... كيف لشخص أن يكون بهذا اللطف والرقة رغم كل القسوة التي قابلته بها؟ذهبتُ إلى الغرفة الخلفية ذات الباب المكسور، جمعتُ بعض ملاب
الفصل 7---ليادخلنا المنزل سوياً، وسارع جيمس بإضاءة الأنوار في المكان ليمنحني شعوراً بالأمان والاطمئنان. لمح ارتجافة جسدي الخفيفة أمام عينيه، فلم أكن أرتدي سوى شورت قصير وتيشيرت بدون أكمام، فجلب لي غطاءً دافئاً ليلفه حول كتفي بلطف."الجو يكون بارداً هنا في المساء... هل تشربين شيئاً ساخناً؟"تلعثمتُ بحرج وأنا ألف الغطاء حول جسدي: "لا أريد أن أزعجك..."ابتسم برقة وهو يهز رأسه: "ما بكِ يا فتاة؟ إنه مجرد كوب قهوة، أم أعدها لكِ شوكولاتة ساخنة؟""شوكولاتة ساخنة من فضلك..."ابتسم ودخل المطبخ، فلحقتُ به ووقفتُ عند حافة الطاولة أراقبه وهو يعد المشروب باحترافية.لم أستطع منع عينيّ من تفحص الجزء العلوي العاري من جسده؛ فقد خرج مسرعاً دون قميص، فتسمرت نظراتي بشرود على الوشوم الدقيقة التي تحتل مساحات متفرقة من كتفيه وجمال ذراعيه المشدودين.سألته بخجل محاولةً كسر هذا الصمت:."ألا تشعر بالبرد؟"نظر إلى جسده العاري ثم التفت إليّ بابتسامة دافئة:"لا، جسدي معتاد على هذه الأجواء."ناولني الكوب المشتعل بالدفء، وجلسنا سوياً عند طاولة المطبخ لنرتشف المشروب في سكون الليل."أنت تصنع مشروبات رائعة حقاً، سيد ج
الفصل 6---لياخرج جيمس وتركني بمفردي في الغرفة، لأسقط على طرف الفراش بتنهيدة ثقيلة يملؤها الإرهاق.كان صدري ينقبض برهبة وخوف جارف من فكرة الاقتراب من أي رجل آخر بعد الكابوس المظلم الذي عشته في لندن. بمجرد أن يخيم السكون، تنفتح أبواب الذاكرة رغماً عني ، لتستحضر تفاصيل تلك الليلة المرعبة بكل قسوتها...---"كايت...""أوه حبيبي، أتيت؟""أجل، انظري ماذا جلبت لكِ؟"أعطاني داني حقيبة أنيقة، فتحتها لأجد فستاناً أسود قصير بكتف واحد ، مطرزاً بالخرز اللامع حتى الخصر، بينما نصفه الآخر مصنوع من القماش الجلد الناعم."واو... إنه رائع حقاً، داني!""أريني كيف سيبدو عليكِ إذاً؟"دخلتُ الغرفة لأبدل ثيابي وارتديته، وحين خرجت وجدتُه يعد السفرة. أقبل نحوي بابتسامة يملؤها الإعجاب وأمسك بيدي:"تبدين رائعة يا حياتي.""حقاً؟"انحنى وقبّل عنقي بقوة وجنون: "بالطبع..."شعرتُ بأسنائه تعض على جسدي بحدة، ليجتاحني الانزعاج فوراً ، لقد كانت هذه طريقتَه المعتادة؛ يبدأ بالملاطفة والتودد، لينتهي بي المطاف مكبلة ومقيدة على الفراش حتى الصباح تحت رحمة قسوته.ابتعدتُ عنه بهدوء يحاول كتم الخوف: "لقد حضرتُ لك عشاءً لذيذاً."
الفصل 5---جيمسعدت إلى غرفتي العلوية بعد جلستي الطويلة في الشرفة، وجلست على طرف الفراش أخلع حذائي ببطء. سكنت عيوني على النافذة الزجاجية المقابلة تماماً لغرفة الضيوف في منزل هانا. أُضيئ النور هناك فجأة، وبغير قصد مني، وقع بصري على تلك الشقراء الذابلة ذات العينين الزرقاوين الساحرتين وهي تبدأ بخلع ملابسها الشاقة.جلستُ مشدوهاً لثوانٍ، قبل أن أبتعد عن النافذة بسرعة بابتسامة خطفتها من ثنايا الذهول، ثم أعدت نظري في غواية غير متوقعة لأجدها تقف بملابسها الداخلية فقط.تنهدت بعمق، متفادياً التلصص، وأطفأت نور غرفتي كلياً؛ كي لا تراني أو تتنبه لوجودي في العتمة. لم أكن لأحاول إنكار الأمر بيني وبين نفسي؛ لقد أعجبتني بلا أدنى شك، ومنذ اللحظة الأولى التي رأيتها فيها تلتحف الذعر عند موقف الحافلات. إنها من ذلك النوع المفضل لدي تماماً... شقراء بنكهة الغموض والهشاشة التي تغري بالتحدي.همستُ في نفسي وأنا أتأمل قوامها المتناسق من خلف الستار الخفيف: "يا إلهي... هذا الجسد بإمكانه إيقاف شاحنة كبيرة عن مسارها!"وفجأة، انتبهت هي للنافذة المفتوحة خلفها، فسحبت الستار بسرعة وجنون وهي ترتجف خوفاً، وكأن ذعرها انت
reviews