LOGINلم يكن عرض زواجه اعترافاً بالحب، بل كان أمراً بالتحصين. هو الذي يحميها بقسوة الغزاة، وهي التي تداوي جراحه بضمير الطبيبة. صراعٌ يبدأ بخاتمٍ وينتهي بمواجهةٍ وجودية: هل يمكن لـ 'وطنٍ' بُني بقرارٍ عسكري أن يصمد أمام زلزال المشاعر؟"
View Moreخرجت وهي مطأطئة الرأس، وما تزال دموعها تشقّ طريقها بصمت فوق خديها.رفعت عينيها الحزينتين نحو رغد، وظلت تتأملها لعدة دقائق بعينين منكسرَتين، وكأنها تنتظر منها أن تفهمها، وأن تتوقف عن إدارة ظهرها لها... كانت نظراتها تحمل رجاءً صامتًا، وكأنها تقول لها دون كلمات: لا تتركيني وحدي في هذا الرحيل.وفي النهاية، لم تستطع رغد الصمود أكثر.اندفعت نحوها وألقت بنفسها بين ذراعيها، تعانقها بقوة.تعالت أصوات شهقاتهما، وكل واحدة منهما تعبّر عن حبها للأخرى بطريقتها الخاصة.عبير لم تكن قادرة على الابتعاد عنها، ورغد كانت أكثر عجزًا منها عن تركها.أما ياسر، فظل واقفًا بعيدًا، واضعًا يديه في جيبيْه، لا يزال عاجزًا عن استيعاب القرار المفاجئ الذي اتخذته عبير.كيف قررت الرحيل بهذه السرعة؟ وكيف لرغد أن تساندها بدل أن تحاول إقناعها بالبقاء؟!ورباب أيضًا؟!لم يكن لديه أدنى شك في أن هناك أمرًا آخر خلف هذا القرار.كان متأكدًا أن شيئًا ما يقف وراء رغبتها في مغادرة المنطقة والعودة إلى مدينتها؛ فهو يعرفها جيدًا، ويعرف أنها تحب القائد، وأنه ليس من السهل عليها أن تتخلى عنه وتقرر الابتعاد عنه بهذه السهولة.فالدكتورة عبير
بدأت عبير تجمع حاجياتها، بينما ظلت رباب تتبعها من زاوية إلى أخرى، تسألها بقلق عمّا حدث.كان ياسر واقفًا عند باب البيت، شارد الذهن، لا يفهم شيئًا مما يجري، ولا يعرف ما الذي ينبغي عليه فعله. أما رغد، فكانت تقف بعيدًا عنهما، عاقدة ذراعيها أمام صدرها، تراقب ما يحدث بصمت، دون أن تنطق بكلمة واحدة.جمعت عبير كل ما جاءها من عهد، وكأنها تجمع بقايا عمرها معه، ثم أغلقت حقيبتها.غمزت رباب لياسر، ففهم إشارتها، وأغلق باب البيت، ثم عادت إليها، وأمسكت بيدها لتوقفها. أدارتها نحوها حتى أصبحتا متقابلتين، وأخذت تحدّق في وجهها بقلق.رباب: ما الذي يحدث؟ إلى أين أنتِ ذاهبة؟عبير [وهي تبكي]: أريد أن أرحل، يا أختي.لم تحتمل رباب رؤيتها بتلك الحالة، فعانقتها إليها، وما إن ارتمت عبير بين ذراعيها حتى أطلقت العنان لدموعها. شدّت عليها بقوة، ودفنت رأسها في عنقها وهي تبكي وتشهق، بينما راحت رباب تربّت على ظهرها بحنان.رباب: ماذا حدث، يا حبيبتي؟ ما بكِ؟وبسرعة، بدأت عبير تخبرها بكل ما حدث، وكانت رباب في كل مرة تسمع فيها كلمة جديدة من عبير، تشعر بصدمة أشد من التي سبقتها.أوجعها حالها، وأحزنها ما تمرّ به، حتى وجدت نفسها
كانت تضمّ رغد إليها بقوة، وتتشبث بها وكأنها تخشى أن تفلت من بين يديها، بينما راحت تتحدث بهستيريا، ونبرتها مثقلة بالاختناق، مغلوبة على أمرها... كان في صوتها شيء موجع، شيء يشبه صرخةً حُبست طويلًا في أعماق صدرها.ومن بين كلماتها، كان بالإمكان الشعور بتلك الغصّة العالقة في قلبها، وبالنيران المستعرة في صدرها. كان القهر قد بلغ بها حدًّا لم تعد معه قادرة على وصف ما يعتمل داخلها، إلا أن ملامحها المنهارة، ونظراتها المكسورة، ودموعها التي لم تتوقف، كانت جميعها تروي عن ذلك الوجع أكثر مما تستطيع الكلمات أن تفعل.عبير: الآن أنا حامل... أي إن لديّ طفلًا منه. لا أعرف كيف سأخبره، ولا كيف سأبتعد عنه... الأمر صعب عليّ، والله، ليس سهلًا أبدًا... لكنني سأقسو على قلبي، وسأضع فوقه جمرة، وأتحمّل مرارة فراقه... المهم أن يكون هو بخير.لا أستطيع أن أتحمّل أن أراه يعاني بسببي، ثم أبقى صامتة أتفرج عليه... وهذا الجنين الذي بيننا، ساتخلى عنه.أبعدتها رغد عنها فجأة، واتسعت عيناها بصدمة، وكأن الكلمات التي سمعتها للتو لم تدخل عقلها بعد.رفعت يدها، وفي لحظة غضب امتزجت فيها الصدمة بالخوف، هوت صفعة حارّة على وجه عبير، فا
لم تدرِ كيف ولا متى وجدت نفسها عند تلك البحيرة التي اعتاد عهد وعلي الجلوس بجانبها.. كانت شاردة تتبع خطواتها الوهنة، حتى وجدت نفسها تجلس على صخرة قريبة، منكمشة على ذاتها، وعيناها تتأملان صفاء الماء المنساب من أعلى الصخر.سرحت في أفكارها تفكر وتتأمل، حاسة أن خاطرها عاش في دقيقة واحدة عمراً كاملاً. كلمات ليلى لمست روحها، ليس لأنها ضعيفة وتتأثر بأي حديث، بل لأنها شعرت بصواب كلامها؛ فمنذ أن وطأت قدمها هذه المنطقة، والمشاكل تلاحق عهد دون توقف.كان عليه أن يتزوج بها رغماً عنه ليحميها من السلطات العليا.. وكان عليه أن يحميها من أحقاد عمر ومن غيرات ليلى.. وكان عليه أن يصونها من ذلك الوحش الذي سلبها والديها.ربما كان هذا هو الحل الوحيد الذي تستطيع من خلاله حمايته هي الأخرى، فبُعدها عنه هو أقل مساعدة يمكن أن تقدمها له، ولعلها بذلك تجازيه على كل ما قدمه من خير لأجلها.شعرت بيد تُوضع على كتفها، فأفاقت من غفلة أفكارها فزعة، وتلفتت إلى الخلف بسرعة، لكنها اطمأنت حين وجدت رغد تقف وراءها.ابتسمت لها رغد وقالت بنبرة خافتة: "أخيراً وجدتكِ.. قضيت وقتاً وأنا أبحث عنكِ!"عادت عبير لتنظر أمامها، وأجابت
ما إن سمعت عبير صوته الرزين حتى استعادت رباط جأشها واعتدلت في جلستها، أما رباب فقد رفعت رأسها نحوه وبقيت فاغرة فاها بذهول؛ وضعت يديها على صدرها وتراجعت قليلاً إلى الخلف فوق الأريكة، تتفحصه من رأسه إلى أخمص قدميه بدهشة لم تستطع إخفاءها.عبير بارتباك: "هذه صديقتي.. اسمها رباب، وهي طبيبة متدربة ومسا
عمر: "أتمنى ألا أكون قد تسببتُ لك في أي مشكلة بينك وبين زوجتك يا سيادة القائد."سحب عهد نفساً عميقاً وزفره بهدوء وكأنه يتنهد، وحاول تغيير مساره متجاهلاً إياه، لكن الرائد لم يكتفِ بذلك، بل استوقفه قائلاً:— "لماذا تتعامل ببرود، في حين أن زوجتك أنقذت ألد أعدائك؟"جمع عهد ملامحه وثبت نظره للأمام، ب
رغد: "ولكن ما الذي جعل السيد عمر ينفعل ويسقط مغشياً عليه؟ لقد حفظه الله ونجاه لأن زوجة أخي كانت معه.. وإلا لكنّا الآن نصلي على جنازته (ضاحكة)."ضحكت ضحكة خفيفة على كلامها، بينما هز سعد رأسه بالإيجاب موافقاً إياها:— "فعلاً.. ماذا قلت له يا عهد؟"وضع عهد الشوكة من يده ببرود، وسحب منديلاً ورقياً ي
غاب فكرها وانغمست في حروف الكتاب التي لامست شغاف قلبها، ووجدت في سطوره راحة لم تعهدها منذ ليلة أمس.. كانت الكلمات تداعب أحاسيسها حتى أفزعها صوت طرقات عنيفة على الباب.قفزت في مكانها، وأفلتت الكتاب من يدها ليسقط بجانبها على الأريكة؛ ولحسن حظها، سقط بصمت لم يثر أي جلبة. وقفت متجمدة، وتساؤلات قلقة ت
reviews