Share

الفصل 2

Author: دوار الشمس
لم يعد سراج إلى البيت إلا قبيل منتصف الليل، دخل على عَجَل، لم يجد وقتًا حتى ليبدّل ملابسه، واندفع نحو يمنى يعانقها ويعتذر:

"آسف يا يمنى، اليوم تأخّرت بسبب الاجتماعات مع العملاء."

وفي اللحظة التالية، وقعت عيناه على أطباق الطعام على المائدة كما تُرِكَت دون أن يمسّها أحد، فسأل: "لماذا لم تأكلي؟ هل لم يُعجبْك الطعام؟"

هزّت يمنى رأسها نفيًا، وتحرّكت خطوة صغيرة مبتعدة عنه، بالكاد تُلحَظ.

كانت رائحة عطرٍ حلوٍ لَزِجٍ، لا يخصّها هي، تفوح من جسده، فتجعل رأسها يدور ومعدتها تنقلب.

لكن سراج لم يلحظ أيّ تغيّر عليها، واكتفى بابتسامة متعبة وهو يسحب كرسيًا ويجلس بجانبها، ثم مدّ شوكته ليضع في صحْنها قطعة جمبري.

"في الفترة الأخيرة العمل في المجموعة كثير، وأنا مشغول جدًا، قد لا أستطيع أن أتناول العشاء معك كل ليلة، لكن لا تجوعي بسببي."

وفي اللحظة التي انحنى فيها، رأت يمنى عند ياقة قميصه دائرة من أثر احمرار باهت يطوّق عنقه.

شعرت بمعدتها تنقلب، وكابدت لتكبح رغبتها في التقيؤ.

كم من مرةٍ في السابق افتعل سراج شجارًا لمجرّد أنّها نسيت أن تتناول العشاء معه.

وفي أسوأ مرة، وصل به الأمر إلى أن يذرف دموعًا من شدّة شعوره بالظلم.

كان يقول دائمًا إن الحياة قصيرة، وإنّه لا يريد أن يفوّت وجبةً واحدة يتناولها مع يمنى.

أمّا الآن، فأوّل مَن نسي ذلك الوعد كان هو نفسه.

نظرت يمنى إلى الجمبري في وعائها وابتسمت ابتسامةً مُرّة.

متى، بالضبط، تحوّل سراج إلى هذا الشخص الغريب؟

ربما كان ذلك منذ خطوبتهما قبل شهرين تقريبًا.

في ذلك اليوم، بدا سراج على غير عادته، شارد الذهن.

مع أنّ اليوم كان يومًا مبهجًا، ظلّ ممسكًا بهاتفه طول الوقت يتفحّص شيئًا ما، حتى إن يمنى حدّثته مرّات عديدة دون أن يسمعها.

بل إنّه، بعد أن تلقّى مكالمة هاتفية، غادر الحفل مبكّرًا، تاركًا يمنى وحدها في مواجهة حرج العائلتين.

ولم تعرف يمنى الحقيقة إلا لاحقًا: ذلك اليوم بالذات كان موعد عودة مها إلى البلاد.

تلك المرأة التي تشابكت في قلبه مشاعر الحب والكره نحوها أعوامًا طويلة.

قبل أربع سنوات، خدعته كلمات مها المعسولة، فاستثمر تقريبًا كل ما يملك في مشروعٍ ضخم كانت تتحدّث عنه.

لكن المقابل كان أن هربت مها بالأموال إلى الخارج، واختفت بلا أثر.

وحين لم يجدها الشركاء الذين وثقوا بها، توجّهوا جميعًا إلى عائلة المنصوري يطالبون بتفسير.

كانت تلك أصعب أيام سراج، المجموعة على شفا الإفلاس، وضغط والديه وكل الأطراف يطحنه من كل جانب، حتى فكّر مرارًا في إنهاء حياته.

وفي اللحظة التي وقف فيها عند حافة جسر، على وشك أن يرمي بنفسه، اندفعت يمنى نحوه غير آبهة بحياتها، وأمسكت به بقوّة تمنعه من السقوط.

بعدها، ضخّت يمنى رأس مالها الخاص في مجموعة المنصوري، ثم سَهِرَت الليالي إلى جانبه تقاتل معه حتى تجاوزا العاصفة، وحوّلا مجموعة المنصوري إلى الشركة الأولى في مدينة الساحل.

منذ ذلك الحين، طوى سراج صفحة حبّه لمها، وصبّ كل ما في قلبه من عاطفة في حبّ يمنى.

استغرقه عام كامل ليكسب قلبها، ثم ثلاث سنوات أخرى حتى نجح أخيرًا في خطبتها.

لكن كل ذلك تبدّل تمامًا بعد عودة مها.

واليوم، وصل به الأمر إلى حدّ أن يفكّر في أن تقتحم مها حفل الزفاف لتخطفه من بين يديها.

ما إن وصلت إلى هذه الفكرة حتى قالت يمنى بصوتٍ هادئ: "لا داعي، ليست لديّ شهية، ثم إنني لا آكل الجمبري."

تجمّد سراج في مكانه، لا سيّما حين التقت عيناه بعينيها الجامدتين كبركة ماء راكدة.

كيف نسي أن يمنى لا تأكل المأكولات البحرية أبدًا، وأن لقمةً واحدةً منها تكفي لتجعلها تتقيأ؟

شعر فجأة بوخزةِ ذنب في قلبه، فرفع صوته ينادي الخادمة التي كانت قد غلبها النعاس.

"ألم أقل إن المأكولات البحرية ممنوعة في البيت؟ كيف تُديرين الأمور هنا؟"

استيقظت الخادمة تمامًا، وسارعت تشرح وهي مرتبكة: "لكن يا سيد سراج، أليست هذه الجمبري من الشحنة التي أرسلتَها أنت خصيصًا؟ بل وطلبت أن نأكلها وهي طازجة، لذلك أنا فقط…"

اتّسعت عينا سراج: "كيف أُرسِلُ مأكولات بحرية إلى البيت أصلًا؟"

لكنّه سرعان ما تذكّر شيئًا ما، فاهتزّت نظراته وتجنّب عيني يمنى.

حملت الخادمة طبق الجمبري على الفور واستدارت لتلقيه في القمامة.

لكن يمنى رفعت يدها تمنعها من متابعة الحركة.

"اتركيه، لا نريد أن نهدر الطعام. ضعي الجمبري في علب وادخليه المجمِّد."

ثم التفتت إلى سراج قائلة: "خذه معك غدًا إلى الشركة، لا بدّ أن هناك من سيسعده الحصول عليه."

تردّدت الخادمة لحظة، ثم نظرت إلى سراج تنتظر قراره.

اضطرب قلب سراج بلا إرادةٍ منه، ومدّ يده يمسك بيد يمنى سائلا: "يمنى، ما بك؟ ألم تقولي إنك لا تأكلين الجمبري أصلا؟"

"بالضبط، لذلك سيكون وجبة إضافية للموظفين. الجميع يعمل لساعات إضافية هذه الأيام، وهذا الجمبري ليس رخيصًا أيضًا."

شرحت يمنى بسلاسة لا منفذ فيها للشك، فتنفّس سراج الصعداء.

"كالعادة، أنت من يفكّر في كل شيء، يمنى. غلّفيه إذًا."

"حاضر، سيد سراج."

لماذا ينجح في التمثيل بهذا الإحكام، دون أن يترك ثغرة واحدة؟

كانت يمنى تراقبه في صمت وهو يشارك في تغليف العلب بنفسه، ثم يلصق عليها بطاقة صغيرة يكتب فيها: هدية من زوجتي المحبّة يمنى.

سراج، لعلّك حين تتسلّم الهدية يومًا ما، تستطيع أن تواصل تمثيلك كما تفعل الآن.
Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حب الأمس لا يُستعاد   الفصل 28‬‬

    لم تستطع يمنى كبح فضولها في النهاية، فأمسكت بدفتر اليوميات.قلبت صفحتين بشكل عشوائي، وسرعان ما أدركت أن هناك شيئًا غير طبيعي.بدأت تقلب صفحات اليوميات إلى الوراء بلا توقف.واصلت العودة حتى وصلت إلى الصفحة الأولى، وكان قلب يمنى يخفق بشدة كالرعد.لم تكن تتخيل أنه في أعماق قلب نجم، كان راغبًا تمامًا في الزواج منها.منذ أن كان في الخامسة عشرة، حين أدرك لأول مرة معنى الحب، كانت يومياته مليئة باسمها.كان ينتظرها كل صباح أمام باب منزله ليذهبا إلى المدرسة معًا، وفي كل عطلة نهاية أسبوع كان يختلق أعذارًا مختلفة ليراها.كانت هناك مرات لا تحصى كاد فيها أن يعجز عن إخفاء المشاعر المتأججة في قلبه.لكنه كان يخشى الرفض، ويخاف أن يخسر صداقتها في النهاية.لذا لم يكن أمامه سوى التراجع خطوة للوراء، والاكتفاء بالحفاظ على علاقة الصداقة الحميمة التي تجمعهما.حتى وقعت هي في الحب لاحقًا، وسافر هو إلى الخارج.وبعد ذلك، عندما جُرحت مشاعرها، بادر بسؤال والديها، باحثًا عن ذريعة مشروعة للذهاب إلى المطار ورؤيتها.في ذلك اليوم على الجبل الثلجي، وقف نجم أمام الشموع التي أعدتها له، وتمنى أمنية بصدق وخشوع.وكانت الأمنية

  • حب الأمس لا يُستعاد   الفصل 27‬‬

    نظرا لأن هذه الحادثة أحدثت ضجة كبيرة على الإنترنت، فإن تصرف مها بتلفيق الحقائق سيخضع للتحقيق قريبا.لم تجد مفرا، فقررت اللجوء إلى سراج مرة أخرى.لقد فكرت في الأمر مليا، فمن المستحيل ألا يكون لدى سراج ذرة من المشاعر تجاهها.طالما أنها تهدد بالموت، فمن المؤكد أن سراج لن يقف مكتوف الأيدي ويتركها تموت.ولكن هذه المرة، لم يمنحها سراج حتى فرصة لرؤيته ولو لمرة واحدة.انهارت مها تماما.من الواضح أنها كانت تحتل المرتبة الأولى في قلب سراج سابقا، فلماذا تحولت الأمور إلى هذا الحال الآن؟في النهاية، ألقت باللوم كله على يمنى.فكرت أنه طالما اختفت يمنى من هذا العالم، فإن الشخص الذي يحبه سراج أكثر سيعود ليكون هي.وهكذا، في إحدى الليالي، قادت مها سيارتها وتوجهت إلى أسفل مبنى مجموعة الشهابي.يبدو أن مها قد فقدت عقلها حقا.انتظرت طويلا حول مبنى مجموعة الشهابي، مستعدة تماما لدهس يمنى بسيارتها بمجرد ظهورها.عند حلول المساء، ظهرت يمنى أخيرا.بمجرد أن رأت يمنى، احمرت عيناها بالدماء، وضغطت بجنون على دواسة الوقود حتى النهاية.ولكن بينما كانت السيارة على وشك سحق هذه المرأة التي تمقتها، اندفع ظل شخص فجأة ودفع يم

  • حب الأمس لا يُستعاد   الفصل 26‬‬

    وضعت يمنى الهاتف جانبًا، وكان قلبها مثقلا بالهموم.هذا هو الشريك الثامن الذي يطلب إلغاء التعاون بمبادرة منه.إذا استمر الوضع على هذا النحو، فستواجه مجموعة الشهابي خسائر لا يمكن تقديرها حقًا.لم يكن بوسعها البقاء هنا والقلق ينهشها، لذا التقطت مفاتيح سيارتها بسرعة وتوجهت إلى شركة الشريك التجاري.في الطابق السفلي لمبنى المكاتب، بذلت جهدًا كبيرًا في إقناع موظف الاستقبال بالسماح لها بالصعود.بمجرد وصولها إلى الباب، تناهى إلى سمعها صوت مألوف.نظرت إلى الداخل، فرأت نجم يتنازل عن كبريائه، ممسكًا بكومة سميكة من الوثائق ويشرح شيئًا للشريك التجاري."يا رئيس مجلس الإدارة، السيد خالد، وفقًا للإحصاءات المهنية، تتمتع مجموعة الشهابي بإمكانات هائلة للنمو في مدينة الساحل، وآمل أن تمنحهم فرصة أخرى.""كما أرجو أن تطمئن، فمجموعة الشهابي لن تنهار بسهولة. لقد تصاهرت عائلة الزهراني مع عائلة الشهابي، وسأبذل قصارى جهدي لمساعدتهم على تجاوز هذه الأزمة."ظل السيد خالد صامتًا، لكن الابتسامة لم تفارق وجهه.عند رؤية هذا المشهد، شعرت يمنى وكأنها تلقت لكمة مباشرة في وجهها، وشعرت بوخز في أنفها ورغبة في البكاء.من تكون ه

  • حب الأمس لا يُستعاد   الفصل 25‬‬

    بعد أن رآها تنهي آخر لقمة في علبة الطعام، قال:"اتصلت بي الجدة أمس، وقالت إنها تشتهي الفطائر المقرمشة من حي الغرب، ما رأيك أن نشتريها لها معا بعد انتهاء دوامك؟""حسنا."أومأت يمنى برأسها، ومازحته قائلة:"أنا أزور الجدة كل يوم، ومع ذلك عندما اشتهت شيئا ما، كنت أنت أول من خطر ببالها، هذا يحزنني حقا.""بالطبع، فأنا الآن زوج الحفيدة الأغلى على قلب الجدة، ولا جدوى من حسدك لي."أجاب نجم دون أي تواضع.ولكن بعد أن قال هذه الجملة، كان هو من احمر وجهه خجلا قبل أن يدرك ذلك.عند وصولهما إلى المستشفى، بدت معنويات جدة يمنى أفضل بكثير مما كانت عليه في الفترة السابقة.ربما لأن زواج يمنى واستقرارها أخيرا قد منحها راحة كبيرة.كانت تنظر إلى الزوجين الجديدين أمامها، ولم تستطع إخفاء الابتسامة التي ارتسمت على وجهها.بدأ نجم يتبادل أطراف الحديث الودي مع الجدة.وكان يلقي نكتة أو اثنتين بين الحين والآخر، مما جعل العجوز تضحك من كل قلبها.كانت يمنى تقشر الفاكهة جانبا، وارتسمت ابتسامة عفوية على شفتيها.كان عليها أن تعترف بأن المشهد الدافئ الذي حلمت به مرات لا تحصى، قد حققه نجم دون أي عناء.وجود نجم كان يشعرها دائ

  • حب الأمس لا يُستعاد   الفصل 24‬‬

    ذهل نجم عندما رأى سراج.بعد أن سلم علبة الطعام إلى يمنى، سأله ببرود:"ماذا تفعل هنا؟"كان رد سراج بنفس النبرة السيئة:"جئت لأبحث عن خطيبتي، وهذا لا يخصك."ضحك نجم بسخرية وقال:"إذا كنت تصر على قول ذلك، فالأمر يخصني حقًا."وبينما كان يتحدث، أخرج وثيقة الزواج من حقيبته ببطء وهدوء، وقدمها أمام سراج."ألقِ نظرة.""هذه الخطيبة التي تتحدث عنها، أصبحت الآن زوجتي شرعًا وقانونًا."قلب سراج عينيه، ظنًا منه أنه يستخدم أداة مزيفة أخرى لخداعه.انتزع وثيقة الزواج بانزعاج، وبينما كان يهم بالسخرية من نجم، وقع نظره على الصورة المشتركة لهما والختم الواضح على الوثيقة."هذا... كيف يعقل هذا؟"اتسعت عيناه في لحظة، وتسارعت أنفاسه.بعد أن نظر إليها عدة مرات بغير تصديق، تأكد أن وثيقة الزواج هذه حقيقية.بدأت يدا سراج ترتجفان قليلا."كيف حدث هذا؟"منذ أن ارتبط بيمنى، كان يعمل بجد كل يوم، بهدف تطوير نفسه إلى مستوى يؤهله لطلب يد يمنى للزواج.لقد بذل جهدًا شاقًا للوصول إلى مكانته الحالية، وبذل جهدًا شاقًا لينجح في طلب الزواج، ولكن...ما معنى وثيقة الزواج هذه؟لم يخطر بباله أبدًا أن الرجل الذي سيظهر مع يمنى في وثيقة

  • حب الأمس لا يُستعاد   الفصل 23‬‬

    اليوم هو الموعد الذي اتفقت فيه يمنى ونجم على الذهاب لتوثيق عقد زواجهما.ورغم علمها بأن هذا مجرد حل مؤقت، إلا أن التوتر سيطر عليها لدرجة أنها لم تنم جيدا طوال الليل.استيقظت مبكرا لتغتسل، ثم اختارت ملابس لائقة وقادت سيارتها لاصطحاب نجم.نظر نجم إلى الهالات السوداء الكبيرة تحت عينيها، وضحك بصوت منخفض لفترة طويلة.ولكن عندما رفع رأسه، لاحظت يمنى أيضا وجود هالات سوداء تحت عينيه.وبفضل هذه المصادفة في الهالات السوداء، أصبح الجو بينهما أكثر استرخاءً وهما في طريقهما لتوثيق الزواج.سارت الأمور بسلاسة تامة.وبينما كانت تشاهد الموظف يختم الوثيقة بالختم، شعرت يمنى بإحساس غريب في أعماق قلبها.لقد ارتبطت هي ونجم ببعضهما البعض بهذه البساطة.حتى وإن كان ذلك لفترة قصيرة.بعد خروجهما من دائرة الأحوال المدنية، بادرت يمنى بدعوته قائلة:"سمعت أن والديك قد ذهبا في رحلة سياحية، والمنزل خالٍ الآن، ما رأيك أن تنتقل للعيش معي؟"وكأنها تخشى رفضه، أضافت بسرعة:"لا تقلق، لدي في المنزل العديد من الغرف الشاغرة يمكنك اختيار ما تشاء منها، تماما كما كنا نفعل عندما كنا في الخارج."تعيش يمنى حاليا في فيلا اشتراها لها وا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status