LOGINهز يوسف رأسه، ثم ابتسم وهو ينظر إليها بإعجاب لا يخلو من التوجس، وقال: "من حسن حظي أنني أقف بجوار الملكة، وإلا لكنت الآن أحاول معرفة إن كنتُ قطعة في خطتكِ أم مجرد متفرج لا يعرف متى تبدأ المباراة." توقفت إيلين عن ترتيب أوراقها، والتفتت إليه بنظرة ثابتة، ثم قالت: "الملكة لا تستطيع الفوز وحدها، مهما كانت حركتها واسعة. ستحتاج إلى الفارس الذي يستطيع عبور المسارات التي لا تصل إليها القطع الأخرى، وإلى القلعة التي تحفظ الجانب الذي لا يمكن تركه مكشوفًا. وفي النهاية، لا قيمة لأي حركة إذا لم تكن هناك نهاية نعمل من أجلها." ابتسم آدم، وقد فهم المقصود من حديثها أكثر مما أظهر، ثم قال بنبرة هادئة: "الفارس سيكون دائمًا في حماية الملكة، حتى عندما يضطر إلى التحرك في اتجاه لا يفهمه الآخرون." وأضاف يوسف وهو يضع يده فوق صدره في إشارة مبالغ فيها إلى القسم: "والقلعة ستكون الجدار الذي يحمي الجانب المكشوف. لن أسمح لأحد بأن يصل إلى الملكة من الطريق الذي أقف عنده." نظرت إيلين إليهما، وظهرت في عينيها لمحة دفء خالصة، فقد كان حديثهما المشفر أكثر من مجرد لعبة لغوية اعتادوا استخدامها حين لا يريدون الإفصاح عن كل ما
مالت إيلين قليلًا إلى الخلف، وأراحت يدها على ذراع المقعد، ثم قالت: "بالضبط. لا أريد أن نبحث عن عدو واحد لمجرد أن ذلك أسهل في الفهم. أحيانًا يكون أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نجمع كل الإشارات في صورة واحدة قبل أن نعرف إن كانت تنتمي إليها أصلًا." وفي اللحظة التي انتهت فيها من حديثها، صدر تنبيه خافت من داخل حقيبتها. كان صوتًا مختلفًا عن التنبيهات المعتادة التي تصل إلى أجهزة العمل، قصيرًا ومحددًا، لا يحمل أي نغمة إضافية. توقفت يد إيلين فوق المكتب، وتحولت عيناها إلى الحقيبة الموضوعة بجوار مقعدها، ثم تبادلت نظرة سريعة مع آدم قبل أن تسحب جهازها اللوحي الشخصي. لم تتسرع في فتح الإشعار، بل تأملت العلامة الصغيرة التي ظهرت على الشاشة، وتغيرت ملامحها ببطء؛ لم يكن التغير كبيرًا بما يكفي ليلاحظه شخص غريب، لكنه كان واضحًا لآدم ويوسف، اللذين اعتادا قراءة التفاصيل الدقيقة في وجهها. فتحت إيلين الرسالة، ومررت نظرها على محتواها بصمت. لم يظهر على الشاشة سوى سلسلة مختصرة من الرموز والإشارات، يتخللها ترتيب غير مألوف لعلامات تبدو للوهلة الأولى بلا معنى. لكن إيلين لم تحتج إلى وقت طويل لتدرك أن الرسالة
أعادت إيلين الجهاز اللوحي الذي كان يحمله مالك إلى منتصف المكتب، ثم سحبته نحوها مرة أخرى بعدما استوقفها تفصيل صغير في سجل المحاولة الأخيرة. لم تكن النتيجة التي ظهرت أمامهم كافية للحكم على قدرات الممتحن، لكن الطريقة التي تشكل بها المسار داخل الخوارزمية كانت تستحق التدقيق. مررت أصابعها على الشاشة، وانتقلت بين السجلات المتتابعة، ثم فتحت طبقة تحليل أعمق لم تكن ظاهرة في العرض الأولي. راحت عيناها تتحركان بين الأسطر الرقمية وعلامات التوقيت، حتى توقفت عند مجموعة من الرموز التي بدت للوهلة الأولى كأنها مجرد بيانات غير مكتملة، لكنها لم تكن عشوائية تمامًا. لقد تعرفت إلى إيقاعها قبل أن تتأكد من مصدرها؛ فهناك فرق بين أن يقترب شخص من حل مسألة معقدة، وبين أن يترك أثرًا يوحي بأنه أدرك أن المسألة نفسها تخفي شيئًا آخر. لم تكن الخوارزمية التي وضعتها إيلين اختبارًا تقليديًا لقياس الذكاء أو القدرة على حل المشكلات، بل كانت فخًا محسوبًا بعناية، صاغت أجزاء منه بلغة إيفورا التي ابتكرتها، وأخفت داخله شذرات منتقاة من بنية بعض أنظمتها القديمة. لم تستخدم البنية الأساسية لتلك الأنظمة، ولم تضع ما قد يكشف أسر
قال يوسف وهو يمد يده نحو الملف، محاولًا أن يلمح عنوانه: "دعني أرى ما الذي جعلك تبدو وكأنك اكتشفت للتو أن لدينا عملًا إضافيًا. ربما يكون الأمر بسيطًا هذه المرة، وربما أتمكن أخيرًا من إقناع إيلين بأن تترك لنا يومًا واحدًا من دون مفاجآت." سحب مالك الملف إلى جانبه مبتسمًا، وقال: "لن أسمح لك بالاطلاع عليه بهذه السهولة، خاصة أنك ستبدأ فورًا في حساب عدد ساعات العمل التي ستضيفها هذه المهمة إلى جدولك." رفع يوسف حاجبيه وقال: "أنا لا أحسب ساعات العمل، بل أراقب استدامة الأداء البشري داخل المؤسسة. هناك فرق كبير بين الأمرين، ومن المؤسف أنكم لا تقدرون مساهمتي العلمية في هذا المجال." ضحك آدم، ثم أشار إلى الملف قائلًا: "دعك من ادعاء البحث العلمي يا يوسف، ودع مالك يراجع ما لديه. إذا كان المشروع يحتاج إلى فرق إضافية، فمن الأفضل أن نعرف ذلك مبكرًا حتى نستطيع توزيع المسؤوليات بطريقة مناسبة." عادت إيلين إلى الجدية وهي تقول: "أوريون نوفا أصبحت الآن محط الأنظار، ولا يمكننا أن نتعامل مع هذا الاهتمام باعتباره ضجة عابرة ستنتهي بعد أيام. عندما نعلن عن مشروع أو نكشف عن تقدم علمي، فإننا نرفع سقف التوقعات، وعلي
أجاب مالك: "لدينا ما يكفي لترجيح أنها كانت الفاعلة، ولدينا معلومات عن تحركاتها قبل الحادث وبعده، لكننا لم نتمكن من تثبيت موقعها الحالي. غادرت المكان في اليوم التالي، ومنذ ذلك الوقت لم يظهر ما يسمح لنا بتحديد وجهتها بثقة. التحقيق لم يُغلق، لكننا لا نملك حتى الآن دليلًا يقود إلى الشخص الذي قد يكون ساعدها، إن كان هناك شخص آخر متورط أصلًا." تبادل آدم وإيلين نظرة قصيرة، ولم يحتج أي منهما إلى الكلام كي يدرك أن الأمر لا ينبغي أن يُعامل باعتباره ملفًا انتهى بمجرد تحديد المشتبه بها. قال آدم بعد لحظة: "حسنًا، هل هناك أمور أخرى يا مالك؟ أريد أن نحتفظ بكل ما توصل إليه التحقيق، وألا نعتبر اختفاءها دليلًا على انتهاء الخطر. إذا ظهرت معلومة جديدة، فأبلغنا فورًا، ولا تتخذوا أي خطوة قد تنبهها إلى أننا نتابع تحركاتها." أومأ مالك، ثم أشار إلى الملف الموجود على الجهاز اللوحي وقال: "كل النتائج محفوظة، وسيستمر الفريق في متابعة الخيوط المتاحة. وإذا ظهرت أي معلومة جديدة، سأبلغكم بها مباشرة." بعد ذلك، تبدلت ملامحه قليلًا، وعادت إلى شفتيه ابتسامة خفيفة وهو ينظر إلى إيلين قائلًا: "والآن، بعد أن انتهينا من ال
التفت يوسف إليه ببطء، وبدت على وجهه ملامح استنكار مسرحي، ثم وضع يده على صدره وقال: "أرى أنكما قررتما اليوم أن تتحدا ضدي. حسنًا، لا بأس، سأحتفظ بهذه الملاحظات في ذاكرتي، وسأنتظر اللحظة المناسبة لأرد إليكما كل كلمة. لكنني أريد أن أوضح أمرًا واحدًا، وهو أنني أتكلم كثيرًا لأنني أحرص على التواصل الفعال داخل الفريق، وليس لأنني عاجز عن الصمت."ضحكت إيلين، بينما هز آدم رأسه باستسلام مصطنع وعاد إلى عمله، ولم يكد يوسف يستعد لإضافة تعليق جديد حتى سُمع طرق خفيف على باب المكتب، أعقبه صوت مالك يستأذن في الدخول. رفعت إيلين رأسها نحو الباب وقالت: "تفضل بالدخول "دخل مالك وهو يحمل جهازًا لوحيًا في يده وملفًا إلكترونيًا مفتوحًا على شاشته، وكانت ملامحه تجمع بين الحماس والتركيز. أغلق الباب خلفه، ثم تقدم نحو المكتب ووضع الجهاز أمام إيلين قائلًا: "وصلت النتائج الأخيرة للاختبارات الخاصة بالمعلمين، وهناك تطور يستحق أن نطلعكم عليه. أحد المتقدمين نجح في حل الخوارزمية المعقدة التي وضعوها ضمن مراحل التقييم، مع أنني عندما راجعت تفاصيلها للمرة الأولى لم أتصور أن أحدًا سيتمكن من الوصول إلى الحل
لم يكن الصباح مختلفًا في شكله… لكنه كان مختلفًا في معناه. جلست إيلين الشهاب أمام مكتب خشبي أنيق داخل غرفة هادئة، تتوسطها طاولة زجاجية واسعة. أمامها وُضعت عدة أوراق مرتبة بعناية، كل صفحة تحمل بنودًا واضحة، محددة… ونهائية. لم تمد يدها فورًا. فقط نظرت اسمها لم يكن في الأعلى هذه المرة… بل في الأسف
أما آدم، فظل يراقب إيلين فقط.لأنه الوحيد الذي يعرف الحقيقة كاملة.يعرف أن فتاة في الخامسة عشرة من عمرها جلست يومًا داخل غرفة مغلقة… وصممت نظامًا جعل جهات كاملة تعيد بناء أنظمتها الأمنية من الصفر.ويعرف أيضًا أن الدولة نفسها أخفت اسمها عمدًا بعد ذلك.بموجب الاتفاقية السرية واخفاء
لم يكن في العودة من المقابر ما يشبه الرجوع العادي.الطريق نفسه بدا أطول، أو ربما كانت المسافة هذه المرة تُقاس بما تُرك خلفهم لا بما ينتظرهم. جلست إيلين في المقعد الخلفي، ساكنة على نحو لا يُفسَّر بالهدوء، بل بشيء أقرب إلى الحسم. لم تكن تنظر إلى الخارج بقدر ما كانت تنظر إلى الداخل، إلى نقط
لم يكد صندوق المخمل يُغلق حتى تغيّر إيقاع الجلسة بالكامل، كأن اللحظة نفسها قررت أن تعلن عن معناها الحقيقي دون مواربة. لم يعد الأمر مجرد هدية فاخرة أو لفتة عابرة، بل بدا وكأنه إعلان صامت عن شيء أكبر، شيء فهمه الحاضرون جميعًا دون أن يُقال صراحة.كانت الأنظار تتنقل بين العقد المستقر حول عنق







