LOGINإنزوالاثنين. الساعة الخامسة. أنا راكع على باركيه الغرفة 204.لكن اليوم، شيء مختلف. مختلف جذرياً. السيدة فالوا لا تنظر إليّ. لا تقف أمامي، متوجة ومنتبهة. هي جالسة خلف مكتبها، كومة من الأوراق أمامها، قلم أحمر في يدها. تصحح. عيناها منخفضتان على الأوراق. قلمها يخدش الورق. لا تلقي عليّ نظرة.— ابق راكعاً، إنزو. لا تتحرك. لا تتكلم. انتظر.صوتها محايد، شاردة، وكأن وجودي تفصيل تافه في جدول أعمالها المزدحم. وكأنني مجرد قطعة أثاث من بين أخرى في هذه الغرفة.أطيع. أبقى راكعاً. يداي موضوعتان على فخذيّ، راحتاي للأسفل. ظهري مستقيم. عيناي منخفضتان نحو الأرض. أحدق في عروق الخشب، والعقد الداكنة، وانعكاسات الضوء على الشمع.تمضى الدقائق. بطيئة. ثقيلة. الصمت لا يقطعه إلا صرير قلمها على الأوراق وحفيف الأوراق التي تقلبها. لا تنظر إليّ. لا تخاطبني. قد لا أكون موجوداً. قد أكون غير مرئي. قد أكون في أي مكان آخر، فلن يحدث أي فرق بالنسبة لها.تبدأ ركبتاي بالألم. الخشب القاسي يغوص في رضفتيّ عبر قماش الجينز البالي. الألم خافت أولاً، ثم نابض
إنزوالأسبوع الذي تلى الحصة الأولى كان احتراقاً بطيئاً.كل مساء، في غرفتي، كنت أحبس نفسي مع قصيدة بودلير. كانت الورقة موضوعة على مكتبي، تحت المصباح. خط السيدة فالوا يرقص أمام عينيّ. مستدير، أنيق، مكتمل التشكيل. الحبر الأسود بدا وكأنه لا يزال طازجاً، وكأنها قد كتبته للتو. كنت أمرر أصابعي فوق الورقة دون أن أجرؤ على لمسها، خوفاً من محو شيء جوهري.كنت أقرأها وأعيد قراءتها حتى تتشوش الكلمات، حتى تفقد معناها لتعيد العثور عليه في مكان آخر، في لحمي، في بطني.الخادمة ذات القلب الكبير التي كنتم تغارون منها...كانت القصيدة تتحدث عن امرأة ميتة، خادمة متواضعة ومخلصة. كان الشاعر يستحضر ذكراها بحنان ممزوج بالذنب. كان يندم على أنه لم يحبها بما فيه الكفاية، ولم يعترف بتفانيها. لكن هذا ليس ما أرادتني أن أراه. أرادتني أن أحفر في فكرة الخدمة. التفاني الكامل. الاستسلام لإرادة أعلى من إرادته.خادمة القصيدة لم تكن جارية. كانت حضوراً صامتاً، ظلاً خيراً اختار أن يكرس حياته لآخر. لم يكن خضوعها إكراهاً. بل كان هبة. قرباناً. حرية متناقضة وُجدت في
إينزو — واجبك. طافت الكلمتان في هواء المكتب كتهديد حلو، كوعد. كنت جالسًا متربعًا على الباركيه البارد، العينان منخفضتين نحو ركبتيّ، منتظرًا. راحتاي مبسوطتان على فخذيّ. نفسي قصير لكن منتظم. — في كل درس، إينزو، سأعطيك نصًا لتقرأه. نصًا ستدرسه وحدك، في منزلك، في صمت غرفتك. وستسلمني كتابة. فتحت درجًا من مكتبها. انزلق الخشب على الخشب بهمس. سمعت حفيف أوراق تُحرك. ثم وضعت شيئًا على الخشب الملمع. ورقة، حسب الصوت الخفيف. — يمكنك النظر. رفعت عينيّ. على المكتب، أمامي، ورقة سميكة، شبه هشة. عليها، قصيدة مكتوبة بخط اليد. خطها هي. مستدير، أنيق، مشكل بإتقان. الحبر أسود، عميق. الحروف تبرز على الورق الأبيض بحدة شبه عدوانية. — اقترب. خذها. نهضت. ساقاي لا تزالان مخدرتين من الوقوف الطويل راكعًا. مشيت بتعثر حتى المكتب وأخذت الورقة. الورق ثقيل، شبه هش تحت الأصابع. ورق جودة، غالٍ. عطرها يتخلل الورقة. تلك الرائحة الخشبية التي تلاحقني حتى في أحلامي، التي تسللت إلى كل ركن من ذ
أصابعها انزلقت في شعري. مداعبة خفيفة، شبه شاردة. نزلت على طول رقبتي، راسمة ثلمًا من نار على بشرتي. — هذا ما أريد تعليمه لك، إينزو. الحضور. الانتباه الكامل للحظة. لي. لما يحدث بيننا. لتلك الكيمياء الصامتة التي تعمل عندما تخضع إرادة بحرية لإرادة أخرى. انسحبت أصابعها. فقدان اللمس كان شبه مؤلم. استأنفت مشيها البطيء حولي. كعباها يقرعان بإيقاع على الباركيه. ميترونوم يضبط تنفسي. — معظم الناس يعبرون الحياة دون أن يكونوا حاضرين حقًا. هم دائمًا في مكان آخر. في أفكارهم. ذكرياتهم. مشاريعهم. مخاوفهم. ندمهم. ليسوا هناك أبدًا. ليسوا كليًا أبدًا. يمرون بجانب حياتهم دون أن يعيشوها. عادت لتقف أمامي. كنت أرى قدميها. كاحليها النحيلين المغطيين بالسواد. حاشية فستانها تلامس ركبتيها. رأس حذائها مغروس في الباركيه. — الخضوع الذي سأعلمك إياه، إينزو، هو فن أن تكون حاضرًا كليًا. أن تكون هناك، تمامًا، دون تحفظ، دون هروب. إنه فن صعب. الأصعب ربما. لأنه يتطلب التخلي عن كل ما نتشبث به. كبرياؤنا. مخاوفنا. يقينياتنا. دفاعاتنا.
إينزو — اركع. سقطت الكلمتان في صمت المكتب كحجرين في ماء راكد. بسيطتان. مباشرتان. بلا استئناف. بلا تفسير. بلا تبرير. كلمتان لا تتركان أي مجال للتأويل، أي مهرب. بقيت متجمدًا. دماغي استغرق ثانية، أبدية، لمعالجة المعلومة. اركع. تطلب مني الركوع. أمامها. الآن. هنا. على هذا الباركيه الملمع. — هل هناك ما يزعجك، إينزو؟ صوتها هادئ. محايد. كأنها طلبت مني فتح كتابي على الصفحة مئة واثنتي عشرة. كأن الركوع أمام أستاذتي هو أكثر شيء طبيعي في العالم. — أنا... لا، مدام. — إذن افعلها. ابتلعت ريقي بصعوبة. حلقي صحراء رمل. قلبي يخفق بقوة لدرجة أنني أسمعه في أذنيّ، دوي مكتوم يكاد يغطي ضجيج العالم الخارجي. ساقاي ترتعشان. ثنيت ركبتيّ. ببطء. ببطء شديد. كل سنتيمتر من هذا النزول كان استسلامًا، خضوعًا. قماش جينزي المهترئ شد على فخذيّ. لمست ركبتاي الباركيه الملمع. الخشب صلب، بارد عبر الدنيم. اللمس خشن، غير مريح. وجدت نفسي راكعًا أمامها. رأسي وصل إلى
صادفت مدام فالوا مرتين في اليوم. مرة في الصباح في البهو. كانت تمشي بخطى سريعة، كتاب تحت ذراعها، النظرة مثبتة أمامها. تنورتها الضيقة تحدد وركيها. كعباها يقرعان على البلاط. مرة بعد الظهر في ممر القاعات. كانت تتحدث مع زميل، صوتها هادئ ورزين، ابتسامتها المجاملة. في المرتين، مرت دون أن تنظر إليّ. دون علامة. دون رفة رمش. وكأنني غير موجود. وكأنني مجرد تلميذ مجهول بين الآخرين. لكن المرة الثانية، قبل أن تختفي عند زاوية الممر، ظننت أنني رأيت شفتيها ترسمان ابتسامة. ابتسامة غير محسوسة. شبح ابتسامة لم تكن موجهة سوى لي. رسالة صامتة في ضجيج الثانوية المطبق. تذكير بأنه هذا المساء، في الخامسة، سيبدأ كل شيء. حقًا. هل كانت حقيقية؟ أم مخيلتي التي تلعب بي، ترى علامات في كل مكان، تفسر أدنى حركة لشفتيها كوعد؟ الرابعة والنصف. رن جرس نهاية الدروس. أفرغت الثانوية تدريجيًا. تفرق التلاميذ في مجموعات صغيرة صاخبة، ضحكاتهم وصرخاتهم ترن في الممرات قبل أن تنطفئ شيئًا فشيئًا. عاد الأساتذة إلى سياراتهم واحدًا تلو الآخر. سقط الصمت على المباني كغطاء من رصاص.
سيليايتحرك برشاقة القطط، صامتًا. يدور حولي، وأشعر بعينيه على رقبتي وظهر خصري.- والدك باعك، سيليا. لقد وضع... نزاهتك... كضمان. وخسر.أقبض قبضتيّ، الغضب والإهانة يحترقان في صدري.- لم يكن لديه الحق.- الحق؟ يتوقف أمامي. تفوح منه رائحة خشب الصندل والجلد. القوة. الحق لا علاقة له بهذا. هناك الحقائق. أ
سيليايجلد المطر زجاج شقتي الصغيرة وكأن السماء نفسها تريد أن تغسل عني عاري. أشبك الرسالة المجعدة في يدي، تلك الورقة السميكة الفاخرة التي تحرق بشرتي. ترقص الكلمات أمام عينيّ، حكم بالإعدام أكثر من كونها دعوة."الآنسة ليروي، حضورك مطلوب غدًا، الساعة الثامنة مساءً، في قصر الضباب. سنناقش شروط تسوية دينك
سيلياأدير كعبيّ، ساقاي ترتجفان لكنهما مصممتان. كل خطوة نحو الباب هي انتصار. لا أجرؤ على النظر إلى الوراء.- وداعًا، سيليا، يقول صوته من خلفي، مشوب بوعد غريب. سنلتقي مجددًا. أعدك بذلك.أخرج من المكتب، وأعبر الردهة، وأفتح الباب الأمامي الثقيل. يضربني هواء الليل الرطب على وجهي. أنزل الدرج راكضة، وكأن
كاسيان ليونتنظر. مندهشة كطفلة أمام حكاية خرافية تنبض بالحياة تحت عينيها. عيناها تلمعان أكثر من أضواء المدينة، أكثر من النجوم التي تنعكس في الماء، أكثر من كل ما رأيته في حياتي. تلامس الماء بطرف الأصابع، ترسم سحابات عابرة على سطح القناة. تبتسم للقطط النائمة على درجات القصور، تتنفس بعمق، كأنها تريد ح







