LOGINالفصل السادس: خلف الزجاج
كانت شركة "بليك" مختلفة تمامًا عن القصر. القصر كان هادئًا، محافظًا، مليئًا بالتفاصيل التي توحي بتاريخ طويل. أما مقر الشركة فكان كل شيء فيه حديثًا. زجاج، معدن، شاشات، وموظفون يتحركون بسرعة دون أن يبدو أحد منهم مستعجلًا. المبنى كان مرتفعًا بما يكفي لأرى لندن من خلف الواجهات الزجاجية. وقفت للحظة أمام المدخل. "شركة بليك للاستثمارات." قرأت الاسم المكتوب على الجدار الداخلي. ثم دخلت. لم يكن هناك شيء ملفت بشكل مبالغ فيه. وهذا بالضبط ما لفت انتباهي. المال الحقيقي لا يحتاج إلى الصراخ. قادني "إيثان" إلى المصعد الخاص. ضغط الطابق الأخير. ثم قال: "السيد بليك في اجتماع." "مع الأشخاص الذين من الماضي؟" نظر إليّ. توقعت منه أن يسألني كيف عرفت. لكنه اكتفى بالقول: "نعم." لم أعلّق. وصل المصعد. فتح الباب على طابق واسع، هادئ، لا يدخل إليه إلا عدد قليل من الموظفين. قادني "إيثان" إلى مكتب جانبي. "يمكنك الانتظار هنا." نظرت إلى الباب الزجاجي المقابل. كان مكتب "أدريان". "كم سيستغرق الاجتماع؟" "لا أعرف." ثم غادر. جلست. لم أكن من النوع الذي يعبث بهاتفه لمجرد قتل الوقت. أخرجت دفتري بدلًا من ذلك. كتبت: شركة بليك — الطابق التنفيذي. ثم توقفت. لم أكتب شيئًا آخر. لم أكن أريد أن أحوّل كل ملاحظة إلى استنتاج. هذه عادة سيئة. كنت أعرفها جيدًا. فتحت هاتفي وبدأت أراجع بعض المعلومات عن الشركات التابعة لمجموعة بليك. بعد عشر دقائق تقريبًا، سمعت أصواتًا خلف الباب. رفعت رأسي. ثلاثة رجال خرجوا من مكتب "أدريان". أحدهم كان كبيرًا في السن، يرتدي بدلة رمادية. مر بجانبي دون أن ينظر إليّ. الثاني كان أصغر سنًا. أما الثالث... فتوقفت عيناي عليه لثانية. ليس لأنني أعرفه. بل لأنني رأيت ذلك الاسم من قبل. توماس غراي. اسم ظهر في أحد الملفات القديمة المرتبطة بشركة والدي. رفعت عيني إليه مرة أخرى. كان يتحدث مع "إيثان"، ثم غادر. لم أتحرك. لم أسأل. فقط أغلقت دفتري. الماضي لا يحتاج دائمًا إلى أن يطرق الباب. أحيانًا يمر أمامك في ممر شركة. --- بعد دقائق، دخل "أدريان". كان يحمل ملفًا أسود. نظر إليّ. "انتظرتِ طويلًا؟" "لا." وضع الملف على مكتبه. "جيد." جلست في المقعد المقابل له. "من كان الرجل الذي خرج قبل قليل؟" توقفت يده للحظة. ثم رفع عينيه إليّ. "أي رجل؟" كدت أبتسم. ليس لأنه كذب. بل لأنه اختار الإجابة بدل السؤال. قلت: "توماس غراي." ظل ينظر إليّ. "هل تعرفينه؟" هنا كان الاختبار. كان بإمكاني أن أقول نعم. لكن ذلك سيفتح أسئلة لا أريدها. قلت: "لا." ثم أضفت بهدوء: "سمعت اسمه فقط." لم يتغير وجهه. "حسنًا." هذا كل شيء. لم يسأل أين سمعت الاسم. ولم يسأل لماذا اهتممت. نهض. "تعالي." وقفت. خرجنا من المكتب معًا. في الطريق، كان الموظفون يلقون التحية على "أدريان"، وكان يرد عليهم بشكل طبيعي. لم يكن باردًا معهم. لم يكن متعاليًا. كان يعرف أسماء بعضهم، ويسأل أحدهم عن والدته المريضة، ويوقف آخر ليسأله عن مشروع كان يعمل عليه. لاحظت ذلك دون تعليق. الصورة التي رسمتها له في رأسي كانت مختلفة قليلًا. كنت أتوقع رجلًا يختبئ خلف سلطته. لكنه لم يكن كذلك. كان يعرف كيف يستخدمها دون أن يستعرضها. وصلنا إلى غرفة اجتماعات زجاجية. قال: "هذا هو القسم الذي يدير الاستثمارات الدولية." نظرت إلى الداخل. عدة أشخاص كانوا ينتظرون. "ولماذا أحضرتني؟" "لأنك زوجتي." أجبته بنظرة جانبية. "سبب مقنع جدًا." نظر إليّ. "وأيضًا لأن عليك أن تتعلمي كيف يعمل هذا العالم." "أي عالم؟" "العالم الذي دخلته عندما أصبحتِ كلارا بليك." توقفت. كان استخدامه لاسم العائلة مقصودًا. ربما مجرد تذكير. وربما أكثر. قلت: "لم أنسَ." فتح الباب. "جيد." دخلنا. --- مر الاجتماع دون أحداث كبيرة. أرقام. مشاريع. استثمارات. أسماء شركات لم أسمع بها من قبل. لكنني كنت أراقب أكثر مما أستمع. طريقة "أدريان" في التعامل مع الآخرين كانت دقيقة. لا يرفع صوته. لا يقاطع أحدًا بلا سبب. ولا يسمح لأحد بتجاوز نقطة معينة. وفي منتصف الاجتماع، اعترض أحد المديرين على قرار اتخذه. استمع إليه حتى النهاية. ثم قال: "قد تكون محقًا." رفع الرجل حاجبه. أكمل "أدريان": "لكن الأرقام لا تتفق معك." ثم عرض البيانات. انتهى النقاش. بهدوء. دون إهانة. دون استعراض. سجلت الملاحظة في ذهني. هذا الرجل لم يكن مجرد وريث. كان جيدًا فيما يفعله. وربما أفضل مما كنت أريد له أن يكون. بعد الاجتماع، خرج الجميع. بقيت معه للحظات. قال: "كيف وجدتِ الأمر؟" "ممل." نظر إليّ. "حقًا؟" "أنت تجعل الاجتماعات تبدو كأنها جنازات." لأول مرة، ظهر شيء قريب من الابتسامة على وجهه. خفيف جدًا. واختفى بسرعة. "وأنتِ تجعلين كل شيء يبدو كأنه لعبة." رفعت حاجبي. "ربما لأنني لا أحب الخسارة." نظر إليّ لثانية أطول من المعتاد. ثم قال: "لاحظت." لم أفهم إن كان يقصد كلامي فقط. ولم أسأله. --- في طريق العودة، جلست بجانب النافذة. لندن تمر أمامي بسرعة. المباني. السيارات. الناس. كل شيء يتحرك. أما أنا فكنت أفكر في اسم واحد. توماس غراي. لماذا كان في اجتماع مع "أدريان"؟ وما علاقته بشركة والدي القديمة؟ أخرجت هاتفي وفتحت ملفي. بحثت عن الاسم. ظهر سجل قديم. توقفت. لم يكن الاسم غريبًا. كان "توماس غراي" أحد المستشارين الماليين الذين ظهروا في الفترة التي بدأت فيها مشاكل شركة أبي. شعرت بشيء يضيق في صدري. لكنني أغلقت الملف. لا. ليس بعد. قد يكون الشخص نفسه. وقد لا يكون. والتشابه في الأسماء ليس دليلًا. كنت أعرف ذلك أكثر من غيري. أغلقت الهاتف. نظرت إلى "أدريان". كان ينظر من النافذة الأخرى. هادئًا. وكأنه لا يحمل أي أسرار. ثم قال فجأة: "أنتِ تفكرين كثيرًا." التفت إليه. "وأنت تراقب كثيرًا." نظر إليّ. "ربما." عاد الصمت. لكن هذه المرة لم أشعر أنه صمت فارغ. كان أشبه بمباراة لم يعلن أي منا بدايتها. وصلنا إلى القصر بعد الغروب. وقبل أن أدخل، رأيت سيارة سوداء تغادر البوابة. لم أرَ صاحبها. لكنني لمحت لوحة السيارة. توقفت. كان الرقم مألوفًا. مألوفًا جدًا. نظرت إلى "أدريان". لكنه كان قد دخل بالفعل. بقيت وحدي عند المدخل. ثم نظرت إلى السيارة وهي تختفي خلف الأشجار. شيء ما في هذا المكان كان يعيد لي الماضي قطعة قطعة. والمشكلة... أنني لم أعد متأكدة إن كنت أنا من يبحث عنه. أم أنه هو الذي بدأ يجدني.الفصل السابع عشر: ما وراء البابفتحت "كلارا" عينيها على ضوء الصباح المتسلل من بين الستائر، وبقيت مستلقية للحظات قبل أن تتذكر سبب وجودها في هذا الوضع بالذات.أدارت رأسها نحو الأريكة.كان "أدريان" لا يزال نائمًا عليها، مستلقيًا على جانبه، وإحدى ذراعيه تحت رأسه. بدا هادئًا على نحو مستفز، وكأن النوم على أريكة لا تكاد تتسع لشخص واحد قرار منطقي تمامًا، لا اختيارًا اتخذه رجل يملك نصف الأثاث الفاخر الذي يمكن أن يحلم به المرء.تأملته لثوانٍ، ثم سحبت الغطاء عنها ونهضت.رائع. يبدو أن المال لا يشتري الحكمة، ولا حتى مرتبة مريحة.دخلت الحمام، وحين خرجت كانت قد ارتدت ملابسها ورتبت شعرها. توقعت أن تجده قد استيقظ، لكنها فوجئت به يفتح عينيه في اللحظة التي اتجهت فيها نحو الباب.رفع رأسه قليلًا، ثم نظر إلى الساعة.«صباح الخير.»«صباح الخير.»نهض وجلس على طرف الأريكة، يفرك وجهه بيده قبل أن يمرر أصابعه في شعره. لم يبدُ عليه أي انزعاج من نومه، ولم يشر إلى ما حدث في الليلة الماضية، وكأنهما لم يتبادلا حديثًا طويلًا عن
الفصل السادس عشر: حدود العقد لم يتحرك "أدريان" نحو الباب.بدلًا من ذلك، اتجه نحوها بخطوات هادئة، حتى لم تعد المسافة بينهما تتسع إلا لأنفاس قليلة.تراجعت "كلارا" بظهرها إلى حافة الطاولة، رافعةً ذقنها قليلًا كي لا تمنحه متعة رؤية ارتباكها. كان قريبًا بما يكفي لتلمح انعكاس صورتها في عينيه، ولتسمع انتظام أنفاسه وسط صمت الغرفة.انحنى نحوها، وأخذ يتفحص وجهها بدقة أربكتها أكثر مما أرادت الاعتراف به. لم تكن نظرته فضولًا عابرًا؛ كانت أشبه بمحاولة قراءة شيء مخفي خلف ملامحها، حتى خُيّل إليها أنه لا ينظر إلى وجهها، بل يحاول النفاذ إلى ما تحته.وماذا لو اقترب أكثر؟لم تكن تخشى قربه بقدر ما كانت تكره المواقف التي لا تستطيع التحكم في نتائجها.إن رفضته، فقد يبتعد وينتهي الأمر عند هذا الحد، وقد يصرّ على موقفه ويحوّل زواجهما إلى عقبة لم تحسب حسابها. وفي الحالتين، لن يخدم ذلك خطتها.لكنها لم تكن تعرف ما الذي يريده فعلًا.لنرَ ما الذي سيفعله.قد تشك في دوافعه، وقد تخطئ في تفسير صمته، لكنها كانت واثقة من أمر واحد
الفصل الخامس عشر: مساحة خاصة عاد الهدوء إلى القصر تدريجيًا بعد يوم طويل في لندن. وفي أثناء العشاء، جلست "كلارا" قبالة "ريتشارد"، بينما انشغل "أدريان" بتفقد بعض الرسائل على هاتفه. رفع "ريتشارد" نظره إليها. — هل اتخذتِ قراركِ بشأن المشروع البحثي؟ وضعت "كلارا" أدوات الطعام جانبًا. — ليس بعد. أحتاج إلى مراجعة الملفات أولًا، ثم سأقرر إن كان يستحق وقتي. أومأ "ريتشارد" بهدوء. — جيد. لا فائدة من اتخاذ قرار قبل أن تتضح الصورة كاملة. ثم عاد إلى طعامه دون أن يضغط عليها بأسئلة أخرى. بعد لحظة، قالت "كلارا": — أحتاج أيضًا إلى مكتب خاص أستطيع العمل فيه دون مقاطعات. — طلب منطقي. سأطلب منهم تجهيز مكان مناسب لكِ. — شكرًا. لم تضف شيئًا، ولم يحاول هو معرفة تفاصيل خططها. في صباح اليوم التالي، وجدت "كلارا" حركة غير معتادة قرب المكتبة الخاصة. كان بعض العاملين ينقلون الصناديق ويوصلون الأجهزة إلى الجناح المجاور. توقف "أدريان" خلفها، مستعدًا للخروج. — صباح الخير. أرى أنكِ وجدتِ مكتبكِ. التفتت إليه وهي تتأمل الحركة حولها. — للحظة، حسبت أن الرومان دخلوا علينا. نظر إلى العمال
### الفصل الرابع عشر: ما لا يمحوه الضوءفي الطابق العلوي من مبنى الأبحاث، كان البروفيسور "أليستر كرو" يراجع مجموعة من الأوراق حين طرق الدكتور "دانيال موريس" الباب ودخل، حاملًا ملف الاجتماع.— انتهى اللقاء، كما طلبت. الدكتورة "بينيت" تريد الاطلاع على البروتوكولات كاملة قبل اتخاذ قرارها.لم يرفع "كرو" عينيه عن الورقة.— جيد. أرسلها إليها كاملة.تردد "دانيال" قليلًا قبل أن يسأل:— هل تعرفها من قبل، سيدي؟رفع البروفيسور نظره إليه أخيرًا.— لماذا تسأل؟— لأنك طلبت أن تُمنح كل التفاصيل، حتى تلك التي لا نشاركها عادةً مع المرشحين قبل توقيعهم. كما أنك قرأت أطروحتها بنفسك، وأصررت على حضورها هذا الاجتماع. ظننت أن هناك سببًا آخر.أغلق "كرو" الملف أمامه، ثم شبك أصابعه فوق المكتب.— وهل تحتاج إلى سبب آخر كي تنفذ ما أطلبه؟— لا، بالطبع. لكنني لم أعتد اهتمامك الشخصي بمرشح لم تقابله من قبل.ظل البروفيسور ينظر إليه لحظات، ثم قال:— أنت تعرف ما يكفي عن عملها لتدرك أنها ليست مرش
الفصل الثالث عشر: صفقة وغائبكان الدكتور "دانيال موريس" ينتظرهما عند مدخل القاعة المخصصة للاجتماعات البحثية. صافح "كلارا" أولًا، ثم التفت إلى "أدريان" بابتسامة مهنية.— سيد "بليك"، يسعدني لقاؤك مجددًا. سمعت أنكم أنهيتم صفقة مجموعة "هاريسون" أسرع مما توقع الجميع.صافحه "أدريان" بهدوء.— كانت النقاط الأساسية واضحة. احتجنا فقط إلى الاتفاق على طريقة التنفيذ.— وهذا أصعب جزء عادةً.— حين يعرف الطرفان ما يريدانه، يصبح الأمر أقل تعقيدًا.قادَهما "دانيال" إلى الداخل، حيث جلس الثلاثة حول طاولة تتوسطها مجموعة من الملفات. بدأ يشرح تفاصيل العرض البحثي المقدم إلى "كلارا"، موضحًا أن المشروع يركز على الوظائف التنفيذية واتخاذ القرار تحت الضغط، مع دراسة الفروق بين الأداء المعرفي الفعلي والطريقة التي يفسر بها الأفراد قراراتهم.تصفحت "كلارا" الوثائق باهتمام.— هل ستعتمد الدراسة على البيانات التجريبية السابقة فقط، أم ستشمل حالات جديدة؟— سنستخدم النوعين. نريد توسيع نطاق التحليل، خصوصًا في ما يتعلق بالذاكرة العامل
الفصل الثاني عشر: لم تكن هارفارد أقل ازدحامًا مما توقعت "كلارا بينيت". تحرك الطلاب والباحثون بين المباني العريقة، وتوزعت الأحاديث بلغات مختلفة في الممرات، فيما اختلطت خطوات الزوار بأصوات النقاشات التي لم تتوقف حتى في الساحات الخارجية. أشارت اللافتات المعلقة إلى مؤتمر أكاديمي يجمع باحثين من جامعات عدة، بينما اصطف الحضور أمام طاولات التسجيل، يحملون ملفاتهم وأكواب القهوة ويبدون كأنهم يتسابقون مع الوقت. سارت "كلارا" إلى جانب "أدريان بليك"، مرتدية بدلة بلون عاجي هادئ، بقصّة دقيقة أبرزت أناقتها دون مبالغة. حملت حقيبتها الجلدية الصغيرة بيد، بينما كانت تراجع جدول اللقاءات في هاتفها باليد الأخرى. أما "أدريان"، فكان يسير بجانبها ببدلته الداكنة المعتادة، ويداه في جيبي سرواله. لم يكن بحاجة إلى بذل جهد كي يلفت الانتباه؛ يكفي أن يمر حتى تلتفت إليه بعض الوجوه، ثم تتظاهر صاحباتها بأنهن لم يفعلن. قال وهو ينظر إلى هاتفها: — هل ستقرئين الجدول كاملًا قبل أن نصل، أم ستمنحينني فرصة لمعرفة سبب وجودي هنا؟ رفعت عينيها إليه. — ظننت أنك جئت لدعمي. — هذا ما قيل لي. — ومن قال لك ذلك؟ — زوجتي.







