INICIAR SESIÓNالفصل التاسع والأربعون: عقلُ الأفعى وحافة الهاوية عمّ الهدوء الثقيل أرجاء الجناح الملكي، لكن الكهرباء المشحونة في الهواء كانت كفيلة بإحداث انفجار مكتوم. كنتُ أقف أمام النافذة الزجاجية الضخمة الممتدة من الأرض إلى السقف، أراقب أضواء باريس وهي تتلألأ كأحجار الماس الباردة تحت حبات المطر الخفيفة. كان انعكاس الغرفة في الزجاج يظهر كل تفصيلة في ثوبي المخملي الأسود، لكن عقلي لم يكن في الغرفة مطلقاً؛ بل كان يستحضر كل حركة، كل نبرة، وكل التفاتة صدرت عن العم رولاند خلال الجلسة المغلقة. التفتّ ببطء نحو أدريان، الذي كان يقف بكتفيه العريضتين وهيبته الطاغية وسط الغرفة، وقد حلّ أزرار قميصه العلوية بتمهل. نطقتُ بصوت خفيض رصين، يقطر بالتحليل الحاد والكبرياء الأرستقراطي: "أدريان... رولاند ليس رجلاً عادياً يمكن حشره في الزاوية بمجرد تجميد أصول أو تهديد بالبورصة..." بدأتُ أحلل شخصيته بصلابة وجمود، وأنا أعقد ساعديَّ أمامي: "إنه عقل مدبّر يتمتع بحنكة قانونية واقتصادية مرعبة. هدوؤه في الجلسة لم يكن استسلاماً أو مناورة عابرة، بل كان هدوء استراتيجي محترف يعرف تماماً كيف يمتص الصدمة ليضرب في التوقيت القاتل
الفصل الرابع والأربعون: كبرياءُ الذئب ولعبة الصمت انقضت دقائق الصمت التسع والثلاثون وكأنها دهرٌ كامل داخل القاعة المغلقة. كان العم رولاند يجلس بهدوءٍ ملكي طاغٍ. رجلٌ في بداية خمسينياته، بملامح حادة ونظرة زئبقيه نفاذة، وشعر رمادي ساطع يزيد وجهه الأرستقراطي جاذبية وهيبة. لم تكن تبدو عليه أي من آثار السنين؛ بل كان قوامه الممشوق وبدلته الرمادية المحبوكة بعناية تجعلانه يبدو في أوج قوته ورعايته لنفسه، كذئبٍ لم يفقد بريقه أو حدة مخالبه يوماً. أمسك رولاند بفنجان القهوة، وارتشف منه ببطء متناهٍ، وعيناه النافذتان تتأملان الوثيقة الحمراء المغلقة التي وضعها أدريان أمامه. "تسع وثلاثون دقيقة يا أدريان..." نطق رولاند بصوت هادئ ورصين، يفيض بالجاذبية والوقار: "... مهلة جيدة لإظهار القوة، لكنها تتجاهل حقيقة بسيطة جداً. أنا لم أبقَ في هذه العائلة لخمسة عقود لمجرد أنني أتبع القواعد التي يُمليها الآخرون." اعتدل أدريان في جلسته، واستند بجسده العريض والضخم نحو الطاولة، واضعاً يده القوية فوق يدي الملساء في حركة تفيض بالتملك الشديد وحرارة الحماية المطلقة. ونظر إلى عمه بعينين سوداوين تفيضان بالسيادة والصر
الفصل السابع والأربعون: العاصفةُ الباردةُ خلف الأبواب المغلقة انفتحت الأبواب الخشبية المصنوعة من الجوز الداكن بصريرٍ ثقيل، ثم أُغلقت خلفنا لتُطبق على المكان هدوءاً حاداً ومعزولاً عن العالم الخارجي. كانت القاعة المغلقة في أعلى برج آل فيرّيتي تسودها هيبة أرستقراطية طاعنة؛ جدرانٌ مغطاة بالجلد الفاخر، وطاولة بيضاوية من الرخام الأسود يتوسطها فنجان بورسيلين واحد، ودخانٌ خفيف يتصاعد من أنفاس الصباح البارد الذي يطل عبر زجاج النوافذ الضخمة الممتدة من الأرض إلى السقف. هناك، في الجهة المقابلة للطاولة، كان يجلس العم رولاند. لم يكن يبدو كمتهم، ولا كرجل تُحاصر أصوله في البنوك، بل كان يجلس برصانة الملوك القدامى. يرتدي بدلة رمادية من الصوف النقي، واضعاً يداً واحدة على الطاولة والأخرى تحتضن مقبض عصاه العاجية الفاخرة. ملامحه الحادة وابتسامته الجانبية الباردة تعكس ذكاء ذئبٍ خاض مئات المعارك القضائية والاقتصادية ولم يخرج منها إلا منتصراً. تقدم أدريان بخطواته الثقيلة المحملة بالسيادة، يده القوية تطوق كفي الملساء بتملك وشموخ. سحب لي الكرسي الرئيسي بعناية، ثم جلس بجانبي، ملقياً بجسده الضخم والعريض نحو ا
كان الصباح يسكب ضوءاً فضياً بارداً عبر نوافذ الجناح الملكي العالية، يلقي بظلالٍ متطاولة على الأثاث الكلاسيكي الفاخر. سكونٌ مهيب يسبق العاصفة الدبلوماسية، والجو مشحونٌ بكهرباء خفية تجعل الأنفاس محبوسة في الصدور، وكأن القصر بأكمله يترقب أولى جولات الشطرنج القاتلة. وقفتُ أمام المرآة الكريستالية الضخمة ذات الإطار الذهبي المعتق، أرتدي ثوباً رسمياً من المخمل الأسود الملكي، محبوكاً بياقة أرستقراطية عالية ومستقيمة، تبرز انحناءات قوامي الممتلئ وشموخ عنقي بوقار قاطع. كنتُ أثبّت بتمهل دبوساً يدوياً نادر الصنع من الماس والزمرد الأخضر—الرمز القديم لسلطة عائلة أمي وإمبراطورية "إليانور"—ولكن يدي الملساء ارتجفت لكسرٍ من الثانية؛ ليس خوفاً أو تردد، بل من فرط الجاهزية والترقب الحار لخوض هذه الحرب الباردة ضد رجل يحفظ قوانين اللعبة ومداخلها. في تلك اللحظة، ظهر انعكاس أدريان في عمق المرآة. كان يبدو كإلهٍ للسيطرة والهيبة المطلقة؛ بدلة سوداء مجهزة خصيصاً في ميلانو، قماشها الفاخر يمتص الضوء ليمنحه حضوراً مرعباً ومطرقاً. كانت نظراته السوداء الحادة تثقب الانعكاس، وخطواته الثقيلة والموزونة على السجاد العجمي
الفصل الثاني والأربعون: شطرنجُ العقول والأرقام كانت عقارب الساعة الرخامية الضخمة على حائط المكتب العتيق تعلن دخول منتصف الليل. الهدوء الذي يخيم على البرج الرئيسي لـ آل فيرّيتي كان هدوءاً خادعاً؛ فالأوراق الممتدة على الطاولة الخشبية المصنوعة من الجوز الداكن لم تكن مجرد مستندات مالية عادية، بل كانت خريطة معقدة لـ "حصار اقتصادي بارد" نعدّه بحذر شديد. جلس أدريان خلف مكتبه الفاخر، ملتفاً بهيبته السيادية الساطعة. كان قد حلّ الأزرار العلوية لقميصه الأبيض وشمر أكمامه بنعومة أظهرت عروق ساعديه القويتين والتفاصيل الحادة لملامحه. كنتُ أقف بجانبه، أحمل مكبراً زجاجياً صغيراً وأتتبع الحواشي المكتوبة بخط اليد على هوامش التقارير المالية القديمة للشركة. "رولاند لا يحارب بالعضلات ولا بالرصاص يا فاليريا..." قال أدريان بصوت خفيض ورصين، ونظراته الحادة تتفحص الرسم البياني لحركة أسهم الشركة في البورصة: "... إنه رجل قانون واقتصاد متمرس. يحارب بالثغرات التشريعية الملتوية، وبالبند 'رقم 14' المنسي في عقد تأسيس مجموعة آل فيرّيتي." اقتربتُ منه أكثر، وتسللت يدي الملساء والدافئة لتضع القلم الذهبي على نقطة معينة
الفصل الحادي والأربعون: حوارُ الذئاب على طاولة الشطرنج ساد القاعة سكونٌ ثقيل. كانت خيوط الشمس الغاربة تعكس بريقاً دمائياً على الطاولة الرخامية الفاخرة لبرج آل فيرّيتي. لم يهرب العم رولاند، ولم يطلب مغادرة القاعة فوراً... بل شبّك أصابعه فوق الطاولة برصانة، وانحنى بجسده ببطء نحو الأمام. ارتسمت على شفتيه الرفيعتين ابتسامة جانبية باردة كالموت، وعيناه الزئبقيتان تتألقان بالدهاء والهدوء المطلق. "جرعات مورفين متزايدة وثغرات أرشيفية؟" نطق رولاند بصوت خفيض يفيض بالثقة الهادئة: "فاليريا العزيزة... أدريان يا بني... الاتهامات العاطفية سهلة الصياغة، لكن ألا تعتقدان أن منطق اللعبة أكبر بكثير من مجرد التكهنات؟" تصلب جسد أدريان بجانبي كتمثال من الصلب. ضغطت يده القوية على انحناءة خصري بتملك وحماية حارقة، وتقدم خطوة واحدة ليلقي بظله الضخم على نصف الطاولة، ونظر في عيني عمه بنبرة سيادية قاطعة: "اللعبة لم تبدأ بعد يا عمي..." قال أدريان بنبرة حادة كالمشرط: "... والمنطق الذي تتحدث عنه ينهار عندما نبدأ بنبش الحسابات الموازية التي تحولها شهرياً باسم المصحة نفسها. رجل مثلك لا يدفع مبالغ ضخمة لمؤسسة







