LOGINتجمدت ملامح ليلي، واشتعل وجه ماجد من الإهانة، لكن أيًّا منهما لم يجد الكلمات المناسبة للرد. لم يعتادا أن يتحدث إليهما أحد بهذه الطريقة، ولم يسبق أن رأيا إيلين في هذه الهيئة؛ فتاة لا تبحث عن رضا أحد، ولا تخشى غضب أحد، ولا تبدو مستعدة للتراجع لمجرد أن من يقف أمامها ينتمي إلى عائلة الداغر. كانت نظراتها وحدها كافية لتجعلهما يترددان قبل أن يتفوها بكلمة، وكأن الصورة القديمة التي احتفظا بها عنها قد تحطمت فجأة، ولم يبقَ أمامهما سوى شخص لا يعرفان كيف يتعاملان معه.استغلت إيلين صمتهما لتوجه إليهما تحذيرها الأخير، فقالت بوضوح لا يحتمل التأويل: "سأمنحكما فرصة واحدة لتفهما ما أقوله. إذا سمعتكما تهينان والديّ مرة أخرى، فلن أكون أنا من يحاسبكما، لا أحتاج إلى ذلك. سأخبرك فقط بما سيحدث مرة أخرى. لن أحاسبك أنا، ولن أضطر إلى الدخول في جدال معك أو إهدار وقتي في إثبات أنك تجاوزت حدودك، بل سأجعل الجد حازم يتولى الأمر بنفسه. وحينها لن ينفعكما أن تبررا ما فعلتماه، ولن أحتاج إلى التدخل حتى. هو سيقرر كيف يتعامل معكما، وأنتما تعرفان جيدًا أنه لا يتسامح مع من يتجاوز الحدود التي يضعها."ما إ
جذب الصوت انتباه عدد من الطلاب القريبين، فالتفت بعضهم نحوهم، وتوقف آخرون للحظات محاولين معرفة سبب التوتر الذي نشأ عند مدخل المبنى. لم يتجمعوا حولهم، ولم يعرف معظمهم تفاصيل ما حدث، لكن صوت الصفعة وحده كان كافيًا لجعل بعض الوجوه تلتفت باستغراب. أما إيلين، فلم تمنحهم أي اهتمام، وظلت عيناها مثبتتين على ليلي التي كان الغضب والذهول يتنازعان ملامحها.لم تنتظر إيلين أن تكمل تهديدها، فحولت عيناها على وجه ماجد الذي كان يحدق فيها بذهول تحول سريعًا إلى غضب أعمى، اندفع ماجد خطوة نحو إيلين، وقد احمر وجهه حتى بدا كأنه على وشك الانفجار، ثم صاح بصوت منخفض لكنه مشحون بالعداء: "أنتِ لا تعرفين حدودك! أنتِ تتجاوزين كل الحدود كيف تجرئين على ضرب أختي؟ من تظنين نفسك حتى تمدي يدك عليها؟ فتاة بلا أصل ولا سند، لولا أن عائلتنا سمحت لكِ بالاقتراب منها لما استطعتِ حتى أن تقفي في المكان نفسه معها. يبدو أن والديكِ لم يتركا لكِ سوى سوء التربية، فحتى بعد موتهما ما زلتِ تسيئين إلى كل من يقترب منكِ، وكأنهما رحلا وتركَا وراءهما عبئًا لا يعرف أحد كيف يتخلص منه! أنتِ مجرد امرأة خرجت من حياة أخي، ثم ما
فهم آدم مقصدها، وإن لم يرق له أن يسمع تلك الإهانات الموجهة إليها، فبقي مكانه يراقبها، وقد انقبض فكه وهو يحاول كبح رغبته في التدخل.لم تتراجع إيلين خطوة واحدة، بل عقدت ذراعيها أمام صدرها، ثم مررت عينيها على ليلي وماجد من أعلى إلى أسفل ببرود جعل ابتسامة ليلي المتعالية تتجمد للحظة، قبل أن تقول إيلين بهدوء لا يخلو من السخرية: "هل هذه الجامعة ملك لعائلتكم ونحن لا نعلم؟ أم أنكم أصدرتم قانونًا يمنع أي شخص لا يعجبكم من دخولها؟ أم أنكما تعتقدان أن مجرد وجودكما في مكان ما يمنحكما الحق في تحديد من يُسمح له بدخوله ومن ينبغي عليه المغادرة؟"تجمدت ملامح ليلي للحظة، بينما احمر وجه ماجد، الذي لم يتوقع أن تقابله إيلين بهذا القدر من الهدوء والثقة. كان معتادًا على رؤيتها تتجنب المواجهة، أو تصمت عندما يوجه إليها أحد أفراد العائلة كلامًا جارحًا، أما أن تقف أمامه وترد عليه بهذه الطريقة، وكأنها لا تعترف له بأي سلطة عليها، فقد كان أمرًا أثار غضبه أكثر مما أثار دهشته.لم يحتمل أن تقف أمامه بهذه الثقة، بعدما اعتاد منها صمتًا طويلًا كلما أمعن هو أو أخته في التقليل من شأنها. اقترب من
تكن إيلين ترتدي ما يلفت الانتباه على نحو مبالغ فيه، لكن حضورها إلى جوار آدم جعل بعض المارة يلتفتون إليهما، خصوصًا أن آدم كان معروفًا في الأوساط الأكاديمية المرتبطة بالمعلمين، بينما لم يتوقع كثيرون أن يروا إيلين في هذا المكان.أما في الجهة الأخرى من الساحة، فقد كانت ليلي وماجد يستعدان بدورهما لحضور المحاضرات. وقفا بالقرب من إحدى اللوحات الإرشادية، يتفحصان المعلومات المتعلقة بالقاعات والمواعيد، ويتحدثان عن صعوبة الحصول على مقاعد في هذه المحاضرات التي اجتذبت اهتمامًا غير معتاد. كانت ليلي تراجع رسالة التسجيل على هاتفها، بينما كان ماجد يراقب حركة الطلاب عند المدخل، وقد بدا عليه الضيق من الازدحام الذي اضطرهما إلى الوصول مبكرًا لتجنب التأخير.قالت ليلي وهي ترفع هاتفها قليلًا: "لا أصدق أن الجامعة امتلأت بهذه السرعة. ظننت أن الأمر سيقتصر على طلاب التخصصات المرتبطة بالمحاضرات، لكن يبدو أن الجميع يريد الحضور. حتى بعض الذين لا علاقة لهم بهذه المجالات يتحدثون عنها منذ الأمس."أجابها ماجد وهو يضع هاتفه في جيبه: "هذا متوقع، فالأسماء الثلاثة معروفة، والفرصة ليست متاحة كل يوم. لكنني أتمن
حدقت نرمين فيه للحظة، ثم غطت فمها بيدها كي تكتم ضحكتها، وقالت: "إذن لم يكن الأمر مجرد حظ كما كنت سأظن! لقد استخدمت علاقات العائلة للحصول على مقعدين لمحاضرة، بينما كنت أعتقد أنك ستكتفي بمحاولة التسجيل مثلي. لو أخبرتني منذ البداية، لوفرت على نفسي نصف ساعة من التوتر وأنا أراقب عدد المقاعد المتاحة."أجاب نديم وهو ينهض من مقعده: "لو أخبرتكِ منذ البداية، لكنتِ قضيتِ النصف ساعة الأخرى في طرح عشرات الأسئلة عن كيفية ترتيب الأمر. على أي حال، المقعدان جاهزان، ولا أريد أن نضيع الوقت في الحديث عن طريقة الحصول عليهما. إذا أردنا الحضور، فعلينا أن نستعد للمغادرة في الوقت المناسب."نهضت نرمين بحماس، وعدلت طرف سترتها قبل أن تتجه نحو الباب، ثم التفتت إليه وقالت: "إذن، ماذا ننتظر؟ لنذهب قبل أن نواجه مشكلة جديدة في الدخول. لا أريد أن أصل إلى الجامعة وأكتشف أن كل شيء قد تغير، أو أن المحاضرة بدأت قبل أن نصل."ضحك نديم وهو يلحق بها، لكنه لم يخبرها بكل ما يدور في ذهنه. كان يريد أن يرى إيلين بنفسه في بيئة الجامعة، وأن يفهم طبيعة علاقتها بالمحاضرات التي ستُعقد هناك، لكنه لم يكن ينوي تحويل الزيارة
هز يوسف رأسه، ثم ابتسم وهو ينظر إليها بإعجاب لا يخلو من التوجس، وقال: "من حسن حظي أنني أقف بجوار الملكة، وإلا لكنت الآن أحاول معرفة إن كنتُ قطعة في خطتكِ أم مجرد متفرج لا يعرف متى تبدأ المباراة." توقفت إيلين عن ترتيب أوراقها، والتفتت إليه بنظرة ثابتة، ثم قالت: "الملكة لا تستطيع الفوز وحدها، مهما كانت حركتها واسعة. ستحتاج إلى الفارس الذي يستطيع عبور المسارات التي لا تصل إليها القطع الأخرى، وإلى القلعة التي تحفظ الجانب الذي لا يمكن تركه مكشوفًا. وفي النهاية، لا قيمة لأي حركة إذا لم تكن هناك نهاية نعمل من أجلها." ابتسم آدم، وقد فهم المقصود من حديثها أكثر مما أظهر، ثم قال بنبرة هادئة: "الفارس سيكون دائمًا في حماية الملكة، حتى عندما يضطر إلى التحرك في اتجاه لا يفهمه الآخرون." وأضاف يوسف وهو يضع يده فوق صدره في إشارة مبالغ فيها إلى القسم: "والقلعة ستكون الجدار الذي يحمي الجانب المكشوف. لن أسمح لأحد بأن يصل إلى الملكة من الطريق الذي أقف عنده." نظرت إيلين إليهما، وظهرت في عينيها لمحة دفء خالصة، فقد كان حديثهما المشفر أكثر من مجرد لعبة لغوية اعتادوا استخدامها حين لا يريدون الإفصاح عن كل ما
“إيلين؟” توقّف يوسف في مكانه، وعيناه متسعتان بوضوح كأنه غير مصدق لما يراه. “أأنتِ حقًا؟” أومأت بهدوء: “نعم.” تحرّك نحوها بسرعة، لكنه توقّف فجأة قبل أن يقترب أكثر. ملامحه تغيّرت؛ الدهشة لم تختفِ… لكنها تحوّلت إلى شيء أثقل: “متى عدتِ؟” “اليوم.” سكت لحظة… ثم ضحك ضحكة قصيرة لم تكن مريحة: “
لم يكن الصباح مختلفًا في شكله… لكنه كان مختلفًا في معناه. جلست إيلين الشهاب أمام مكتب خشبي أنيق داخل غرفة هادئة، تتوسطها طاولة زجاجية واسعة. أمامها وُضعت عدة أوراق مرتبة بعناية، كل صفحة تحمل بنودًا واضحة، محددة… ونهائية. لم تمد يدها فورًا. فقط نظرت اسمها لم يكن في الأعلى هذه المرة… بل في الأسف
أما آدم، فظل يراقب إيلين فقط.لأنه الوحيد الذي يعرف الحقيقة كاملة.يعرف أن فتاة في الخامسة عشرة من عمرها جلست يومًا داخل غرفة مغلقة… وصممت نظامًا جعل جهات كاملة تعيد بناء أنظمتها الأمنية من الصفر.ويعرف أيضًا أن الدولة نفسها أخفت اسمها عمدًا بعد ذلك.بموجب الاتفاقية السرية واخفاء
لم يكن في العودة من المقابر ما يشبه الرجوع العادي.الطريق نفسه بدا أطول، أو ربما كانت المسافة هذه المرة تُقاس بما تُرك خلفهم لا بما ينتظرهم. جلست إيلين في المقعد الخلفي، ساكنة على نحو لا يُفسَّر بالهدوء، بل بشيء أقرب إلى الحسم. لم تكن تنظر إلى الخارج بقدر ما كانت تنظر إلى الداخل، إلى نقط







