Masukامتدت أصابع توماس البطئية لتلامس خده الأيسر بحذر، حيث تركت صفعتها النارية أثراً محموماً ولسعة حارقة تكوي الجلد. لم يتحرك ولم يبدِ أي رد فعل غاضب فوري كما اعتادت أن تراه؛ بل ظل واقفاً مكانه لثوانٍ معدودة، وعيناه الداكنتان تخترقان عمق روحها بنظرة غامضة، ثقيلة، ومشبوبة ببرود مرعب ينذر بعاصفة هوجاء تكبت تحت أغطيتها ما لا تحمد عقباه. تحرك بخطوات بطيئة ومتعمدة، كحيوان مفترس يقترب من فريسته في أمان تام، حتى أصبح خلفها مباشرة دون أن تشعر. شعرت بحرارة أنفاسه اللاسعة تقترب من أذنها وتداعب خصلات شعرها المبعثرة، ليهمس بصوت، خافت، وعميق يحمل في طياته تهديداً صريحاً يزلزل الأوصال: "احذري جيداً يا روز.. صفعتكِ هذه قد مررتها بمزاجي للمره الثانيه ، لكن اعلمي أن الصفعة أو التمادي التالي ستكون نتيجته قاسية وعنيفة لا تملكين احتمالها؛ لأنني حينها.. سأصفعكِ بطريقة أخرى تماماً، طريقة لا تتخيلينها، وستكون بعيدة كل البعد عن وجهك الجميل!". جمد الدم في عروقها، واقشعر جسدها بأكمله كأن تياراً كهربائياً عالياً قد سرى في مفاصلها. استدارت إليه فجأة بكل قوتها، واتسعت حدقتا عينيها الغاضبتي
هبط توماس درجات السلم الفاخرة للفندق بسرعة جنونية ، وكأن الأرض تميد من تحته؛ جاب أروقة البهو والشارع الخارجي بعينين متقدتين وغاضبتين، يبحث عنها في كل زاوية ووجهة وكأنها تبخرت في الهواء تماماً ولم تعد لها أثر. توقف في منتصف الرصيف الخارجي، وضرب بيديه المشتعلتين جدار الحائط بغيظ وقهر عارم يكاد يعصف بكيانه، ثم استقل سيارته السوداء وأطلق العنان لمحركها، منطلقاً يفتش كالـمجنون في الشوارع الجانبية المحيطة بالفندق، يفتش يميناً ويساراً بلا هدى، لكنه لم يجد لها أثراً وكأن الأرض انشقت وأبلعتها. قاد سيارته متوجهاً بمرارة نحو الفيلا، بينما كان قلبه ينبض بعنف يمزق صدره، ليس من الخوف بل من قلق وارتباك مرير؛ كيف سيواجه أمه المريضة الآن وماذا سيفعل بشأن طفلتيها؟ هل تجمد قلبها ونسيت التوأم لتتركهم غير مبالية؟ لكنه يعلم يقيناً كم تعشقهما بشدة، وكيف أن فرارها لم يكن سوى هرب مستميت من جحيم سيطرته . ظل يلوم نفسه طوال الطريق المرعب: "يبدو أنني ضغطت عليها أكثر من اللازم، ودفعتها لحافة الهاوية.. لكنني لم أكن لألمسها حقاً، كنت فقط أريد ترويض عنادها، لكنني أرهبتها وأوهمتها بأ
احتقن الهواء في الجناح الواسع وأصبح أثقل من أن يتحمله صدرها؛ فحاولت روزالين الهروب من هذا الموقف المرعب بتصنع روح الدعابة والتماسك ، رغم أن أصابعها كانت ترتجف بجنون. رفعت عينيها نحوه وقالت بصوت مشحون بالتوتر: "توم.. أنا أعلم جيداً أنك لست جاداً فيما تقول! هيا، دعني أذهب ولننسَ أمر هذه المزحة السخيفة". لكنه لم يتراجع، بل اقترب منها أكثر وأكثر حتى تلاشت المسافة الفاصلة بينهما تماماً، وأطبقت عليها هيبته الطاغية كالسجن المحكم. انتفض جسد روزالين بأكمله كأن صاعقة كهربائية سرت في أوصالها، وتحشرج صوتها في حلقها الجاف وهي تهمس برعب: "توم.. ماذا.. ماذا تفعل؟! ابتعد عني!". أجابها بصوت خافت، عميق، وبارد كالصقيع: "آخذ ديني بالطريقة التي قدمتيها أنتِ بنفسك سابقاً، بما أنكِ تراجعتي عن الاتفاق وخرقتي قواعده!". لم تكن تكد تستوعب حتى تحركت أصابعه ببطء وبطش متعمد؛ فحركها على وجنتها الناعمة نزولاً نحو رقبتها المرتجفة ، وبحركة خاطفة ومفاجئة، امتدت يده فانزل حمالة فستانها، هامساً بلهجة أمرة وقاسية: "هيا.. اخلعي ملابسكِ!". التقت عيناهما في تلك اللحظة القاتلة ؛ كانت
توجه توماس بخطوات بطيئة ومتزنة نحو سيارته السوداء، ووقف بجوار بابها المفتوح ببرود تام ، منتظراً إياها أن تتحرك وتصعد، وكأنه يملك زمام أمرها بالكامل. جزّت روزالين على أسنانها بغيظ شديد واختناق يكاد يفجر صدرها ؛ فقد نجح في محاصرتها بخبث وأخذ التوأم منه , مما تركها عاجزة تماماً أمامه بلا أي سلاح تدافع به عن نفسها. ورغم العاصفة الهوجاء التي كانت تعصف بداخلها وتكاد تقتلع ثباتها ، إلا أنها تجلّدت وتظاهرة بقوة مصطنعة مذهلة؛ فرفعت رأسها بشموخ وكبرياء، وسارت بخطوات واثقة وثابتة نحو السيارة، لتجلس في مقعدها بجواره بكل إباء، متجنبة أن تمنحه شرف رؤية انهيارها. التفتت إليه بعد أن تحركت السيارة، فسألته بصوت هادئ ومحايد تحاول من خلاله إخفاء رجفة أنفاسها: "إلى أين سنذهب الآن؟ هل سنتبع الصغيرتين إلى القصر؟". لم يجبها بكلمة واحدة، بل استمر في القيادة بوجه جامد وملامح صلبة كالصخر. آثرت روزالين الصمت ولم ترد تكرار السؤال ، عازمة على ألا تظهر أي توتر أو خوف أمامه مهما تكلف الأمر، وظل التوتر الثقيل يلف أجواء المقصورة طوال الطريق حتى توقفت السيارة أخيراً أمام بوابة الفندق الفاخر.
ابتلعت روزالين ريقها بصعوبة بالغة، وكأن ريقها قد تحول إلى زجاج مهشم يجرح حلقها . تصاعدت ضربات قلبها في قفصها الصدري بجنون مطبق، وحبست أنفاسها وهي تشعر بأن حبال الصدمة تلتف حول عنقها بقسوة. بخطوات مرتعشة وأعصاب مشدودة حتى أوشكت على الانفجار، أنزلت كارولين من على يديها بهدوء حذر لتستند الصغيرة بجوارها، بينما كان عقلها يغلي بحثاً عن مخرج وهمي من هذا الفخ المحكم. وقبل أن تكمل تفكيرها في أي حل، حدث ما لم تكن تحسب له حساباً؛ فقد انطلقت جاكي كالفراشة البريئة لتجري نحو توماس، واحتضنت ساقه بقوة وهي تهتف ببراءة طفولية عفوية: "عمو توم! أين كنت طوال هذه الأيام؟ لقد اشتقت إليك كثيراً!". تصلب توماس لوهلة، ثم انحنى برفق بالغ وابتسم بوعي خفي، مقبلاً رأس جاكي بحنان مفاجئ، بينما كانت عيناه الداكنتان ثابتتين وموجهتان مباشرة نحو روزالين الواقفة في الخلف بتسمر، فقال لجاكي بصوت هادئ يحمل طيات من السخرية المبطنة: "كنت مشغولاً قليلاً في الأيام الماضية يا صغيرتي. . ولكن، هل كنتِ ستغادرين المستشفى هكذا دون حتى أن تودعيني؟". قالت جاكي ببراءة تامة وبساطة كشفت كل شيء: "أنا
ظلت روزالين طوال الأيام السبعة التالية غارقة في دوامة خانقة من تأنيب الضمير والصراع الداخلي المرير؛ ففكرة الاستمرار في خداع تلك السيدة العجوز الطيبة، التي غمرتها بحنان أموي نقي لم تذقه منذ رحيل أمها، باتت تثقل صدرها كصخرة من حديد لا تقوى حملها . لقد منحها توماس مهلة أسبوع كامل لتجهيز نفسها وترتيب أمورها ، وهو ذات الأسبوع الطويل الذي قضته كارولين بين أجهزة المستشفى تتأرجح بحذر نحو شاطئ الشفاء . طوال تلك الأيام السبعة الموحشة، كانت روز تنتظر أن يظهر توماس أو يطمئن عليها، لكنه لم يفعل قط؛ لقد اختفى تماماً كأنه أراد أن يترك لها مساحة مطلقة لتنفيذ ما طلبه دون أي ضغط أو ترهيب، وهو الغياب الغامض الذي جعلها تشعر بغصة مريرة ومبهمة تحفر في حلقها كلما تذكرت طريقته الحادة. لكن عقل روزالين المدبر، وتحت وطأة الخوف والوجع ، لم يكن ليستسلم بسهولة لتيار القدر؛ فبينما كانت تترقب بشغف خروج شقيقتها، كانت تنسج في خلوتها المظلمة خطة هروب محكمة و ميؤوس منها في آن واحد. أدركت تماماً وبكامل قواها العقلية أن البقاء المديد في فلك توماس وقصره الفخم سيجرها لا محالة إلى نقطة لا عودة







