Masukظل حازم الداغر صامتًا لعدة لحظات، وكأنه يبحث عن الكلمات التي يستطيع بها أن يحمل ثقل ما يريد قوله دون أن يظلم الفتاة الجالسة أمامه، طوال حياته اعتاد أن يصدر الأوامر فتُنفذ، وأن يتخذ القرارات فتُحترم، لكن ما كان على وشك أن يطلبه منها الليلة لم يكن قرارًا يملكه، ولا أمرًا يستطيع فرضه. كان يدرك أن أي كلمة ينطق بها الآن قد تغير مستقبلها كله، ولذلك ترك للصمت أن يسبقه، حتى هدأت أنفاسها قليلًا واستعادت شيئًا من قدرتها على التركيز.
رفع عينيه إليها وقال بهدوء: «إيلين... أعرف أن ما سأطلبه منك الآن للم يجد رامي ما يقوله في الحال. كان النقاش قد وصل إلى طريق مسدود، وأصبح الاستمرار فيه لن يؤدي إلا إلى زيادة التوتر وإظهار مدى ضعف موقفه أمام الآخرين. أدرك أن محاولته الدفاع عن أكسيوم تكنولوجي قد تحولت إلى مواجهة لم يكن مستعدًا لها، وأن إصراره على مهاجمة إيلين لم يساعده، بل منح نديم وزين فرصة للتشكيك في موضوعيته. وبعد لحظات من الصمت، نهض من مقعده، وعدّل سترته قبل أن يقول بنبرة متحفظة: "حسنًا، لدي أعمال أخرى عليّ إنجازها، وسأنصرف الآن. يمكننا استكمال هذا النقاش في وقت لاحق، حين تكون الصورة أوضح للجميع."أجابه نديم ببرود مهذب: "شُرِّفنا بوجودك، سيد رامي."لم يعلّق رامي على العبارة، واكتفى بإيماءة مقتضبة قبل أن يغادر المكتب. أُغلق الباب خلفه، وعاد الهدوء إلى المكان، لكن ذلك الهدوء لم يكن مريحًا؛ فقد تركت المواجهة خلفها توترًا لم يختفِ برحيل صاحبها، بل بدا كأنه استقر بين الجدران، منتظرًا اللحظة المناسبة ليظهر من جديد.ظل مراد صامتًا لثوانٍ أخرى، ثم رفع رأسه أخيرًا عن هاتفه. كانت عيناه قد فقدتا شيئًا من الجمود الذي اعتاد الجميع رؤيته فيه، وإن لم يكن واضحًا ما إذا كان
لم ينتظر نديم أن يجيبه أحد، بل نقل نظره إلى رامي، الذي كان لا يزال متجهمًا، وتحدث بنبرة رسمية هادئة خلت من المجاملة: "سيد رامي، أعتقد أن السيد سليم كان محقًا في كل كلمة قالها، بعيدًا عن أي خلافات جانبية. المشكلة ليست في أن لديك تحفظات على شركة بعينها، فهذا حقك ما دمت تستند إلى أسباب مهنية واضحة، وإنما في أنك تسمح لتحيزاتك وضغينتك الشخصية تجاه الآنسة إيلين بالتأثير في تقييمك للأمور. والأمر الأكثر غرابة بالنسبة إليّ أنني لا أعرف حتى الآن سبب هذه الضغينة، ولا أفهم لماذا تصر على التقليل منها في كل مناسبة، حتى عندما لا تكون موجودة لتدافع عن نفسها."تغيرت ملامح رامي على الفور، وانفرجت شفتاه استعدادًا للرد، لكن نديم لم يمنحه الفرصة. رفع يده في إشارة واضحة تطلب منه الانتظار، ثم تابع بصوت أكثر حزمًا: "ولا تقل لي إن السبب هو مراد، لأن لهذا الأمر حدودًا، وأنا لا أعتقد أن صداقتك به تمنحك الحق في تحويل خلافاته الشخصية إلى معيار تحكم به على الآخرين. يمكنك أن تختلف معه، وأن تقف إلى جانبه حين يحتاج إليك، لكن ذلك لا يعني أن تتبنى كل أحكامه، ولا أن تجعل كراهيته القديمة للآنسة إيلين مبررًا ل
أومأ نديم برأسه، وقال: "أقدّر اعتذارك يا سيد سليم، وأعتقد أن من حق أي شخص أن يُقيَّم بناءً على ما يفعله فعلًا، لا على الصورة التي رسمها الآخرون عنه". أما زين، فقد ظل صامتًا للحظات، ثم قال: "ما عرضته اليوم يغير كثيرًا مما كان يعتقده البعض إنه يعرفه، لكنني أتفق معك في أن الحكم النهائي يجب أن يستند إلى الوقائع".ألقى سليم نظرة أخيرة على مراد ورامي، ثم التقط هاتفه وغادر المكتب دون أن يضيف كلمة أخرى. لم يلتفت خلفه، ولم ينتظر أن يسمع ردًا منهما، فقد كان يعلم أن ما قاله لن ينهي الخلاف، وأن الأسئلة التي أثارها ستظل تطارد من بقي داخل الغرفة. كان قد كشف جزءًا من السجل الأكاديمي لإيلين، لكنه لم يكشف كل ما عرفه، ولم يكن مستعدًا لأن يحول الشكوك التي لا تزال قيد التحقيق إلى حقائق معلنة.ظل مراد ممسكًا بهاتفه، وعيناه معلقتان بالصفحة التي تعرض مؤهلات إيلين، بينما جلس رامي في صمت لم يعتده منه أحد. أما نديم، فقد أدرك أن ما حدث للتو لم يكن مجرد خلاف حول اختيار شريك تقني، بل بداية تصدع في الرواية التي ظلوا جميعًا يصدقونها عن إيلين. لقد عرفوا الآن أنها لم تكن المرأة التي
توقف سليم لحظة، ثم أضاف بنبرة أكثر هدوءًا لكنها أشد وقعًا: "وأنا لم أقل إن المؤهلات الأكاديمية وحدها تكفي للفوز بمشروع المدينة الذكية. ما أقوله هو أن رفض أوريون نوفا بسبب افتراضاتك عن إيلين ليس تقييمًا مهنيًا، بل تحيز واضح. إذا أردنا اختيار الشريك المناسب، فعلينا أن ندرس الشركات كلها وفق المعايير نفسها، وأن نمنح أوريون نوفا الفرصة التي تستحقها مثل أي شركة أخرى".لم يجد رامي ردًا سريعًا، بينما ظل مراد يتفحص الملف، وقد بدأت الأسئلة تتكاثر في رأسه على نحو لم يعد قادرًا على السيطرة عليه. كان يعرف أن إيلين ذكية، وأنها تمتلك قدرة لافتة على التحليل، لكنه لم يتخيل يومًا أن سجلها الأكاديمي قد بلغ هذا المستوى، ولا أن مسيرتها العلمية بدأت في سن مبكرة إلى هذا الحد. لقد عاش معها خمس سنوات، لكنه لم يعرف أنها حصلت على الدكتوراه في التاسعة عشرة، ولم يعلم أنها نشرت أبحاثًا علمية قبل زواجهما، ولم يسمع منها يومًا حديثًا عن تلك الإنجازات.رفع مراد عينيه عن الهاتف ونظر إلى سليم، لكنه لم يجد الكلمات المناسبة للسؤال الذي أراد طرحه. هل كان سليم يعرف كل ذلك منذ البداية؟ أم أنه اكتشفه
ابتسم سليم ابتسامة ساخرة، ثم أخرج هاتفه ووضعه فوق المكتب قائلًا: "دكتوراه من دولة الشمس؟ حسنًا، دعنا نرى ما الذي تحمله إيلين، بدلًا من أن نستمر في إطلاق الأحكام اعتمادًا على ما نعرفه أو نظن أننا نعرفه".فتح سليم ملف التحقيق الأكاديمي الذي احتفظ به منذ المرة الأولى التي طلب فيها جمع المعلومات عن إيلين، ثم انتقل إلى القسم الذي يحتوي على المؤهلات العلمية والبحوث المنشورة باسمها. لم يكن الملف الذي أمامه يكشف كل شيء عن حياتها، ولم يكن يحتوي على الأسرار التي لا تزال بعيدة عن متناول الجميع، لكنه كان كافيًا لإثبات أن الصورة التي رسموها لها لم تكن مكتملة، وأن المرأة التي اعتاد بعضهم التقليل من شأنها تمتلك سجلًا أكاديميًا لا يمكن تجاهله.مرر سليم إصبعه على الشاشة، ثم قال بصوت مرتفع: "انظر جيدًا يا رامي، وتأكد بنفسك أن إيلين تستحق المكانة التي وصلت إليها داخل أوريون نوفا، وأن ما يُنسب إليها من إنجازات ليس مجاملة من آدم ويوسف، ولا محاولة منهما لمنحها مجدًا لا تستحقه. إيلين تحمل بكالوريوس مزدوجًا، وماجستير مزدوجًا، ودكتوراه، فضلًا عن أبحاث علمية نُشرت باسمها قبل أن تتزوج مراد أصلًا"
ظل سليم واقفًا أمامه، بينما تبادل نديم وزين النظرات، وبقي رامي صامتًا للحظات بعد سؤاله الأخير. لم يتقدم أحد لقطع الصمت، ولم يجرؤ مراد على طرح السؤال الذي بدأ يتشكل في ذهنه، وكأن جزءًا منه يخشى أن يسمع الإجابة أكثر مما يخشى أن يبقى دونها.ثم أعاد سليم نظره إلى مراد وقال بصوت خافت، لكنه كان كافيًا ليجعل الكلمات التالية أكثر قسوة من صراخه السابق: "أخبرني يا مراد، هل أنت متأكد أنك تعرف القصة كاملة؟"ولم يجب مراد فوراً ساد الصمت داخل مكتب مراد الداغر بعد سؤال سليم الأخير، وظلت الأنظار معلقة به، وكأن الجميع ينتظر منه أن يكشف عن حقيقة لم يسبق لأحد أن فكر في احتمال وجودها. كان مراد أول من كسر ذلك الصمت، إذ اعتدل في جلسته، ونظر إلى سليم باستغراب امتزج بالانزعاج، ثم قال: "ألم نكن جميعًا موجودين حين حدث كل شيء؟ ألم تروا بأنفسكم ما حدث بيني وبين إيلين؟ ألم تسمعوا ما قيل، وتشهدوا على ما جرى؟ فما الذي تغير الآن حتى تتحدث وكأننا جميعًا كنا نعيش داخل وهم؟".كان مراد على وشك استكمال حديثه، لكن هاتف رامي اهتز فوق المكتب، فالتقطه الأخير وألقى نظرة على الشاشة قبل أن تتبدل ملا
“إيلين؟” توقّف يوسف في مكانه، وعيناه متسعتان بوضوح كأنه غير مصدق لما يراه. “أأنتِ حقًا؟” أومأت بهدوء: “نعم.” تحرّك نحوها بسرعة، لكنه توقّف فجأة قبل أن يقترب أكثر. ملامحه تغيّرت؛ الدهشة لم تختفِ… لكنها تحوّلت إلى شيء أثقل: “متى عدتِ؟” “اليوم.” سكت لحظة… ثم ضحك ضحكة قصيرة لم تكن مريحة: “
لم يكن الصباح مختلفًا في شكله… لكنه كان مختلفًا في معناه. جلست إيلين الشهاب أمام مكتب خشبي أنيق داخل غرفة هادئة، تتوسطها طاولة زجاجية واسعة. أمامها وُضعت عدة أوراق مرتبة بعناية، كل صفحة تحمل بنودًا واضحة، محددة… ونهائية. لم تمد يدها فورًا. فقط نظرت اسمها لم يكن في الأعلى هذه المرة… بل في الأسف
أما آدم، فظل يراقب إيلين فقط.لأنه الوحيد الذي يعرف الحقيقة كاملة.يعرف أن فتاة في الخامسة عشرة من عمرها جلست يومًا داخل غرفة مغلقة… وصممت نظامًا جعل جهات كاملة تعيد بناء أنظمتها الأمنية من الصفر.ويعرف أيضًا أن الدولة نفسها أخفت اسمها عمدًا بعد ذلك.بموجب الاتفاقية السرية واخفاء
لم يكن في العودة من المقابر ما يشبه الرجوع العادي.الطريق نفسه بدا أطول، أو ربما كانت المسافة هذه المرة تُقاس بما تُرك خلفهم لا بما ينتظرهم. جلست إيلين في المقعد الخلفي، ساكنة على نحو لا يُفسَّر بالهدوء، بل بشيء أقرب إلى الحسم. لم تكن تنظر إلى الخارج بقدر ما كانت تنظر إلى الداخل، إلى نقط







