Se connecter
سيليا
يجلد المطر زجاج شقتي الصغيرة وكأن السماء نفسها تريد أن تغسل عني عاري. أشبك الرسالة المجعدة في يدي، تلك الورقة السميكة الفاخرة التي تحرق بشرتي. ترقص الكلمات أمام عينيّ، حكم بالإعدام أكثر من كونها دعوة.
"الآنسة ليروي، حضورك مطلوب غدًا، الساعة الثامنة مساءً، في قصر الضباب. سنناقش شروط تسوية دينك. لا تتأخري: ك."
ك. كاسيان. اسم لم أسمع به قط قبل أن ينهار إفلاس والدي علينا مثل قبر. قبل أن أصبح عملة مقايضة.
ينبض قلبي بإيقاع فوضويعبر أضلعي. الجنون هو أن أذهب إلى هناك وحدي، فهذا يعني السير مباشرة إلى جحر الذئب. لكن النظر إلى أمي، المنهارة، بعينيها المجردتين من أي بصيص بعد إعلان الدائنين... كان أسوأ. عليّ دين. دين من دم ودموع. وهو، كاسيان، اقترح حلاً. حلًا يجمد الدم.
أرتدي ملابسي ببساطة. فستان أسود، متواضع. درع رقيق جدًا للمعركة التي تنتظرني. كل حركة ميكانيكية. أمشط شعري. أمسح الماء على وجهي. أتجنب نظراتي في المرآة. لا أريد أن أرى الخوف في عينيّ.
الطريق بسيارة الأجرة إلى القصر هو ضباب مثير للقلق. تمضي المدينة، ساطعة وغير مبالية. يلقي السائق نظرة قلقة عندما أعطيه العنوان، الضائع في المرتفعات، حيث تصبح الشوارع هادئة والظلال أطول.
- أنت متأكدة، يا آنسة؟
- نعم. صوتي مجرد خيط أجش.يظهر القصر أخيرًا، كئيبًا ورائعًا، حجر داكن يبتلعه الضباب الذي يمنحه اسمه. لا يتسلل أي ضوء خلف النوافذ الضخمة، فقط وهج شاحب فوق الرواق. أدفع أجرة التاكسي، وأصابعي ترتجف. تبتعد السيارة، وصوتها المتلاشي هو صوت آخر رابط لي بالعالم الطبيعي ينقطع.
أنا وحدي.
أصعد الدرجات، قلبي يدق بعنف. قبل أن أتمكن من لمس المطرقة على شكل غرغول، يفتح الباب الثقيل من خشب البلوط بصمت. يقف رجل في المدخل. ليس كاسيان. أعرف ذلك غريزيًا. إنه أصغر سنًا، بعيون رمادية مضطربة تتمعنني بدون نية حسنة ولا عداء، مجرد تقييم بارد. يرتدي بدلة داكنة، لا تشوبها شائبة.
- سيليا ليروي، يقول. ليس سؤالاً.
- نعم. - اتبعيني. السيد كاسيان ينتظرك.سيد. تتردد الكلمة في بهو المدخل الشاسع، بسقفه المقبب. الهواء بارد، تفوح منه رائحة الخشب الملمع وزهرة غريبة، ثقيلة وساحرة. تتردد أصداء خطواتي على الرخام. أتبعه عبر ممر لا نهاية له، مضاء بمشكاوات نادرة تنحت ظلالاً مهددة على الجدران.
يتوقف أمام باب مزدوج.
- إنه بالداخل. لا تنسي لماذا أنت هنا.
يختفي دون صوت. أبقى وحدي، أمام الباب. أستنشق بعمق، آخر جرعة أكسجين قبل الغرق. أدفعه.
الغرفة مكتب، لكنها تشبه قاعة عرش ملك مظلم. كتب من الأرض إلى السقف، نار تتطاير في مدفأة ضخمة، وهو، جالس في كرسي جلدي، وظهره للنيران. كاسيان.
لا ينهض. ينظر إليّ. عيناه هما الأكثر ظلمة التي رأيتها على الإطلاق. قطعتان من الليل. تمسحان بي، ببطء، من رأسي إلى قدمي، وأشعر أنني عارية، منزوعة الأحشاء. كل عيب، كل خوف، كل أمل سري يبدو مكشوفًا على الملأ تحت هذه النظرة.
- اقتربي، سيليا.
صوته عميق، مخملي، يداعب ويأمر في نفس الوقت. يتسلل تحت جلدي. تطيع ساقاي، مرتخيتين. أتوقف على بعد أمتار قليلة منه.
- أقرب.
أخطو خطوتين أخريين. يمكنني الآن رؤية تفاصيل وجهه. عظام الخد المرتفعة، الفك القوي، ندبة خفيفة تعبر شفته العليا. إنه ذو جمال خطر، جليدي. سلاح.
- تعرفين لم أنت هنا.
ليس سؤالاً.
- من أجل الدين، أ همس.
- من أجل الدين، يكرر، كما لو كان يتذوق كلمة. ينهض أخيرًا. إنه طويل، أطول بكثير مما تخيلت.
لورانسطوال الليل.طوال الليل، بقيت واقفة أمام النافذة، بلا حراك كتمثال ملح، الجبهة موضوعة على الزجاج المثلج. انطفأت المدينة ببطء تحت عينيّ، عمارة بعد عمارة، نافذة بعد نافذة، كأن العالم يقبل أخيراً أن ينام بينما أنا، كنت أحترق مستيقظة.كان يجب أن يهدئني البرد. لم يفعل سوى جعل الحريق تحت بشرتي أكثر عنفاً.طوال الليل، حاكمت نفسي. أدنتها. صففت الكلمات كأدلة لا تقبل الجدل، كأحكام لا استئناف فيها.انتهاك.استغلال سلطة.ابتزاز.لقد أجبرني....لقد استفاد من ضعفي.لقد تجاوز خطاً لم يكن يجب تجاوزه أبداً.أعرف ذلك. يجب أن أعرفه.أكرر اسمه كلعنة. دامون ديلاكروا. مفترس ببدلة لا تشوبها شائبة. نظرات هادئة جداً. صوت منخفض جداً. رجل لا يطلب، يأخذ. وحش مهذب.أنحت هذه الكراهية بشراسة، أحاول جعلها أثقل من كل الباقي. أريدها أن تخنق الباقي. أن تسحق كل شيء.لكن في كل مرة أغمض فيها عينيّ...في كل مرة أستسلم فيها لثانية...ليس الوحش هو من يعود.إنه فمه.ضغط شفتي
لورانسفي الغرفة، أصفق الباب، ليس بقوة مفرطة. أسند ظهري على الخشب، العينان مغمضتان، أقاتل لأتنفس. السرير، الواسع، المرحّب، حقل ألغام. سريرنا. حيث، هذا المساء، سيريد بلا شك لمسي. حبي. وأنا...أخلع ملابسي، متجنبة النظر إلى جسدي في مرآة الخزانة. أرتدي كنزة قديمة وجينزاً. ثياب اختباء. حين أخرج، يكون قد أعدّ الطاولة، أشعل الشموع. أخرج النبيذ. المشهد مثالي. كابوس مخرج بشكل مثالي.العشاء تمرين بهلواني عالي المستوى. أمضغ، أبتسم، أومئ برأسي. أروي أجزاء عادية من يومي، محذوفة الحدث الوحيد الذي دمّر كل شيء. أتكلم عن الاجتماع، الأرقام، التكييف القوي جداً. أكذب بسلاسة ترعبني.يتكلم عن يومه، عن زملائه، عن مشروع. صوته ضجيج خلفي مطمئن. أنظر إليه. يداه اللتان تستعملان الشوكة. شفتاه اللتان تبتسمان. خاتم الخطوبة البسيط الذي يرتديه. لديه إيمان كبير بنا. بمستقبلنا. بالمرأة التي يعتقد أنني هي.وفجأة، في منتصف جملة عن مخططات رخصة البناء، يتوقف. يضع شوكته. ينظر إليّ باهتمام.— لور. بجدية. هناك شيء. أنت لست هنا. أنت على بعد كيلومترات.ع
لورانسالرحلة في المترو اختبار. كل ارتجاجة في العربة تجعلني أجفل. أجساد المسافرين الآخرين، المجهولين، تصبح تهديدات محتملة. أكواعهم تلامسني، عطورهم تمتزج، كل شيء يذكرني بالقرب الغازي، بالحميمية المسروقة. أحتفظ بمعطفي مغلقاً حتى الرقبة، درع صوف ضد العالم. قماش القميص يخدش بشرتي، نظيف جداً، محايد جداً، في تنافر كامل مع الاضطراب الداخلي.جسدي خريطة أحاسيس متناقضة. الألم المكتوم، المستمر، بين فخذيّ، تذكير جسدي لا يرحم. لكن فوقه، كحجاب ضباب مسموم، هذه الحرارة المذنبة، هذه الذاكرة الخلوية للاستسلام. أغمض عينيّ، مستندة على الجدار البارد، وأرى من جديد الانعكاسات في زجاج المكتب: قامتينا المتعانقتين، رأسي المائل، فمي المفتوح على صرخة صامتة. لم تكن هذه أنا. كانت أخرى. غريبة بعينين غارقتين في الرغبة.الهاتف المحمول يهتز في حقيبتي. ماتيو. أنا قادم، أخذت نبيذاً. هل قضيت نهاراً جيداً؟ الكلمات ترقص أمام عينيّ، بريئة، قاسية. لا أجيب. لا أستطيع. كيف أرسم حروفاً، أكون جملاً عادية، حين لا يزال فمي يحتفظ بطعمه؟الشقة محراب حياة طبيعية يضربني كالصفعة. الرائحة
لورانسالرواق نفق أبيض وبارد يبدو أنه يمتد إلى ما لا نهاية. قدماي الحافيتان على الرخام ترنان كخفق قلب متسارع. حذاءاي ذوا الكعب – أسلحتي – بقيا في مكتبه، قرب النافذة البانورامية حيث كان يمكن للعالم بأسره أن يرانا. قماش فستاني الممزق يلتصق ببشرتي، محاكاة ساخرة للاحتشام. المصعد هناك، في النهاية. ضوء أزرق يومض، نبض بطيء ومنوم.أسرع الخطى. العالم يرن بشكل أجوف. طنين التكييفات، طقطقة طابعة شبحية... كل شيء غارق تحت الهدير المصم لدمي في أذنيّ.لا أريد التفكير في ذلك. لا يجب أن أفكر في ذلك.لكنه مستحيل. الصورة تنفجر وراء جفنيّ، أكثر حيوية، أكثر نيئة مما كانت عليه الحقيقة.يداه على وركيّ، يرفعني، يسحقني على الزجاج البارد. المدينة في الأسفل، بساط أضواء ممتد عند أقدامنا. فمه على كتفي، يعض القماش قبل أن يمزقه. لا كلمة. لا نظرة. فقط هذا النهم الحيواني، هذا الامتلاك الصامت الذي استجاب لرغبة كنت أعتقدها مدفونة منذ سنوات.أضغط الزر. المصعد يفتح أبوابه برنين مكتوم. مرآة تمتد على كامل واجهة المصعد الخلفية. أصرف عينيّ بعد فوات الأوان.
دامونلا آخذ الوقت لأتأملها. الحاجة ملحة جداً، حيوانية جداً. أفك حزامي، أجعله ينزلق. تنظر، منومة، العينان مليئتان برعب مبتهج. أقلبها بعنف، وجهاً إلى جدار الزجاج. تضع راحتيها بشكل مسطح على السطح البارد، أصابعها تتباعد، تاركة بصمات ضباب.— انظري، أهمس في أذنها، صوتي خشخشة. انظري مدينتك. إنها لن تراك.تغمض عينيها، تهز رأسها، تدفن وجهها على ذراعها. أمرر يداً في شعرها، أفك الكعكة بإيماءة جافة. شعرها ينهال على كتفيها. أسحبه، برقة أولاً، ثم بقوة أكبر، مجبراً إياها على رفع رأسها، على فتح عينيها على المنظر الممتد عند قدميها. أنين طويل، أجش، يخرج من حنجرتها.أفك مشبك حمالة صدرها. يستسلم. أبعد الحمالتين، كاشفاً بشرتها. يداي في كل مكان، طامعتان، واسمتان لحمها بامتلاكي. لم يعد هناك رئيس، لم تعد هناك سكرتيرة. لا قواعد. فقط هذا الدافع المظلم، هذه الحاجة لإثبات أنني حي، أنني لا أزال أستطيع أن أحس، أن أسيطر، أن أمتلك شيئاً حقيقياً ودافئاً في هذه الصحراء من الفولاذ والزجاج.حين آخذها، يكون ذلك على الجدار، بوحشية تجعلها تصرخ. صرخة مكتومة، يبتلعها فوراً الصوت المكتوم لأجسادنا المتصادمة. الزجاج يهتز قليلا
دامونينفتح يوم الغد على سماء منخفضة، ملبدة بالرصاص. مكتبي، بنظافته العقيمة، يبدو أنه يمتص كل الضوء، تاركاً فقط بصيصاً رمادياً وباهتاً على السطوح الملساء.إلغاء مواعيد الصباح ترك فراغاً في أجندتي. بياض. هذا البياض، بدل أن يمنحني راحة، يعمل ككاشف. الاكتفاء البارد للأمس أفسح المجال لتهيج أصم، منتشر. طاقة المطاردة تبددت، تاركة وراءها طعم الرماد لـ"وماذا الآن؟". الانتصار على سترلينج، مهما كان كاملاً، هو ورائي أصلاً. ملف أُغلق. الأرض مؤمنة، لكن سيدها الجديد يشعر بالملل فيها.أعيد قراءة تقارير دون استيعابها. أحدق في شاشة أسواقي، الأرقام ترقص دون أن تثير فيّ الشرارة المعتادة. إنه هادئ جداً. هذا الهدوء ليس السلام. إنه غرفة انتظار الفراغ.حركة على هامش انتباهي. لورانس تدخل لتضع ملفاً جديداً. تضعه على حافة مكتبي بتكتمها المعتاد.— التحليلات الأولية حول الفرع الآسيوي لسترلينج، تعلن بصوت ناعم.أرفع عينيّ نحوها. إنها مستديرة أصلاً، تستعد للخروج. ترتدي فستاناً-بدلة أنتراسيتياً، متقشفاً، لكن القماش يحتضن منحنيات لم يسبق لي أن نظرت إليها حقاً. ليس هكذا. شعرها الكستنائي مشدود في كعكة صارمة، لكن خصلة ط
سيلياأدير كعبيّ، ساقاي ترتجفان لكنهما مصممتان. كل خطوة نحو الباب هي انتصار. لا أجرؤ على النظر إلى الوراء.- وداعًا، سيليا، يقول صوته من خلفي، مشوب بوعد غريب. سنلتقي مجددًا. أعدك بذلك.أخرج من المكتب، وأعبر الردهة، وأفتح الباب الأمامي الثقيل. يضربني هواء الليل الرطب على وجهي. أنزل الدرج راكضة، وكأن
سيليايتحرك برشاقة القطط، صامتًا. يدور حولي، وأشعر بعينيه على رقبتي وظهر خصري.- والدك باعك، سيليا. لقد وضع... نزاهتك... كضمان. وخسر.أقبض قبضتيّ، الغضب والإهانة يحترقان في صدري.- لم يكن لديه الحق.- الحق؟ يتوقف أمامي. تفوح منه رائحة خشب الصندل والجلد. القوة. الحق لا علاقة له بهذا. هناك الحقائق. أ
كاسيان ليونتنظر. مندهشة كطفلة أمام حكاية خرافية تنبض بالحياة تحت عينيها. عيناها تلمعان أكثر من أضواء المدينة، أكثر من النجوم التي تنعكس في الماء، أكثر من كل ما رأيته في حياتي. تلامس الماء بطرف الأصابع، ترسم سحابات عابرة على سطح القناة. تبتسم للقطط النائمة على درجات القصور، تتنفس بعمق، كأنها تريد ح
ليون النهار كان تمريناً طويلاً في السيطرة. كل إيماءة، كل كلمة، محسوبة كي لا تخون الارتعاش الداخلي الذي لم يتوقف منذ الفجر. لقد عملت، أعطيت أوامر، وقعت أوراقاً. كنت ليون المدير، الرجل الحديدي. لكن تحت السطح، الاهتزاز كان مستمراً، خافتاً، خفيفاً. صدى أبدي للليلة الماضية، لأنفاسها على بشرتي، لهذا ال







