LOGINالسماء فوقهم كانت بلون "الرصاص"، غيوم تقيلة مابتتحركش كأنها مرسومة بزيت أسود.
الأرض تحت رجليهم مكنتش رمل، كانت "رماد" ناعم وساقع، كل ما حد يمشي خطوة، رجله تغرز وتطلع غبار ريحته زي ريحة "الورق المحروق". الخمسة اللي فاضلين (كريم، مريم، خالد، أحمد، زياد) ومعاهم ياسين اللي كان شبه الميت، كانوا مرميين في مساحة واسعة مفيش فيها غير "صخور" طالعة من الأرض زي السكاكين. ياسين (وهو بيحفر في الرماد بإيده بهستيريا): "هالة كانت هنا.. أنا لسه سامع صوت صرختها في وداني! يا خالد إحنا لازم نرجع.. البوابة لسه هناك، هالة ممكن تكون لسه عايشة!" خالد (وهو بيشده من كتافه بعنف عشان يفوقه): "فوق يا ياسين! هالة دابت.. هالة بقت هي المفتاح اللي فتح لنا السجن ده! لو رجعت مش هتلاقي غير الرماد اللي إنت واقفه عليه ده." أحمد (وهو بيبص في بوصلة قديمة كانت معاه): "يا جماعة.. البوصلة بتلف 360 درجة مابتثبتش.. مفيش شمال ولا جنوب هنا. إحنا في مكان 'خارج الحسابات'." في الناحية التانية، مريم كانت قاعدة بعيد، ضامة نفسها وبتبص لكريم اللي كان واقف مديها ضهره وباصص للفراغ. مريم كانت حاسة إن الرماد اللي تحتها بيسحبها، حاسة إن كل كلمة "قذرة" قالتها لكريم في بيتهم بتتحول لـ "وزن" بيسحبها لتحت. مريم (بصوت مرعوب وواطي): "كريم.. أنت لسه زعلان مني؟" كريم (لف وشّه ليها ببطء، وعينه كان فيها نظرة غريبة، نظرة واحد شاف "الوحش" اللي جوه الشخص اللي بيحبه): "زعلان؟ كلمة زعلان دي تتقال لو نسيتي تعملي الأكل، أو لو ضيعتي حاجة ليا.. لكن اللي أنا عشته معاكي يا مريم كان 'قتل عمد'. إنتي كنتي بتدبحيني كل يوم بدم بارد وإنتي عارفة إني بحبك مريم (ببكاء): "والله كنت غبية.. كنت فاكرة إني كدة برد كرامتي من أهلي اللي جوزوني ليك غصب.. كنت بطلع غلي فيك إنت!" كريم (قرب منها ووطى لمستواها، وهمس في ودنها بقسوة): "والنتيجة إيه؟ إننا دلوقتي في جهنم بجد.. وصحبتك ماتت بسببي وبسببك. تفتكري المغارة دي هتسيبك تخرجي وإنتي شايلة كل السواد ده جواكي؟" فجأة، الرماد اللي حواليهم بدأ "يتشكل". ظهرت خيالات صغيرة بتجري وسط الصخور، وأصوات ضحك أطفال بدأت تملى المكان. مريم اتنفضت لما شافت "خيال" طفل صغير واقف بعيد وبيشاور لها بإيده. مريم (بصراخ): "العيال دي تانى! هما هنا كمان؟" أحمد (بزعّيق): "عيال إيه؟ أنا مش شايف حاجة! مريم أنتي بتهلوسي؟" خالد: "محدش يتحرك من مكانه! مريم، المخطوطة بدأت تنور.. شوفي فيها إيه!" مريم فتحت المخطوطة بإيد بتترعش، لقت صفحة جديدة اتفتحت، مرسوم فيها "ميزان" كفته طبّة، ومكتوب تحتها بالدم: "في وادي الرماد، الحقيقة لا تُقال.. الحقيقة تُعاش. من سرق حلم الآخر، سيسرق الوادي روحه." مريم (بصت لكريم بخوف): "المخطوطة بتقول.. اللي سرق حلم حد.. الوادي هياخد روحه." كريم (بضحكة وجع): "قصدها عليكي يا مريم.. أنتي اللي سرقتي حلمي في البيت، وفي العيال، وفي الحياة اللي كان نفسي أبنيها معاكي.. الوادي ده عايزك أنتي." فجأة، صخرة ضخمة وراهم انشقت، وطلع منها "دخان أسود" بدأ يتشكل على هيئة سارة وهالة واقفين جنب بعض، بس ملامحهم كانت عبارة عن "حفر سودة" مكان العين والبق. الكيانات (بصوت متداخل): "مريم.. تعالي.. قولي لـ كريم الحقيقة كاملة.. قولي له عن الحبوب اللي كنتي بتاخديها.. قولي له كنتي بتدعي عليه بإيه وإنتي ساجدة!" الجو في وادي الرماد اتقلب في ثانية، الهوا بقى ساقع جداً وريحته "زفرة". عمود الدخان الأسود اللي اتشكل على هيئة سارة وهالة بدأ يلف حوالين كريم ومريم في دايرة سريعة، وطلع منه "فحيح" كأن ألف تعبان بيتكلموا في وقت واحد. كريم (وقف مكانه، وعينه بدأت تحمر، وجسمه بيتنفض): "أنا مش قادر.. أنا حاسس إن جسمي بيتقل.. فيه حاجة بتسحب روحي!" كريم بص لمريم، بس في اللحظة دي، المغارة عملت حاجة أبشع من الكيانات. مريم اختفت، وظهر مكانها "كتلة سودة" ملهاش ملامح، كتلة بتنزف دم أسود من كل حتة، ومع كدة، كريم كان لسه شايف عيون مريم "القاسية" بتبص له من وسط السواد ده. كريم وقع على ركبه، الانهيار اللي كان مخبيه سنين تحت قناع "الاحتواء" و "معلش بكرة تحس بيا" انفجر مرة واحدة. كريم (بصراخ هستيري، ودموعه نازلة زي المطر على الرماد): "أنا كنت عايزك تحبيني يا مريم! بس كدة.. كنت عايزك تبصيلي نظرة واحدة فيها رحمة! أنا كنت عارف إنك مغصوبة عليا، وكنت بقول حقها، وكنت بحاول أثبتلك إني ممكن أكون المخرج مش السجان! كنت بشوفك بتهنيني قدام صحابك وتصغريني، وكنت بضحك وأداري عشان مكسرش صورتك قدامهم! ليه يا مريم؟ ليه كنتي بتقبلي حنيتي بالدوس على كرامتي؟ أنا حبيتك بجد.. حبيتك في كل لحظة قسوة منك.. وكنت مستني 'البكرة' اللي مش عايز ييجي!" في الناحية التانية، مريم كانت بتعيش جهنم تانية خالص. أول ما كريم بدأ يصرخ، هي مابقتش سامعة صوته، بقت سامعة صوت "صرخات" أطفال صغيرة بتبكي بقهر. وبدأت تشوف على الرماد صور لـ "العيال اللي مجوش"، صور ليهم وهما بيبصولها بعيون لوم، وبيشاوروا على بطنها الفاضية. شافت نفسها وهي بتاخد حبوب منع الحمل من ورا كريم وتضحك بانتصار، وشافت نفسها وهي بتكلم مامتها في التليفون وبتقولها ببرود: "ده غبي يا ماما، بيفتكر إني لما بضحك في وشه بقيت بحبه، ده مجرد بنك بصرف منه لغاية ما ألاقي طريقة أخلع بيها". مريم (وقعت في الرماد وبتحفر بأوافرها فيه وهي بتصوت): "أنا كنت شيطانة يا كريم! كنت بستغل طيبتك عشان أذل أهلي فيك! كنت بشوفك بتمتص غضبي وكنت بفتري بزيادة عشان أختبر آخرك فين! أنا دمرتك وأنت كنت بتبني فيا! ارميني يا كريم.. سيبني للمغارة تاكلني، أنا مستحقش حتى إنك تبص في وشي!" باقي المجموعة (خالد، أحمد، زياد، ياسين) كانوا واقفين بعيد، كل واحد فيهم بيواجه "ظله" هو كمان. خالد شاف هالة وهي بتتحول لرماد في إيده وبتقوله: "أنت المسؤول عن موتي يا خالد". أحمد شاف الأجهزة بتاعته بتتحرق وبتتحول لرموز غريبة وبتقوله: "العلم اللي أنت مصدق فيه هو اللي هيقتلك هنا". الكل كان بيحاول يقاوم الهلاوس دي، بس الهلاوس كانت قوية لأنها طالعة من "ذنوبهم". كريم، وسط انهياره، شاف "خيال" لمريم وهي بتقرب منه بابتسامة حنية، بس أول ما مد إيده ليها، الخيال اتمسح وبان مكانه "كتلة الرماد السودة". كريم (بصوت ميت، صوت واحد روحه بتطلع): "عارفة إيه المشكلة يا مريم؟ إنك حتى وإنتي بتعتذري، بتعتذري بتمثيل.. أنتي حطمتيني لدرجة إني مابقتش عارف أنا مين.. المغارة دي مش هتاكلنا، أنتي اللي أكلتيني يا مريم." كريم وقع وشه في الرماد، فاقد الوعي من كتر الوجع النفسي. مريم، اللي كانت بتعيش الوجع ده في عقلها، حست فجأة بـ "سكوت" فظيع في ودنها. رفعت راسها ، وشافت كريم مرمي على بعد مترين منها، وجسمه بدأ يتغطى بـ "غبار الرماد الأسود" بسرعة، كأن الأرض بتبلعه. مريم (بهمس مرعوب): "كريم؟ كريم رد عليا! أنا مش بمثل.. أنا بموت من الندم يا كريم.. رد عليا!" الرماد كان خلاص غطى صدر كريم وبدأ يزحف لرقبته، والكيانات كانت بتضحك ضحكة "نصر" وهي شايفة مريم منهارة. بس في اللحظة دي، مريم مسمحتش للضعف يركبها.. غريزة البقاء والندم اللي اتحول لطاقة حقيقية خلتها تصرخ صرخة زلزلت الصخور اللي حواليهم. مريم (بزعيق وهي بتمد إيدها وسط الرماد وبتمسك كتف كريم بكل قوتها): "مش هتاخده! مش هتاخدوه بذنبي أنا! كريم.. فوق! اسمع صوتي! فوق عشان تطلقني.. فوق عشان تمشي وتسيبني.. بس متسيبش روحك هنا!" خالد (جري عليها هو وأحمد وزياد لما شافوا الجدار الأسود بدأ يضعف): "شدوا معاها! كريم لسه بيتنفس! ياسين.. سيب الرمل وقوم ساعدنا!" الكل اتجمع حولين كريم، وبدأوا يشدوا جسمه "قصاد" الأرض اللي كانت بتبلعه. مريم كانت بتشد وهي حاسة إن جلد إيدها بيتحرق من سخونية الرماد، بس مكنتش سايبة. وفجأة، كريم فتح عينه.. عينه كانت "سودة" تماماً لثانية، وبعدين رجعت لطبيعتها وهو بيشهق شهقة واحد كان غرقان وطلع لسطح المية. كريم (بنهجان وتقطع في النفس): "مريم.. أنا.. أنا كنت شايف "العيال".. كانوا زعلانين قوي يا مريم.. ليه عملتي فينا كدة؟" مريم (وهي بتشده لحضنها وبتبكي بمرارة): "حقك عليا.. والله حقك عليا. قوم يا كريم، المغارة دي عايزة تفرقنا بالوجع، مش هسمح لها. إحنا هنخرج من هنا، وهعملك كل اللي كان نفسك فيه.. بس قوم!" بأعجوبة، شدوه وطلعوه من "مصيدة الرماد". كريم كان جسمه كله "متخربش" بخدوش زرقاء، نفس الخدوش اللي كانت في رجل هالة، بس الفرق إن كريم كان بيقاومها بـ "روحه" العافية. أحمد (بص في جهازه اللي بدأ يدي إشارة خضراء ضعيفة): "الضغط خف! لما واجهتوا بعض والحقيقة طلعت، الطاقة السلبية اللي المكان بيتغذى عليها اتهزت! فيه ممر فتح هناك ورا الصخرة الكبيرة!" خالد: "يلا.. مفيش وقت للدموع. كريم، تقدر تمشي؟" كريم (سند على كتف مريم، وبص لها بصه فيها خيبة أمل بس فيها "تمسك" غريب): "هتمشي جنبي يا مريم.. متمشيش ورايا ولا قدامي. عايز أحس إنك 'موجودة' بجد، مش مجرد خيال كنت عايش معاه في بيت واحد." بدأوا يتحركوا ناحية الممر الجديد، بس الوادي مكنش هيسيبهم بالساهل. الأرض تحت رجليهم بدأت تطلع "همس" بأسماء الناس اللي ماتوا في حياتهم، وبدأت تظهر صور لـ "أهل مريم" وهم بيعدوا الفلوس اللي خدوها من كريم.. صور بتفكر مريم كل ثانية إنها "اتباعت". مريم (بصوت مهزوز وهي ماشية ساندة كريم): "أنا كنت فاكرة إن قسوتي عليك هي اللي هتحميني من إني أحس إني رخيصة يا كريم.. بس اكتشفت إن قسوتي دي هي اللي خلتني أرخص حاجة في حياتك." كريم (رد بجمود وهو باصص قدامه): "إحنا مش بنخرج من المغارة يا مريم.. إحنا بنخرج من 'نفسنا' القديمة. لو خرجنا، مفيش حاجة هترجع زي الأول.. فاهمة؟" وصلوا لنهاية الممر، ولقوا قدامهم "بحيرة من الزئبق" بتلمع تحت الضوء البنفسجي، وفي نص البحيرة مركب قديم محطم، وواقف عليه "شخص" لابس لبس سارة، وبيرفع إيده ليهم كأنه بيودعهم.. أو بيستقبلهم في ليفل ألعن. البحيرة كانت راكدة زي المراية، والزئبق اللي فيها بيلمع ببرودة تخلي الواحد يقشعر. المركب المحطم في النص كان بيتحرك ببطء من غير ريح، والكيان اللي واخد شكل سارة كان واقف عليه مبيتحركش، بس إيده الممدودة كانت بتشاور لـ مريم بالذات. ياسين (بصوت مبحوح وهو بيضحك ضحكة تخوف): "شايفين؟ سارة مستنية.. وهالة كمان هناك. أنا سامعها بتنادي من تحت الزئبق.. بتقولي إن المية هنا بتمسح الذنوب." خالد (مسك ياسين من دراعه بقوة): "فوق يا ياسين! مفيش حد تحت المية دي.. دي مادة سامة، لو لمست جلدك هتاكلك!" فجأة، الزئبق بدأ "يتموج"، وظهرت فيه صور مشوشة لأهالي مريم وكريم. مريم شافت مشهد كان محفور في ذاكرتها وبتحاول تنساه.. مشهد يوم كتب الكتاب، وهي واقفة ورا الباب سامعة أبوها وهو بيهمس لأمها بفرحة طماعة: "الواد ده "لقطة"، ده دفع مهر مكنتش أحلم بيه، وهيخلصنا من مصاريفها وهمّها.. اضحكي في وشّه يا ولية وخليه يغرف من جيبه بزيادة". مريم (بشهقات وجع وهي بتبص للصور في البحيرة): "أنا كنت 'بيعة'.. أهلي باعوني عشان المهر وعشان يخلصوا مني.. وأنا طلعت غلي فيك أنت يا كريم.. كنت بشوف في وشك 'الإيصال' اللي هما قبضوه." كريم (بص للصور بمرارة، وسند جسمه المنهك على صخرة): "وأنا كنت فاكر إني بشتري 'بيت'.. مكنتش أعرف إني بشتري 'عداوة'. كنت فاكر إن المهر الكتير ده تقدير ليكي ولأهلك، مكنتش أعرف إنه التمن اللي هيدفن حريتك ويخليكي تكرهيني قبل ما تعرفيني." المركب قرب من الشط، والكيان (سارة) اتكلم بصوت "أبو مريم": "مترميش لومك علينا يا بنتي.. أنتي كنتي عاجبك العز، كنتي بتاخدي الفلوس وتصرفي وتشتري أغلى لبس عشان تداري كسرتك.. أنتي استغليتي كريم أكتر ما إحنا استغليناه". مريم (بصراخ للكيان): "كدب! أنا كنت بكره الفلوس دي! كنت بحس إن كل قرش بيصرفه عليا هو مسمار في نعشي!" الكيان (بصوت سارة المرعب): "كدابة.. أنتي كنتي بتعاقبيه بالفلوس.. تطلبي منه اللي فوق طاقته عشان تكسريه، ولما يلبّي طلبك، تكرهيه أكتر لأنه "قدر" يرضيكي. أنتي كنتي 'سجانة' بفلوسه يا مريم." في اللحظة دي، البحيرة بدأت "تغلي"، وطلع منها بخار بنفسجي بدأ يغطي المجموعة. أحمد بدأ يكح بدم، وزياد وقع على الأرض وهو ماسك راسه. المكان مابقاش محتاج تضحية بالدم، المكان بقى بيمتص "الاعترافات" عشان يفتح طريق النجاة. كريم (قرب من مريم ومسك وشها بين إيديه، وعينه فيها نظرة حاسمة): "مريم.. ارمي كل ده. ارمي أهلك، وارمي الفلوس، وارمي الكره اللي شيلاه في قلبك . لو عايزة نعدي البحيرة دي، لازم 'مريم' القديمة تغرق هنا.. قولي إنك كنتي بتستغلي حبي عشان تنتقمي.. قوليها عشان نعدي!" مريم (بصوت طالع من قلب مكسور): "أيوه! كنت بستغلك! كنت بدوس على حبك عشان أحس إني مش رخيصة في نظر نفسي! كنت باخد فلوسك وأنا بشتمك في سري عشان أحس إني أنا اللي مسيطرة مش أنت! أنا آسفة يا كريم.. أنا اللي كنت الطماعة، مش أهلي بس!" أول ما مريم قالت الكلمة دي، البحيرة "هدت" تماماً، والزئبق اتحول لـ "مية صافية" زي الكريستال. المركب فتح بابه، وطلع منه نور أبيض دافي غطى الكل. خالد (بنهجان): "الباب فتح.. المركب هو اللي هيعدينا للناحية التانية. يلا.. مفيش وقت!" ركبوا كلهم المركب، وكريم قعد في ركن بعيد، ومريم قعدت جنبه بكسرة، بس المرة دي كريم ساب إيده تلمس إيدها ببطء.. لمسة مكنش فيها مسامحة كاملة، بس كان فيها "بداية" جديدة على أرض نضيفة. المركب بدأ يتحرك وسط المية الصافية، وهما شايفين وراهم "وادي الرماد" وهو بيختفي وسط الضباب، ومعه أشباح سارة وهالة اللي فضلوا يلوحوا ليهم من بعيد. المركب كان ماشي بيشق المية الصافية، والسكوت بينهم كان أتقل من الجبال اللي حواليهم. بس فجأة، الهوا اتغير.. بقى ريحته كبريت وزناخة قديمة قوي، مية البحيرة اللي كانت زي الكريستال بدأت "تعفن" وتسود، وتطلع منها فقاقيع دم، والصفاء اللي كان عارض شريط حياتهم اتمسح، وبان مكانه "جحيم" كان مدفون تحت المية دي من مليارات السنين. كريم ومريم بصوا للمية برعب، مكنتش بتعرض صورهم، كانت بتعرض الكائنات اللي كانت عايشة على الأرض دي قبل "آدم و حواء".. كائنات أسطورية، مخلوقة من نار ودينصورات، أشكالها تقطع القلب من الخوف. شافوا شياطين ليها جنحة ممدودة من أول الأفق لآخره، مكنوش بيطيروا، كانوا "بيملكوا" الجو، وعيونهم كانت كتلة نار بتبص للمركب باحتقار. ومن تحت الزئبق الأسود، بدأت تطلع "روس" لجن وتنانين بحرية، ملهومش ملامح بشرية، جلودهم كانت حراشيف صخرية، وكل واحد فيهم أطول من الجبل ، كانوا ماشيين في المية كأنهم ملوك العالم القديم، وبدأوا يلفوا حوالين المركب، ويخبطوا فيه بديلهم، كأنهم بيلعبوا بعلبة كبريت. ياسين بدأ يصرخ بجنون: "هما دول! هما دول اللي كانوا هنا قبلنا! هما دول اللي هالة قالتلي عليهم!".. وخالد ماسك في فأس المعسكر وإيده بتترعش: "يا جماعة.. دول مش جن وعفاريت سحر.. دول "أصحاب الأرض الحقيقيين".. إحنا دخلنا مملكتهم المنسية!" المركب بدأ يتهز عنف، والكيانات دي بدأت تطلع "صوت زئير" خلى ودان أحمد تنزف دم، والجو بقى أسود كحل، مفيش ضوء غير النار اللي بتطلع من بق الكائنات دي. مريم ارتمت في حضن كريم، نسيت كل القسوة وكل الذنوب، ملقتش غيره هو اللي يحميها من الكابوس ده. كريم، رغم رعبه، ضم مريم ليه بقوة، وبص للسما السودة وصرخ بصوت عالي، صوت واحد ملوش غير ربه: "يا رب! لو ذنوبنا هي اللي صحّت الكائنات دي.. فإحنا توبنا! بس متموتناش على إيد "وحوش" ملهومش دين ولا ملة!" وفجأة، طلع من وسط الضلمة "نور أبيض" فاقع جداً، النور ده مكنش جاي من السما، كان جاي من "المخطوطة" اللي في إيد خالد.. المخطوطة بدأت تطلع رموز نورانية، وبدأت "تطير" في الجو وتعمل "درع حماية" حوالين المركب، الكائنات دي لما لمست النور صرخت صرخة عذاب، وبدأت تتراجع تحت المية وتختفي في السما السودة تاني. المركب فضل يتأرجح وسط المية اللي رجعت تغلي زي القطران بعد ما الوحوش والجن نزلوا للقاع تاني، بس اختفاءهم مكنش معناه النجاة، ده كان عامل زي "الهدوء اللي يسبق العاصفة". مريم كانت ضاغطة على المخطوطة بصوابعها لدرجة إن ضوافرها كانت هتتكسر، والنور اللي طالع منها بدأ يهدى ويتحول لنبضات منتظمة زي دقات القلب. كريم كان لسه حامي مريم بدراعه، وباصص للمية برعب وهو شايف "خيالات" الكائنات دي وهي بتجري بسرعة تحت المركب، عيونهم الحمراء كانت بتلمع تحت الزئبق كأنها نار تحت المية. مريم بدأت تسمع صوت "حك" في خشب المركب من تحت، كأن فيه ضوافر عملاقة بتحاول تفتحه. فجأة، المخطوطة اللي في إيد مريم بدأت "تسخن" جداً، وبدأت الرموز اللي عليها تطير وتتشكل في الجو على هيئة "خريطة" من الضوء، الخريطة دي كانت بتشاور لمكان واحد في نص البحيرة.. "دوامة" كبيرة بدأت تتكون والزئبق فيها بيلف بسرعة رهيبة وبدأت تبلع المية اللي حواليها. أحمد صرخ وهو ماسك في طرف المركب: "الوحوش اللي تحت بيحركوا المية! هما اللي بيعملوا الدوامة دي عشان يشدونا للقاع لعندهم!".. وبالفعل، المركب بدأ ينجذب لمركز الدوامة، والكائنات اللي كانت مستخبية بدأت تطلع روسها تاني على أطراف الدوامة، فاتحين بوقهم ومستنيين "الوليمة" اللي هتنزلهم. مريم بصت لكريم بدموع وقالت له: "المخطوطة بتقولي إننا لازم ننط في نص الدوامة يا كريم! النور مش هيحمينا واحنا فوق، النور ده "مفتاح" لبوابة تحت!".. كريم بص للوحوش اللي حواليهم وبص للدوامة اللي بتبلع كل حاجة، وخد نفس عميق وشد مريم لحضنه أكتر: "لو دي آخرتنا، يبقى وإحنا مع بعض.. نطي يا مريم!" وفي لحظة واحدة، المركب اتكسر نصين، والكل وقع في قلب الدوامة. مريم وهي بتغرق، رفعت المخطوطة لفوق، فطلع منها شعاع نور شق المية السودة وفتح "نفق" من الهوا وسط الزئبق. وهما نازلين في النفق ده، شافوا الكائنات الأسطورية والشياطين واقفين "صفين" على جوانب النفق، مبيقدروش يلمسوهم بسبب النور، بس نظراتهم كانت بتمزق الروح. وصلوا للقاع، بس مكنش قاع بحر.. لقوا نفسهم واقفين في "قاعة ملكية" تحت الأرض، جدرانها مرايات بتعكس كل لحظة ندم في حياتهم، وفي نص القاعة كان فيه "ميزان" ضخم مصنوع من عضم التنانين، وواقف قدامه كيان لابس قناع ذهبي ملوش ملامح. الكيان شاور لمريم بالمخطوطة وقال بصوت هز كيانهم: "وصلتم لساحة 'الحساب القديم'.. المخطوطة دي مش حماية، دي 'سجل'. كل وجع سببتوه لبعض مكتوب هنا.. وعشان تخرجوا، لازم الميزان ده يتعدل. حطوا أحزانكم في كفة، ويقينكم في كفة.. ولو اليقين طبّ، هترجعوا للدنيا كأنكم مولودين النهاردة." مريم بصت لكريم، وحست إن المخطوطة في إيدها بدأت "تفتح" صفحاتها لوحدها، وبدأت الذكريات السودة تخرج منها وتطير ناحية الميزان. المخطوطة بدأت تصرخ وهي بتخرج أرواح الذكريات السودة، وكل ورقة بتطير كانت بتتحول لمشهد مجسد بالصوت والصورة فوق كفة الميزان. مريم شافت نفسها وهي واقفة بوشها المكشوف، عينيها اللي كانت دايمًا مليانة قسوة وصد وهي بتبص لكريم، وشافت لحظات "النفوس" الواضحة اللي مكنتش بتعرف تداريها أبدًا. الكفة نزلت لتحت بسرعة رهيبة بوزن "الصد" والجفاء اللي كان باين في كل تصرفاتها، وصوت ارتطام الكفة بالأرض عمل زلزال في القاعة الملكية تحت المية. مريم انحنت على ركبها، والمخطوطة في إيدها بدأت تطلع دخان رمادي باهت. كريم قرب منها ببطء، ومد إيده ومسك طرف المخطوطة معاها، وبص للكيان الذهبي بتحدي: "لو الذنوب بتتحسب بالوزن، فاليقين بيتحسب بالروح. أنا مسامح.. والمسامحة دي هي اللي هتعدل الميزان." في اللحظة دي، نور أبيض دافي بدأ يخرج من صدر كريم ويدخل في المخطوطة، وبدأت الكفة التانية تتحرك. الوحوش والشياطين اللي كانوا مستنيين فوق "الدوامة" بدأوا يزأروا بجنون لأنهم حسوا إن الفريسة هتفلت من إيدهم. واحد من الجن الطيار اخترق نفق الهواء وحاول يضرب المخطوطة بضوافره، بس النور اللي طالع من إيد مريم وكريم مع بعض عمل انفجار طهر القاعة كلها. الميزان "طَب" في ناحية اليقين، والكيان الذهبي انحنى ببطء وهو بيتحول لرماد، وظهرت وراه "بوابة" مرسوم عليها عين زرقاء بتبرق. مريم وكريم والكل انجذبوا لداخل البوابة بقوة دفع جبارة، وفجأة حسوا بملمس الرمل السخن تحت جسمهم بدل مية الزئبق الباردة. فتحوا عينيهم ولقوا نفسهم في مكان جاف تماماً، والضلمة فيه ليها "هيبة" قديمة. مريم بصت حواليها لقت المخطوطة لسه في إيدها، بس النقوش اللي عليها اتغيرت تماماً وبقت هيروغليفية بتنور بلون أزرق خافت. هما دلوقتي في "وادي الملوك" بالأقصر، وتحديداً في ممر سري تحت الأرض ملوش وجود في الخرائط. الجدران كانت مليانة صور لملوك مصر وهما بيحاربوا كائنات تشبه اللي شافوها في المغرب، وكأن التاريخ بيعيد نفسه. خالد ولع كشافه وبدأ يقرأ الرموز اللي على الحيطة بصوت مرعوب: "المخطوطة دي مش بس سجل ذنوب.. دي 'مفتاح العبور' بين العوالم. إحنا عدينا المغرب، بس هنا في أرض الملوك.. الحساب هيكون بالدم مش بالكلمات." فجأة، الممر كله اتهز وصوت "زحف" تقيل بدأ يقرب منهم من جوه المقبرة، والشموع اللي كانت مطفية من آلاف السنين ولعت لوحدها بنار زرقاء، وكأن "حارس المقبرة" فاق من نومه بمجرد ما شم ريحة المخطوطة اللي مريم شايلاها. زياد كان واقف في ركن بعيد في الممر المظلم، ملامحه اللي كانت دايماً ضحكتها سابقة كلامها، بقت ذابلة ووشه شاحب زي المومياوات اللي حواليهم. فجأة، الهوا في المقبرة برد بشكل مفاجئ، ومن قلب الضلمة، بدأت تتشكل خيالات دخانية، لحد ما ظهرت سارة. كانت واقفة بطلتها اللي يعرفها، بس عيونها كانت غايبة، وشها مفيش عليه أي تعبير بشري. بدأت سارة تتمشى حواليهم ببطء، وتمرر صوابعها على الحيطان المنقوشة، لحد ما وقفت قدام زياد، وبدأت تلاعب خصلة من شعره وهي بتبتسم ابتسامة مريبة. "ليه يا زياد؟ ليه كنت بتداري حبك ده كله؟ طول الوقت اللي قضيناه مع بعض، كنت بتشوفني وبتحس بيا، بس لسانك كان مربوط بخوف غبي.. كان نفسي أسمعها منك قبل ما الدنيا تضيق بينا." المجموعة اتجمدت في مكانها، الصدمة خلت الكل ميبقاش عارف يتنفس، وكريم ومريم نسوا حتى المومياء اللي بتهدد حياتهم وبصوا لزياد بذهول. زياد عيونه دمعت، ووشه احمر من الوجع، صوته كان طالع مخنوق: "كنت خايف.. كنت خايف أكسر صداقتنا وتضيعي مني قبل ما أملكك. كنت مستني اللحظة الصح، اللحظة اللي أقدر أقدم لك فيها كل حاجة." سارة ضحكت ضحكة هزت أركان المقبرة، وطلبت منه ببرود: "الخاتم اللي في شنطتك يا زياد.. الخاتم اللي كنت محوش تمنه عشان تطلب إيدي. طلعه.. ولبسهولي هنا، دلوقتي، قدام الكل." زياد، وكأنه تحت تأثير سحر ملوش مفر، بدأ يمد إيده ناحية شنطته ببطء وارتعاش، وبدأ يسحب علبة صغيرة مخملية. في اللحظة اللي كان هيفتح فيها العلبة عشان يلبسها لـ "الخيال" اللي واقف قدامه، ياسين اتنطط عليه زي الأسد وهجم على إيده وقفلها بعنف، ووقع الخاتم على الأرض في وسط الرمل. "أنت اتجننت يا زياد؟ أنت مش شايف سارة اللي قدامك دي مين؟ دي مش هي، دي روح محبوسة بتلعب بأعصابك عشان تاخدك معاها للقاع!" ياسين كان بيزعق وهو بيحاول يفوّق زياد، بس زياد انهار على ركبه، وبدأ يلم الخاتم من الرمل وهو بيضمّه لصدره، وبدأ يعيط بوجع قلب، عياط حد مكسور لدرجة مش قادر يقوم. "أنا بحبها! بحب كل حتة فيها، بحب التراب اللي كانت بتمشي عليه!" زياد صرخ وهو بيضرب الأرض بإيده. "من وقت ما اختفت، وأنا بحس إني عايش في جنازة روحي.. كل لحظة بتمر عليا وهي مش معايا، قلبي بيتحرق حرفياً، كنت مستعد أبيع الدنيا كلها عشان أقولها إني بعشقها!" سارة فضلت واقفة مكانها، بتبص لزياد بـ "شفقة" باردة، وبدأت تتحول لـ دخان تاني وهي بتقول بصوت خافت: "المحبة في الدنيا دي يا زياد تمنها غالي.. واللي بيحب بجد، لازم يدفع تمن البقاء." المقبرة بدأت تتهز بعنف، وصوت الزحف اللي كان بعيد بقى قريب جداً، كأن كلام زياد ودموعه فتحوا باب تاني للموتى عشان يخرجوا ويحاسبوا الكل. المقبرة بدأت تضيق عليهم، والحيطان المنقوشة بدأت "تعرق" مية سودة بريحة الموت. زياد كان لسه ساجد على الرمل، بيحضن علبة الخاتم كأنها طوق نجاة، ونحيبه مكنش بيخلص. فجأة، الهوا اللي كان بارد اتحول لنار، والشموع الزرقاء اللي ولعت لوحدها بدأت تطلع لهب عالي رسم ظلال مرعبة للمومياء اللي بدأت تظهر من ورا عمود ضخم. المومياء مكنتش بتمشي، كانت بتتحرك كأنها "بتسبح" في الهوا، وجلدها الملفوف بالكتان المهري كان بيطلع منه ذرات رمل بتلسع الوش. المخطوطة اللي في إيد مريم بدأت تنبض بلون أحمر دموي، وكأنها بتستجيب لوجع زياد. (المواجهة) المومياء وقفت قدام زياد اللي مش قادر يرفع عينه، وصوتها طلع زي حفيف شجر ناشف: "الحب في حضرة الملوك جريمة.. والدموع اللي بتنزل هنا بتغذي الشياطين اللي مستنية تحت رجليكم. سيب الخاتم.. وخد روحها." زياد رفع راسه، وعيونه كانت غرقانة دموع بس فيها "لمعة جنون": "مش هسيبها.. لو هي روح، أنا هبقى خيالها! أنتم ملكوش حكم على قلبي!". في اللحظة دي، مريم حست إن المخطوطة بتسحب طاقتها، الرموز الهيروغليفية بدأت تطير من الورق وتلزق على حيطان المقبرة، وبدأ الممر يتفتح ويظهر وراه "سرداب" غريق بالضلمة. مريم صرخت: "زياد! ياسين! اتمسكوا ببعض! المقبرة بتبلعنا!". ياسين شد زياد من هدومه بعنف وهو بيحاول يفوّقه: "قوم يا زياد! سارة ماتت! اللي قدامك دي لعنة! لو مخرجناش دلوقتي، هنبقى تماثيل جنب المومياء دي للعمر كله!". فجأة، المومياء مدت إيدها "العضمية" ناحية الخاتم اللي في إيد زياد، فخرج من المخطوطة شعاع أزرق صدم إيد المومياء وخلاها تتراجع بصرخة هزت الجبل كله فوقيهم. مريم استغلت الفرصة وشدت كريم من إيده وجريوا ناحية السرداب اللي اتفتح، وياسين شايل زياد اللي كان شبه غايب عن الوعي. وهما بيجروا في السرداب، بدأت الحيطان "تطبق" عليهم، وصوت ضحكة سارة كان لسه بيطارد ودن زياد وهي بتقوله: "مستنياك في وادي الجن يا زياد.. هناك الخاتم هيلبس صباعي بجد." وصلوا لنهاية السرداب ولقوا نفسهم بيقعوا في "بئر" غويط ملوش قرار، مريم فضلت ماسكة المخطوطة وهي بتنور ليهم وسط السقوط المرعب ده، لحد ما لمسوا أرض صلبة.. بس المرة دي، الأرض مكنتش رمل، كانت "بلاط رخام" قديم، وصوت "أدان" بعيد بدأ يوصل لمسامعهم وسط سكون الليل. خالد فتح عينه بصعوبة، وبص حواليه لقى مآذن وقباب قديمة تحت ضوء القمر: "إحنا في القاهرة؟ لا.. دي مش القاهرة.. دي 'مصر القديمة' بس في زمن تاني خالص." زياد كان لسه مرمي على الرخام، أنفاسه بتطلع بصعوبة وهو ضامم علبة الخاتم لصدره كأنه بيحضن جثة سارة. "مصر القديمة" كانت مرعبة، المآذن عالية وشاهقة بس لونها أسود كحل، والشوارع ضيقة لدرجة تخنق الأنفاس، والسكوت اللي فيها مكنش هدوء، كان "ترقب". فجأة، صوت الأدان اللي كان بعيد بدأ يتغير، الحروف بدأت تتداخل وتتحول لـ "همهمات" غير مفهومة، وكأن المآذن هي اللي بتتكلم بلغة الجن. وفجأه، الهوا اتجمد، وظهرت سارة من ورا قبة جامع قديم، كانت ماشية بخطوات بطيئة، ولابسة فستان أبيض طويل بيجر وراها على الرخام، بس المرة دي كانت بتعيط.. دموع حقيقية نازلة على وشها. راحت لزياد ووقفت فوق راسه، وقالت بصوت يقطع القلب: "ليه يا زياد؟ ليه سيبتني هناك؟ أنا استنيتك كتير في الضلمة، كنت بسمع صوتك وأنت بتضحك مع أصحابك وأنا بيتمزق جسمي كل يوم.. لو بتحبني بجد، تعالي لبسني الخاتم ده، وخدني معاك." زياد رفع عينه، ولمع فيها بريق مكسور، قام ببطء وهو بيطلع الخاتم من العلبة، إيده كانت بتترعش والدموع مغرقة وشه. ياسين أول ما شاف المشهد ده، صرخ فيه: "زياد! دي مش سارة! بص لرجليها! بص لظلها على الرخام!" زياد مكنش سامع، كان مسحور بنظرة عينيها. لسه بيمد إيده عشان يلبسها الخاتم، لقى "ظفر" طويل أسود بدأ يخرج من صباع سارة، ووشها بدأ يتشقق ويظهر من تحته جلد "قشري" زي التعبان. مريم صرخت ورفعت المخطوطة في وش سارة، فطلع منها شعاع أبيض حرق الهوا بين زياد وبينها. سارة (أو الكيان اللي واخد شكلها) صرخت صرخة هزت المآذن، واتحولت لـ كائن ضخم بجناحات مكسرة وعيون مفيهاش نني، وبصت لزياد وقالت بصوت غليظ: "الخاتم ده بقى 'نذر'.. وبمجرد ما فكرت تلبسهولها، بقيت ملكنا يا ابن آدم." زياد انهار على الأرض وبدأ يضرب راسه في الرخام وهو بيصرخ بجنون: "أنا بعشقها! أنا بموت من غيرها! يا رب خدني ليها بس بلاش الوجع ده!".. قلبه كان بيتحرق فعلاً، وكان حاسس إن روحه بتتسحب من جسمه مع كل شهقة عياط. خالد مسك زياد من كتافه وهزه بعنف: "فوق يا زياد! إحنا في 'بوابة الفسطاط'.. ده المكان اللي الجن بيستخدموه عشان يعبروا من زمن لزمن. سارة اللي شوفتها دي هي 'القرينة' بتاعتها اللي اتلبست بشرّ المكان. لازم نتحرك، المخطوطة بتقول إن البوابة الجاية في 'وادي الجن' بالسعودية، ولو مخرجناش من هنا قبل الفجر، هنفضل محبوسين في مصر القديمة دي للأبد!" وفجأة، الأرض بدأت تتهز، والرخام بدأ يتكسر ويطلع منه "نخل" محروق، وصوت ضحكات سارة بقت تملا المكان من كل ناحية، وكأنها بتقولهم: "الرحلة لسه بتبدأ.. والوجع اللي شفته في المغرب، مكنش غير فاتحة شهية للي هتشوفوه في السعودية." الجو في "بوابة الفسطاط" بدأ يضيق، والضباب اللي طالع من الأرض مكنش مجرد بخار، كان "خيوط" من دخان أسود بيحاول يلف على رجليهم ويجرهم لتحت الرخام. زياد كان لسه في حالة ذهول، الخاتم الملعون في صباعه بدأ يغير لون جلده للرمادي، وكأنه بيمتص حياته ببطء. خالد كان عارف إن الوقت بيخلص، وبص لمريم اللي كانت ماسكة المخطوطة زي ما تكون ماسكة طوق نجاة وسط إعصار. "مريم! المخطوطة بتشاور على إيه؟ إحنا محتاجين نخرج من هنا، الفجر قرب يطلع، ولو طلعت الشمس وإحنا لسه في الزمن ده، هنتبخر زي بخار المية!" مريم فتحت المخطوطة اللي كانت أوراقها بتتحرك لوحدها، والرموز الهيروغليفية بدأت تتجمع وتترتب في شكل "بوصلة" بتشاور ناحية قبة الجامع اللي طلعت منه سارة. "خالد، البوصلة بتقول إن البوابة مش مكان، البوابة 'حالة'.. لازم نعدي من وسط الصرخة." زياد قام بضعف، صوته كان متغير، باهت ومكسور: "صرخة إيه؟ أنا سمعت صوتها.. كانت بتبكي، كانت بتناديني." ياسين مسكه من هدومه بعنف، وعيونه كانت لسه مليانة أثر الحرق اللي سابه كيان "هالة" في رقبته: "دي مش سارة يا غبي! دي كانت بتستدرجك عشان تلبس الخاتم وتتطبع بختمهم! بص لصباعك، الخاتم ده بقى جزء من لحمك، ولو فضلنا هنا، هيسحبك للقاع معاهم." وفجأة، القبة اللي بيشاوروا عليها بدأت تنهار لجوه، وظهر منها فراغ "فضي" بيلمع، وكأنه مراية عاكسة لصحراء قاحلة. ده كان طريقهم للسعودية. بس عشان يوصلوا له، كان لازم يمشوا في طريق كله "أشلاء ذكريات". وهما بيتحركوا، الأرض تحت رجليهم بدأت تعرض مشاهد من حياتهم: شاشات بتعرض لحظات ضعفهم، خوفهم، وذنوبهم اللي حاولوا يداروها. سمعوا أصوات أحبائهم اللي فقدوهم وهما بينادوا عليهم من قلب الحيطان. كل خطوة كانت بتكلفهم "جزء من روحهم". مريم وهي بتعدي، حست بحد بيمسك كتافها، لفت لقت "كيان" شبهها بالظبط، بيبص لها بسخرية: "يا ترى مريم اللي بره، هي اللي شجاعة، ولا مريم اللي هنا هي الحقيقة؟" مريم سكتت ومردتش، غمضت عينيها وشدت المخطوطة على صدرها، وقالت بصوت واطي: "أنا مش هسمح لكم تكسروني." وصلوا عند حرف البوابة الفضية، بس اللي وقفهم مكنش كيان ولا وحش، كانت "سارة" واقفة قدام البوابة، بس المرة دي كانت واقفة بجمود، وشها مفيش عليه أي تعبير، وبيدها "سلسلة" مرتبطة بـ "هالة". سارة بصت لزياد وقالت بصوت ميت: "عشان تعدوا للوادي.. واحد منكم لازم يفضل هنا، يحرس البوابة دي ويشيل ذنوب الكل. مين فيكم اللي يقدر يضحي؟" السكوت خيم على المكان.. الصدمة شلتهم، والوقت كان بيسرقهم، والشمس بدأت تبان خيوطها الأولى في الأفق البعيد.. الفجر كان على الأبواب. الشمس بدأت تشق سواد السما بخيوط ضعيفة، وبوابة الفسطاط بدأت تتهز وكأنها بتلفظ أنفاسها الأخيرة. سارة كانت واقفة قدام الفراغ الفضي، عينيها مفيهاش نني، بس صراخها كان بيوصل لقلب زياد قبل ودنه. "تعالى يا زياد.. الوادي ملوش أمان من غيرك.. والخلود مش هيحلى إلا وأنت جنبي." زياد كان واقف على حرف الرخام المكسور، الخاتم الملعون في صباعه بدأ يطلع منه خيوط سوداء زي الشرايين، وبدأ ينهش في جلده ويوصله لنبض سارة "المزيفة". ياسين حاول يمسكه، صرخ فيه وهو بيتحسس حرق رقبته: "زياد لا! دي مش سارة، دي فخ عشان تسحب روحك وتتحبس هنا للأبد!" لكن زياد كان في عالم تاني.. عالم مسمعش فيه غير صوت سارة وهي بتبكي دم وبتقوله: "هتستنى لما يقتلوني تاني؟". في لحظة جنون انتحارية، زياد بص لأصحابه بابتسامة "ميتة"، ابتسامة حد قرر إنه يخلص من وجعه للأبد. "محدش فيكم حس باللي أنا حسيته.. روحي كانت بتتحرق كل يوم وهي بعيد.. لو تمن إنها تهدى هو أنا.. فأنا موافق." وبدون سابق إنذار، وبسرعة مالحقش حد فيها يوقفه، رمى زياد نفسه في حضن سارة. أول ما لمسها، سارة مكنتش ناعمة ولا دافية؛ اتحولت لكتلة من "الأشواك السوداء" والضباب البارد اللي لفّ جسمه بقوة. زياد صرخ صرخة وجع هزت مآذن الفسطاط، والدموع نزلت من عينه لمست وش سارة المشوه، وفجأة انفجرت البوابة بنور "أرجواني" غطى المكان كله. ياسين ومريم وكريم انطردوا لورا بقوة الدفع، وهما شايفين زياد بيختفي جوه حضن الكيان، والبوابة بتقفل وراه ببطء. آخر حاجة شافوها كانت "العلبة المخملية" بتاعة الخاتم وهي بتقع من إيد زياد على الرخام البارد، والباب اتقفل تماماً. حلّ سكون مرعب.. مفيش أثر لزياد، ولا أثر لسارة. خالد قام بصعوبة، بص للأرض لقى علبة الخاتم "فاضية"، وبص للمخطوطة في إيد مريم لقاها بتنور بلون "أحمر قان" وكأنها شربت من دم زياد. خالد (بصوت يرتجف): "زياد ضحى بنفسه عشان يفتح لنا الطريق.. هو فدى الكل بوجعه." مريم وقعت على ركبها وهي بتصرخ باسمه، بس الرد جالهم من بعيد.. من ورا حدود الجبال.. صوت رياح "نجد" القوية وهي بتهب عليهم، والمخطوطة بدأت تطلع كلمات جديدة بلغة أهل الجزيرة: "إلى وادي الجن.. حيث يُدفن الأحياء وتُبعث الخطايا." السقوط من بوابة الفسطاط مكنش مجرد نقلة في المكان، ده كان كأن الأرض اانشقت وبلعتهم في فراغ ملوش آخر، لحد ما خبطوا خبطة كتمت نفسهم في رمل سخن وناعم لدرجة تخنق الصدر. مريم فتحت عينيها وهي بتكح تراب وبتحاول تتنفس، لقت الشمس حامية وحارقة فوق راسها بشكل غريب، مفيش مآذن، مفيش قباب، ومفيش أي أثر لزمن مصر القديمة. إحنا بقينا في قلب صحراء واسعة مفيهاش آخر، والجبال المحاوطاهم كان لونها أسود كحل، كأن الصخر بتاعها اتطبخ في نار جهنم من آلاف السنين. كريم قام بصعوبة وهو بيمسح الرمل اللاهب عن وشه، وبص حواليه برعب وصدمة وهو بيصرخ: "إحنا فين؟ وزياد.. زياد فين يا خالد؟! إزاي سيبناه هناك؟!" خالد كان قاعد على ركبه، وشه باهت وعرقان، بص للأرض ومردش.. الصمت بتاعه كان الإجابة المرعبة اللي كريم مش عايز يسمعها. زياد خلاص بقى جزء من الماضي ومن بوابة الفسطاط، بعد ما رمى نفسه في حضن الكيان وضّحى بنفسه عشان يفتح لهم طريق النجاة. في الركن التاني من الرمل، كان ياسين ساجد، مكنش بيعيط ولا بيصرخ، كان بيترعش بجنون كأن فيه كهربا ماشية في جسمه، وإيده منكمشة بعنف على رقبته. مكان الحرق اللي سابه كيان "هالة" في الفسطاط مكنش جرح عادي، ده كان لسه بيطلع منه نبض أحمر خفيف تحت الجلد، كأن اللعنة لسه صاحية وجريت في دمه. ياسين بص للرمل وصوته طلع مرعوب ومشرخ: "هو خد زياد عشان يفتح الباب.. الدور عليا أنا.. أنا سامع فحيح تحت الرمل ده بيقول إن أرض السعودية مش هتسيبني، وهتشرب من دمي عشان ذنب هالة." مريم حاولت تقرب منه وتطمنه وتشد إيده من على رقبته، بس أول ما خطت خطوة واحدة، المخطوطة اللي في إيدها بدأت "تسخن" فجأة بشكل مرعب لدرجة حرقت صوابعها. الورق القديم بدأ يتحرك لوحده ويويل بين إيدها، والرموز الهيروغليفية بدأت تتمسح وتسيح زي الحبر تحت الهوا السخن، وبدأ يظهر مكانها نقوش تانية خالص.. رموز غائرة وشبه الحروف العربي القديمة (الخط المسند) بس مرسومة بطريقة مريبة ومكتوبة بلون بيلمع زي "مية الذهب". خالد جرى على مريم وبص في المخطوطة وعيونه وسعت من الخوف تحت جفونه التعبانة من حرارة الشمس: "المخطوطة دي ملعونة.. دي بتتبدل وتتأقلم مع لغة وطبيعة المكان اللي إحنا فيه! إحنا خلاص بره مصر.. إحنا في 'وادي الجن' في السعودية.. المكان ده الهوا فيه مقلوب، والجاذبية فيه مش مظبوطة، والجن هنا مش عمار مكان ولا قرناء زي اللي شفناهم.. إحنا هنا في قلب العاصمة بتاعة ملوك الجن السبعة." فجأة، الهوا السخن الحارق اتقلب لعاصفة رملية شديدة عمت عنيهم، بس الرمل مكنش بيطير عشوائي مع الريح.. الرمل كان بيتجمع ويعمل "حواجز" عالية وعواميد بتلف حواليهم عشان تقفل عليهم طريق الرجوع وتحاصرهم في مكانهم. ومن بين جبلين سود، بدأوا يسمعوا صوت "حوافر خيل" تقيلة جداً بتهز الأرض وبتجري بسرعة مرعبة ناحيتهم، ومعاها صوت طبول حرب بتدق من تحت الرمل اللي واقفين عليه، كأن الجبل نفسه بيتنفس غضب وعايز يبلعهم. ياسين وقف فجأة في وسط العاصفة، جسمه اتصلب تماماً وإيده نزلت من على رقبته كأنه مبقاش يحس بالوجع. الحرق اللي في جلده بدأ "يتفتح" ويطلع منه دخان أسود ريحته زي الكبريت والموت. عيون ياسين قلبت لـ سواد كامل ملوش نني، وبص ناحية السراب والخيالات اللي بتتشكل وسط الرمل، وصوته طلع طبقات فوق بعضها، مكنش صوته البشري الحقيقي اللي أصحابه يعرفوه: "الملك 'شمهورش' مش عايز الورق.. الملك عايز القربان اللي دمه ملوث بالندم والخيانة!" كريم شد مريم ورا ضهره وهو بيطلع تنهيدة رعب، وخالد ثبت رجله في الرمل بالعافية وهو شايف الخيالات السوداء بتاعة الفرسان بتقرب منهم وتشق العاصفة شق، وعيون خيلهم قايدة نار.مرت أربع شهور كاملة على الخروج الملعون من بطن الوادي. أربع شهور والزمن الجديد بيدوس على اللي باقي من أرواح الأبطال من غير أي رحمة. في مستشفى الأمراض النفسية والعصبية، كانت حالة خالد بتسوء أكتر وأكتر يوم عن يوم. المهدئات والجرعات اتضاعفت، بس الفحيح في ودانه مكنش بيبطل، وجدران أوضته البيضا بقت مراية بتعرض له وشوش أصحابه الخمسة وهم بيتفحموا، عشان يعيش في جحيم ملوش آخر بسبب ذنب طمعه وفضوله المُميت. أما كريم، فكان عايش في شقته الزوجية شبه ميت؛ جثة بتتحرك بالزق. ملمسش حتة عفش واحدة، ولا مسح ذرة تراب. كان بينام على البلاط الساقع وسط التراب، مبيعملش حاجة غير إنه يطلب أكل جاهز ويرمي زبالته في الأركان، وينام تاني عشان يهرب من مواجهة الواقع. دقنه طولت ع الآخر، وعينيه دبلت ودخلت لجوه، مكسور ومحصور في وجع مزدوج: وجع فراق أهله اللي ماتوا بحرقة قلبهم عليه، ووجع حب الطفولة اللي فضل يحلم بيه من صغره، ولما كبر طلع وهم قتله في الآخر وذبحه من الوريد للوريد. وبرغم إن عدي أربع شهور، كريم مهتمش إنه يجيب تليفون أو خط جديد، كان حابس نفسه في العتمة دي لحد ما يموت. وعشان عرف إن ملوش وريث بعد وفاة أهله، اف
الظلام جوة القاعة السفلية بدأ يتكثف ويتحول لكتل سوداء بتتحرك زي العقارب على الحيطان الصخرية. أنفاس أحمد المتقطعة كانت الصوت الوحيد اللي بيصارع السكوت المرعب، ودمه الساخن ساب علامة دائرية وسط التراب. وفجأة، الهوا الساقط في القاعة اتقلب لـ حرارة جهنمية، وريحة كبريت ونار ضربت مناخيرهم. الصخور المدببة في السقف بدأت تسيح وتنزل على الأرض زي الدموع، ومن قلب الحيطة الصخرية، انشقت الأرض وظهر كائن ضخم، طوله بيعدي السقف، ملامحه مصنوعة من لهب أسود وعيونه عبارة عن جمرتين من نار زرقاء بتبرق بشر ملوش أول من آخر. كان ملك من ملوك الجن الأشرار في الوادي الملعون. الملك بص عليهم من فوق لـ تحت بـ نظرة ساخرة هزت كيانهم، وصوته طلع زي صرير الحديد الصدا وهو بيضرب في ودانهم: "أهلاً بالعابرين.. أهلاً بمن ظنوا أن المخطوطة طوق نجاة، وهي في الأصل صك عبوديتكم للوادي." الكائن خطى خطوة، والنار الزرقاء اللي في عينيه اتعلقت بـ مريم المغمى عليها في حضن كريم، وكمل بـ ضحكة فحيح مرعبة: "أرى في عيونكم رغبة بائسة في النجاة.. الرحلة طالت، والجسد الواهن لا يتحمل. ما رأيكم بصفقة؟ عرض لا يُرفض من ملوك الجحيم.. أستطيع أ
طبول الحرب دبت في أركان العالم السفلي ده، والضحكة الجماعية الملعونة لسه بتصم الودان. الجحافل اللي واقفة قدامهم مكنتش مجرد جن عادي.. دول الكائنات اللي حكموا الأرض والبحر والسما قبل خلق سيدنا آدم بآلاف السنين! الجن الشياطين والعفاريت اللي ماليين المكان بدأوا يصرخوا بهستيريا ويشاوروا على الأربعة، كأنهم بيحرضوا الكائنات العظمى دي عليهم ويقولوا لهم: "البشر هنا! الدخلاء في وسطنا!" التحريض اشتغل زي النار في الهشيم.. وفجأة، المدى كله اتقلب لجحيم متحرك. كريم شال مريم اللي كف إيدها لسه بينزف، وزعق بأعلى صوته: "خالد!! أحمد!! اِجرووووا!!" بدأوا يجروا بجنون على الأرض الزجاجية الملساء، ووراهم انطلقت كيانات مرعبة؛ كائنات طائرة بلهب أسود بتنزل من السما زي الصواعق، ومردة بيشقوا الأرض وراهم. ووسط المعمعة دي والزلزال اللي شق المكان.. انفتحت فجوة زمنية في الفراغ، ومن عدم مطلق، ظهر ديناصور ضخم ومرعب، حجمه كفيل يهد جبال، عينه حمراء وشرسة كأن اللعنة هي اللي محركاه من موته، وأطلق زئير شق القلوب قبل الآذان، وبدأ يندفع وراهم بخطوات بتهد الأرض وتطير الصخر. الكل كان بيجري وهو حاسس إن نَفَسه الأخير قرب، ا
العاصفة الرملية مكنتش بتهدى، كانت بتدور حواليهم زي إعصار عاوز يِفصل كل واحد عن التاني. الفرسان السود وقفوا على بعد خطوات قليلة، الخيل مكنتش بتتنفس هوا، كانت بتطلع من مناخيرها رماد أسود بيسقط على الرمل ويحرق الحصى. الفارس اللي في المقدمة، كان طوله مرعب وجسمه متقفل بدرع مصنوع من صخر بركاني، ومكنش ليه وش ظاهر تحت الخوذة، بس صوته لما طلع، دوت معاه الجبال: "من يعبر أرض نجد ومعه كتاب الملوك.. يدفع الثمن من لحمه، أو يرتد خائباً للعدم." ياسين كان لسه واقف في النص، عيونه السودة تماماً متبتة على الفارس، والحرق اللي في رقبته بدأ يسيل منه دم أسود لزج نزل على صدره. كريم حاول يتقدم عشان يشد ياسين من قفاه ويرجعه ورا، بس أول ما كريم رفع رجله، حس إن الأرض بتجذبه بقوة مغناطيسية غريبة.. الجاذبية في الوادي كانت بتلعب بيهم، خطوة واحدة لقدام كانت بتخليه يحس إن جسمه بيتقل بمقدار جبل. مريم صرخت وهي شايفة الدم بيسيل من صوابعها اللي لزقت في المخطوطة: "خالد! المخطوطة بتتحرك.. الحروف المكتوبة بمية الذهب بتطلع لبرة، كأنها بتستدعي حاجة من تحت الأرض!" خالد بص تحت رجليهم لقى الرمل بدأ يتلون بلون الذهب، والرم
السماء فوقهم كانت بلون "الرصاص"، غيوم تقيلة مابتتحركش كأنها مرسومة بزيت أسود. الأرض تحت رجليهم مكنتش رمل، كانت "رماد" ناعم وساقع، كل ما حد يمشي خطوة، رجله تغرز وتطلع غبار ريحته زي ريحة "الورق المحروق". الخمسة اللي فاضلين (كريم، مريم، خالد، أحمد، زياد) ومعاهم ياسين اللي كان شبه الميت، كانوا مرميين في مساحة واسعة مفيش فيها غير "صخور" طالعة من الأرض زي السكاكين. ياسين (وهو بيحفر في الرماد بإيده بهستيريا): "هالة كانت هنا.. أنا لسه سامع صوت صرختها في وداني! يا خالد إحنا لازم نرجع.. البوابة لسه هناك، هالة ممكن تكون لسه عايشة!" خالد (وهو بيشده من كتافه بعنف عشان يفوقه): "فوق يا ياسين! هالة دابت.. هالة بقت هي المفتاح اللي فتح لنا السجن ده! لو رجعت مش هتلاقي غير الرماد اللي إنت واقفه عليه ده." أحمد (وهو بيبص في بوصلة قديمة كانت معاه): "يا جماعة.. البوصلة بتلف 360 درجة مابتثبتش.. مفيش شمال ولا جنوب هنا. إحنا في مكان 'خارج الحسابات'." في الناحية التانية، مريم كانت قاعدة بعيد، ضامة نفسها وبتبص لكريم اللي كان واقف مديها ضهره وباصص للفراغ. مريم كانت حاسة إن الرماد اللي تحتها بيسحبها،
يقولون إن للجبال ذاكرة، وأن بعض الفجوات الصخرية في جبال الريف المغربية ليست مجرد تجاويف طبيعية، بل هي "أفواه" تنتظر منذ أزمنة سحيقة من يجرؤ على إطعامها. هناك، حيث يمتزج الضباب بالصخر، تقبع مغارة "شيكر"؛ ثقبٌ أسود في خاصرة التاريخ، لا يدخله إلا مغامرٌ أو مجنون. ثمانية رفاق، جمعتهم صداقة العمر وروح المغامرة، انطلقوا من صخب "الدار البيضاء" بحثاً عن ليلة واحدة تحت النجوم، بعيداً عن أضواء الحداثة وزحام الحياة. لم تكن في حساباتهم خرائط الجن، ولا طقوس العبور المنسية. كانوا يظنون أن المغارة مجرد جدران صماء سيملؤونها بضحكاتهم وصورهم التذكارية، ولم يدركوا أن للجدار صوتاً، وللنقوش القديمة جوعاً لا يشبع. في اللحظة التي تلامست فيها يد "خالد" مع ذلك الرمز الغامض المحفور في قلب الظلام، لم يفتح مجرد بوابة، بل كسر الختم الذي يحفظ توازن العوالم. فجأة، لم تعد "شيكر" مجرد مغارة في إقليم تازة، بل تحولت إلى برزخٍ يربط بين أطراف الأرض الملعونة، من رمال الصحاري العطشى وصولاً إلى آبارٍ لا قاع لها يسكنها من طُردوا من الرحمة. هنا، تتوقف قوانين الفيزياء، ويصبح الوقتُ عدواً، والظلُّ كياناً يتربص بصاحبه. في