Se connecterبعد عشرين عامًا هي رواية خيال علمي وتشويق تدور أحداثها في عالم تغيّر إلى الأبد بعد حرب عالمية مدمرة. بعد مرور عقدين على سقوط الحضارة، لم يعد العالم كما كان؛ مدن مدمرة، وتقنيات منسية، وأسرار دفنتها الحكومات تحت أنقاض الماضي. يتبع القارئ رحلة إلياس، الشاب الذي يعيش في واحدة من آخر المدن المحصنة، حيث يقوده اكتشاف رسالة غامضة إلى مغامرة خطيرة تكشف أن الحرب لم تكن سوى بداية لخطة أكبر أخفيت عن البشرية. وبين الأطلال، يواجه فصائل غامضة، ومختبرات مهجورة، وأسرارًا قد تعيد بناء العالم... أو تقضي على آخر ما تبقى منه.
Voir plusلم تنتهِ الحرب عندما سقط آخر صاروخ... بل بدأت حينها.
مرّ عشرون عامًا على الحرب العالمية التي غيّرت وجه الأرض. لم تعد الدول المتقدمة كما عرفها التاريخ؛ اختفت ناطحات السحاب خلف غابات من الخرسانة المتشققة، وتحولت المدن الذكية إلى هياكل صامتة تكسوها النباتات البرية. في البداية، ظنّ الجميع أن إعادة الإعمار لن تستغرق سوى سنوات قليلة، لكن الحقيقة كانت أقسى بكثير. فقد انهارت شبكات الكهرباء، وتلوثت الأنهار، واختفى الإنترنت الذي كان يربط العالم، وأصبحت المعرفة القديمة مجرد ملفات مفقودة في خوادم محترقة. ولدت أجيال كاملة لم ترَ قط مدينة مضاءة ليلًا، ولم تعرف السيارات ذاتية القيادة ولا الطائرات المدنية. كانوا يسمعون عنها كما يسمع الأطفال اليوم عن الأساطير. أما من نجوا من الحرب، فقد حملوا في قلوبهم ندوبًا لا يراها أحد. في شمال أوروبا، كانت مدينة "نوفا" واحدة من آخر المدن المحصنة التي حافظت على شيء من التكنولوجيا. يعيش أهلها خلف جدار فولاذي ضخم، بينما يمتد خارج الأسوار عالمٌ قاسٍ تحكمه المجاعة والعصابات والمرتزقة. هناك، كان الشاب "إلياس"، في الثانية والعشرين من عمره، يعمل مستكشفًا يجوب أطلال المدن القديمة بحثًا عن البطاريات والرقائق الإلكترونية والكتب، لأن المعرفة أصبحت أثمن من الذهب. وفي إحدى رحلاته، عثر داخل محطة أبحاث مدفونة تحت الأرض على تسجيل قديم يحمل رسالة لم تُفتح منذ عشرين عامًا... كانت الرسالة تبدأ بجملة واحدة: "إذا كنت تسمع هذا الآن... فهذا يعني أننا فشلنا في إنقاذ العالم." ومنذ تلك اللحظة، أدرك إلياس أن الحقيقة التي عاش عليها طوال حياته لم تكن سوى جزء صغير من القصة، وأن الحرب لم تكن النهاية... بل كانت بداية سرّ أخفته الحكومات عن جميع الناجين. وهكذا بدأت رحلته عبر قارات مدمرة، ومدن مهجورة، وقوى جديدة نشأت فوق أنقاض الحضارة، بحثًا عن الحقيقة التي قد تعيد بناء العالم... أو تقضي على ما تبقى منه. لم يكن الصمت في الأنفاق طبيعيًا... كان صمتًا له وزن، كأنه يراقب كل خطوة يخطوها إلياس. أغلق جهاز التسجيل ووضعه داخل حقيبته بعناية. بقيت الجملة الأخيرة تتردد في رأسه كأنها لم تُسجل قبل عشرين عامًا، بل قيلت منذ لحظات. "إذا كنت تسمع هذا الآن... فهذا يعني أننا فشلنا في إنقاذ العالم." نظر حوله. جدران المختبر كانت مغطاة بطبقة سميكة من الغبار، وأجهزة الحاسوب تحولت إلى كتل صدئة، لكن شيئًا واحدًا لم يكن منطقيًا... ضوء أخضر صغير. كان يومض ببطء في نهاية الممر. تجمد مكانه. كيف يمكن لجهاز أن يعمل بعد عشرين عامًا؟ اقترب بحذر، ويده تستقر على مقبض السكين المعلق بحزامه. كل خطوة كانت تصدر صدىً طويلًا، حتى شعر أن الصدى لا يعود إليه وحده... بل إلى شخص آخر. توقف. الصدى استمر. رفَع المصباح بسرعة نحو الممر. لا أحد. لكن... كانت هناك آثار أقدام حديثة فوق الغبار. ليست آثار حذائه. شخص ما مر من هنا قبل ساعات. ابتلع ريقه بصعوبة. لطالما أخبرتهم مدينة نوفا أن هذه المنطقة مهجورة منذ عقود، وأن لا أحد يمكنه النجاة خارج الأسوار. إذاً... لمن هذه الآثار؟ تابعها حتى وصلت إلى باب فولاذي ضخم، كُتبت عليه بحروف باهتة: المستوى السابع – الدخول محظور. مد يده نحو لوحة التحكم. لا شيء. الجهاز ميت. لكن قبل أن يسحب يده، دوّى صوت معدني خافت من داخل الباب. ...طرقة واحدة. ثم ثانية. ثم ساد الصمت. شعر بقشعريرة تسري في جسده. هل يوجد أحد في الداخل؟ أم أن الزمن نفسه يلعب بعقله؟ وفي اللحظة التي همّ فيها بالابتعاد... اشتعل الضوء الأخضر فجأة. اهتز الباب الفولاذي ببطء، واندفع هواء بارد لم يشبه هواء الأرض. كان يحمل رائحة غريبة... ليست رائحة صدأ. ولا موت. بل رائحة مطر. مطر لم يهطل على هذه المدينة منذ سنوات طويلة. فتح الباب بضعة سنتيمترات فقط، وظهر خلفه ممر مضاء بالكامل، نظيف كأنه استُخدم بالأمس. لا غبار. لا خراب. ولا أثر لعشرين عامًا من الدمار. سمع صوتًا ناعمًا يخرج من مكبرات مخفية في السقف: "مرحبًا... أيها الدكتور أندرسون." تسمرت قدما إلياس. لم يكن اسمه أندرسون. ولم يسبق له أن دخل هذا المكان. فكيف تعرّف عليه النظام؟ وقبل أن يتمكن من التراجع، انغلقت البوابة خلفه بقوة، وانطفأت جميع الأضواء للحظة. وعندما عادت... كانت آثار الأقدام التي قادته إلى هنا قد اختفت تمامًا. كأن الشخص الذي سبقَه... لم يكن موجودًا من الأساس.قبل أن يصبح اسم فيكتور فولكوف مرادفًا للخوف...كان مجرد شاب يحلم بحياة هادئة.ولد قبل الحرب بسنوات في مدينة متقدمة، اشتهرت بجامعاتها ومختبراتها وأسواقها المزدحمة. كان يعيش مع والده، وهو رجل إطفاء لا يعرف الخوف، ووالدته، وهي طبيبة تعالج الفقراء دون أن تطلب منهم مقابلًا.أما فيكتور...فلم يكن يشبه زعيم مافيا.كان هادئًا، قليل الكلام، يعشق لعبة الشطرنج أكثر من أي شيء آخر. كان يقضي ساعات طويلة يدرس تحركات القطع، ويؤمن أن المعركة تُحسم بالعقل قبل أن تبدأ.كان والده يقول له دائمًا:"أقوى الرجال ليس من يهزم خصمه... بل من يمنع الحرب قبل أن تبدأ."وكان فيكتور يبتسم كلما سمع تلك الجملة.في الثالثة والعشرين من عمره، أصبح محللًا أمنيًا في إحدى الشركات التقنية الكبرى. كانت مهمته حماية قواعد البيانات والتنبؤ بالهجمات الإلكترونية.لم يحمل سلاحًا يومًا.ولم يشارك في قتال.وكان يظن أن الذكاء وحده قادر على حماية العالم.لكن الحرب جاءت...ولم تستأذن أحدًا.في الليلة الأولى للقصف، خرج والده لإنقاذ عائلة محاصرة تحت الأنقاض.ولم يعد.أما والدته...فبقيت في المستشفى تعالج المصابين حتى اللحظة الأخيرة.وعندما
"إذن... رافين تبحث عن الشيء نفسه."ثم أغلق الملف.وأصدر أمرًا جديدًا:"ابدؤوا الحرب."خلال أيام قليلة...اشتعلت المدن المهجورة.كل حي أصبح تابعًا لعصابة.كل طريق صار يحتاج إلى إذن للعبور.التحالفات تتغير كل ليلة.والخيانة أصبحت تجارة مربحة.أما المدنيون...فكانوا يدفعون الثمن.وفي الجانب الآخر من العالم...لم يكن إلياس يعرف شيئًا عن كل ذلك.كان هو ورفاقه يجلسون فوق تل مرتفع يشاهدون شروق الشمس.أشعل ريان النار ليعد الإفطار.أما ميرا...فكانت تحاول إصلاح جهاز قديم، لكنها انفجرت ضاحكة عندما قفز منه شرر صغير وأحرق خصلة من شعرها.قال ريان ساخرًا:"أظن أن الجهاز انتقم منك."ضحكت ليلى حتى دمعت عيناها.أما سامر، فكان يقرأ بصوت مرتفع قصة قديمة عن أناس أعادوا بناء مدينة بالحجارة، لا بالسلاح.جلس إلياس يستمع إليهم.وللمرة الأولى منذ غادر نوفا...شعر أنه لم يعد وحيدًا.لم يكن يملك جيشًا.ولا نفوذًا.ولا ثروة.لكنه كان يملك شيئًا لم تدرك العصابات قيمته.رفاقًا يثقون به.قال سامر وهو ينظر إلى الأفق:"أتعرفون ما الذي أبقى البشر أحياء بعد الحرب؟"أجاب ريان ضاحكًا:"الطعام المعلب."ضحكت ميرا وصفق إليا
يعرف أن أحدًا سيموت.دخل أحد رجاله مسرعًا.ـ "سيدي... هناك أخبار من الشمال."رفع فيكتور فنجان القهوة بهدوء."تكلم."ـ "أحد المستكشفين فتح منشأة قديمة."ساد الصمت.ثم وضع فيكتور الفنجان ببطء."هل تأكدتم؟"ـ "نعم... إنها تحمل الرمز الأزرق."لأول مرة...تغيرت ملامح فيكتور.همس:"إذن... عاد الوريث."لكن منظمة "الظل الأسود" لم تكن الوحيدة.في شرق القارة...داخل ناطحة سحاب نصفها محطم...عاشت عصابة أخرى تعرف باسم...ذئاب الخرسانة.كان أفرادها لا يثقون بأحد.يرتدون أقنعة معدنية، ويتنقلون على دراجات سريعة بين أنقاض المدن، يهاجمون القوافل ثم يختفون قبل وصول أي نجدة.تقودهم امرأة اشتهرت بلقب...رافين.امرأة طويلة ذات شعر أبيض قصير، وعينين بلون العنبر.كانت مقاتلة لا تُهزم تقريبًا، وتضع على كتفها وشم جناح غراب.لم تكن تهتم بالمال.كانت تبحث عن شيء واحد فقط...الحقيقة التي أخفتها الحرب.ولهذا كانت ترفض العمل مع أي مافيا.وفي أقصى الجنوب...وسط الغابات الكثيفة...ظهرت جماعة ثالثة.لم يطلقوا على أنفسهم اسم عصابة.بل...حماة الرماد.كانوا يعيشون في حصن حجري قديم، ويرتدون عباءات رمادية، ويجمعون الكتب
ضحكت ليلى وهي ترسم ملامح المباني المنهارة في دفترها.حتى إلياس ابتسم.كانت تلك اللحظات القصيرة من الضحك تمنحهم شعورًا بأن الحياة ما زالت تقاوم.بعد ساعات من البحث، توقف المفتاح الأزرق عن الوميض.أصبح يضيء باستمرار.نظر إلياس إلى الأرض.لم يكن هناك شيء سوى ساحة واسعة مليئة بالخرسانة المحطمة.ركع على ركبتيه وأزاح الغبار بيديه.ثم تجمد.ظهرت تحت التراب قطعة معدنية ناعمة، لا أثر للصدأ عليها.نادَى الجميع.بدأوا يزيلون الأنقاض بحذر.كلما رفعوا قطعة إسمنت، ظهر جزء آخر من بناء ضخم مدفون بالكامل.قالت ميرا وهي تطرق المعدن:"هذا ليس فولاذًا... لم أرَ مادة كهذه من قبل."وبعد ساعات من العمل...ظهر أمامهم باب دائري هائل، يبلغ ارتفاعه أكثر من عشرة أمتار.في منتصفه كان الرمز ذاته الذي رآه إلياس داخل المختبر.وإلى جانبه كلمات منقوشة:"المدينة الثالثة - أوريس."ساد الصمت.قال سامر بصوت خافت:"لم أقرأ هذا الاسم في أي كتاب..."حاول ريان دفع الباب.لم يتحرك.أخرجت ميرا أدواتها، وبدأت تفحص لوحة التحكم.لكنها لم تجد أزرارًا أو مقابض.اقترب إلياس دون أن يتكلم.رفع المفتاح الأزرق...وما إن اقترب من الباب حت