FAZER LOGINتجمدت الدماء في عروقي وأنا أراقب المقبض المعدني للباب يتحرك للأسفل ببطء قاتل. تراجعتُ خطوة أخرى إلى الوراء حتى اصطدم ظهري بحافة مكتبي الخشبي العتيق، وشعرتُ بأن أنفاسي قد انقطعت تماماً. انفتح الباب أخيراً، ليدخل منه رجل غامض يرتدي معطفاً أسود طويلاً وقبعة داكنة حجب ذيلها نصف ملامحه، وكانت حواف ملابسه تقطر بماء المطر الشديد، صانعة بقعاً داكنة صغيرة على الأرضية الخشبية للردهة الصامتة.
ثبتت نظراته الحادة الثاقبة عليّ فوراً، ولم تكن نظرته غريبة بل كانت تحمل معرفة عميقة ومرعبة. ابتسم ابتسامة باهتة باردة، ثم قال بصوت منخفض وعميق يتردد صداه في أركان الغرفة الساكنة: "ألم أحذركِ في الرسالة يا ليان؟ النظر إليّ يكلفكِ الكثير.. والآن، حان وقت دفع الثمن." حاولتُ استجماع شجاعتي المبعثرة، وضغطتُ بيدي على الحقيبة التي تحوي المخطوطة الغامضة. تساءلتُ بصوت مرتعش حاولتُ جاهدة أن أجعله قادراً على المواجهة: "من أنت؟ وكيف تعرف اسمي؟ وما علاقتك بتلك المخطوطة التي وصلت إلى دار النشر بالأمس؟" خطى الرجل خطوة إلى الأمام، فامتزجت رائحة المطر البارد برائحة أوراق قديمة عتيقة تشبه تماماً رائحة المخطوطة التي بين يدي. خلع قبعته ببطء لتظهر ملامحه؛ كان شاباً في أواخر العشرينيات، ذو عينين رماديتين غامضتين تحملان حزناً غامراً وعميقاً، وكأنهما عاشتا لقرون. قال بهدوء وهو يجلس على المقعد المقابل لمكتبي دون أن يُطلب منه ذلك: "أنا لستُ عدواً لكِ يا ليان، بل أنا الشخص الوحيد الذي يمكنه حمايتكِ من الكلمات التي تقرئينها. اسمي مراد، وأنا صاحب ذلك الحبر الأسود الذي يملأ السطور الصفراء. تلك المخطوطة ليست مجرد قصة خيالية منسوجة من وحي الإلهام، بل هي سجل حي لأرواح حُبست خلف الكلمات، وأنتِ.. بصفكِ للكلمات وتدقيقكِ لها، بدأتِ بفتح البوابة التي أغلقناها منذ زمن طويل." شعرتُ برأسى يدور من هول ما أسمع. هل هذا الرجل مجنون؟ أم أنني وقعتُ في شرك خدعة نفسية معقدة؟ قلتُ له وعيناي تتسعان ذهولاً: "هذا مستحيل، الكلمات مجرد حبر جاف على ورق! أنا مجرد مصححة لغوية أصلح الحروف الساقطة والأخطاء الإملائية، ولا أملك أي قدرات خارقة!" ضحك مراد ضحكة قصيرة خالية من المرح، ثم أشار بسبابه نحو حقيبتي قائلاً: "إذا كانت مجرد كلمات عادية، فلماذا تطابقت تفاصيل ليلتكِ مع المشهد الأخير في الصفحة؟ ولماذا شعرتِ بنبضات الحبر تحت أصابعكِ؟ اسمعيني جيداً، دار النشر هذه مبنية فوق رماد قصر قديم، والمخطوطة تجد طريقها دائماً إلى الشخص الذي يملك طاقة إعادة الروح إلى الحروف. والآن بعد أن قرأتِ الشفرة وترجمتِ جملة 'أنا أراكِ الآن خلف نافذتك'، أصبح الرصد يعلم بوجودكِ، ولن يترككِ وشأنكِ أبداً." تراجعتُ خطوة أخرى، وفي تلك اللحظة انطفأت أضواء الردهة فجأة، وسمعنا معاً صوت حفيف قوي يأتي من السقف، وكأن هناك أوراقاً ضخمة وغير مرئية تتطاير بعنف في الفراغ المحيط بنا. بدأت الجدران المحيطة بنا تتدفق بسائل أسود يشبه الحبر، وكأن البناية القديمة بأكملها تنزف كلمات منسية. أمسك مراد بمعصمي بقوة، وكانت يده باردة كالثلج لكنها تحمل ثباتاً غريباً في هذا الموقف المرعب، وقال بنبرة حازمة: "لقد تأخرنا كثيراً، الظلال استيقظت بالكامل وعلينا الهروب الآن من باب الطوارئ الخلفي قبل أن يتم حصرنا داخل هذه الردهة المظلمة وتحتجز أرواحنا خلف السطور للأبد." ركضنا معاً في الممر المظلم، بينما كانت أصوات حفيف الورق تزداد صخباً خلفنا، والظلال الحبرية تمتد على الجدران كأيدي وحوش تحاول الإمساك بنا بأي ثمن! "وفجأة انقطعت.."توقف الزمن تماماً داخل الغرفة الصغيرة، وتحول الهواء المحيط بنا إلى كتلة خانقة من البرد والجمود وأنا أراقب ذلك الضباب الرمادي الكثيف الذي بدأ يتدفق بنعومة وصمت من خلف الباب الذي انفتح ببطء شديد رغم أقفاله الحديدية الثلاثة الضخمة. ومن قلب ذلك الضباب، تقدمت خطى ثقيلة وهادئة ليعلن عن ظهور رجل عجوز ذي ملامح حادة كالصخر، يرتدي عباءة عتيقة نسجتها خيوط من الظلال السائلة، ويحمل في يده اليمنى ريشة كتابة معدنية قديمة يقطر من سنها المدبب حبر أسود داكن يلمع بنور أرجواني. إنه إدريس، صانع الحبر الأول واللعنة التي بدأت قبل قرن من الزمان.ثبت إدريس نظراته الباردة والخالية من أي مشاعر بشرية عليّ مباشرة، ثم قال بصوت أجوف يشبه صدى بئر عميقة ممتدة: "ليان.. المصححة الشجاعة التي ضحت بكل ما تملك من أجل بضعة حروف صامتة. لقد أتممتِ تسعة فصول، وغذيتِ المخطوطة بأثمن ذكريات حياتكِ، والآن جئتُ لآخذ ما هو لي. سلميني الكتاب، ولتصبحي أنتِ ومراد مجرد سطرين في نهاية روايتي الكبرى."اندفع مراد أمامي بسرعة مستعرضاً جسده كدرع حامٍ، وأخرج قداحته الفضية ليشعل النار في الهواء بقوة، وصاح بنبرة حازمة: "لن تلمس المخطوطة يا إدري
انخفضت الأصوات تماماً وخفتت حدة الفوضى خارج الشقة، لكن الرعب الحقيقي كان قد انتقل بالكامل إلى داخل عقلي. نظرتُ إلى هاتفي المحمول المستقر على الطاولة الخشبية بجانب المخطوطة الصفراء، فرأيتُ الشفرة اللغوية المعقدة التي أرسلها ذلك الرقم المجهول تتلاشى ببطء من على الشاشة، وحلت محلها رسالة نصية جديدة واضحة وضوح الشمس، ولكنها كانت تحمل تهديداً من نوع آخر. كُتب فيها بصياغة حادة: "لقد صمدتِ أمام الظلال يا ليان، ولكنكِ الآن تواجهين صانع الحبر نفسه. التضحية بالذكريات الشخصية كانت مجرد إحماء، والفصل التاسع سيتطلب منكِ النظر مباشرة إلى ما خلف الستار الرمادي، حيث ترقد الحقيقة التي دفنتها دار النشر منذ قرن كامل."التفتُّ نحو مراد وجسدي يرتجف من شدة الإرهاق النفسي، وسألته بصوت متحشرج: "ما هو الستار الرمادي يا مراد؟ ومن هو صانع الحبر هذا الذي يتحدث عنه؟"تنهد مراد ثانياً، وبدا وكأن عمراً كاملاً من الهموم قد أُضيف إلى ملامحه الرماديتين في تلك اللحظة. جلس على المقعد المقابل لي، وشبك أصابعه ببعضها البعض وهو ينظر إلى المخطوطة بحذر شديد، ثم قال بنبرة خافتة: "صانع الحبر هو الكاتب الأول، رجل يدعى 'إدريس' عاش
تجمدت الدماء في عروقي تماماً وتحولت دموعي الساخنة إلى كتل من الثلج فوق وجنتيّ وأنا أستمع إلى تلك الضربات العنيفة والمتتالية التي هزت الباب الخشبي الثقيل للشقة السكنية المنعزلة. لم تكن طرقات بشرية عادية، بل كانت ضربات متوحشة يمتزج فيها صوت ارتطام الأجساد اللزجة بصوت خدش حاد ومخيف، كأن هناك أظافر معدنية طويلة وعملاقة تحاول بيأس تمزيق الخشب واختراقه من الخارج للوصول إلينا.التفتُّ نحو مراد وعيناي تتسعان رعباً، فرأيته قد اندفع بسرعة نحو الباب وتثبت بجسده بالكامل ضد الأقفال الحديدية الثلاثة الضخمة التي بدأ مفاصلها تهتز بعنف تحت وطأة الضغط الخارجي الرهيب. كان وجهه شاحباً كالموت، وعروق رقبة بارزة بشدة من فرط الجهد، وهو يصرخ بصوت خافت ومستعجل: "ليان! خذي المخطوطة والقلم واجلسي على الأرض فوراً! إنهم يحاولون اختراق الحماية الروحية للشقة، وتضحيتكِ الأخيرة في الفصل السابع لم تكن كافية لصد هذا الهجوم العنيف!""لكنني لا أستطيع تذكر وجه أمي يا مراد! عقلي يكاد ينفجر من الفراغ والألم، كيف تريد مني أن أكتب فصلاً آخر الآن والباب يكاد ينهار فوق رؤوسنا؟" صرختُ بجنون وأنا أضم الحقيبة الجلدية إلى صدري كدرع
كسر صوت رنين الهاتف المفاجئ الصمت القاتل الذي خيّم على الشقة الصغيرة بعد انتهاء كتابة الفصل الماضي. شعرتُ برعشة خفيفة تسري في أطراف أصابعي التي لم تكد تبرأ بعد من برودة القلم الحبري الغريب. التفتُّ نحو مراد، الذي تيبس جسده بالكامل وتغيرت ملامحه الرماديتين إلى حذر شديد وهو يسحب هاتفه المحمول من جيب معطفه الأسود الطويل. كان الضوء الأزرق المنبعث من الشاشة يضيء ملامحه الحادة والقلقة في وسط الظلام، بينما تلاشت الابتسامات تماماً من على وجهه.نظر مراد إلى شاشة الهاتف لعدة ثوانٍ طويلة دون أن ينطق ببضع كلمات، وكأن السطور التي يقرأها قد شلت حركته وتفكيره. لم أستطع كبح فضولي وخوفي المتزايد، فاقتربتُ منه خطوة وسألته بصوت خافت مرتعش: "من المرسل يا مراد؟ وهل الرسالة تتعلق بنا أو بالظلال التي كانت تلاحقنا في الممرات؟"أخذ مراد نفساً عميقاً، ثم أدار شاشة الهاتف نحوي لكي أرى المحتوى بنفسي. كانت الرسالة قادمة من نفس الرقم المجهول وغير المسجل الذي أرسل لي الرسالة المرعبة على نافذتي بالأمس، لكن هذه المرة لم تكن تحتوي على كلمات واضحة بل على شفرة لغوية معقدة وسطور من الرموز القديمة التي تشبه تماماً النقوش
ساد صمت عميق وثقيل في أرجاء الشقة الصغيرة الغارقة في رائحة البخور والأوراق القديمة المحروقة. كان كلام مراد يدور في عقلي كإعصار مدمر؛ التضحية بذكرياتي؟ كيف يمكن لإنسان عاقل أن يتخلى عن أجزاء من ماضيه، عن تفاصيل هويته وما يجعله الشخص الذي هو عليه اليوم، فقط من أجل كلمات مكتوبة على ورق أصفر عتيق؟ نظرتُ إلى المخطوطة المستقرة على الطاولة الخشبية المستديرة، ولم تعد تبدو لي مجرد قصة مرعبة، بل بدأت تظهر كوحش حقيقي يربض أمامي مستعداً لامتصاص حياتي قطعة تلو الأخرى.كسرتُ الصمت بصوت متهدج حاولتُ جاهدة أن أجعله متماسكاً: "أنت تطلب مني شيئاً مستحيلاً يا مراد. ذكرياتي هي كل ما أملك في هذا العالم البارد. إذا فقدتُ ماضيّ، فمن سأكون؟ كيف سأعرف نفسي في المرآة غداً؟"تحرك مراد ببطء نحو النافذة المغلقة بإحكام، ونظر عبر شقوق الستائر الداكنة إلى الخارج حيث كان المطر لا يزال ينهمر بقسوة شديدة، ثم التفت إليّ وعيناه الرماديتان تحملان مزيجاً من الأسى والجدية المطلقة وقال: "أنا لا أطلب منكِ هذا كخيار رفاهية يا ليان. هذا هو القانون الأنثربولوجي القديم للحبر الأسود. الأرواح التي رأيتِ ظلالها تزحف في ممرات دار الن
سقطت المخطوطة العتيقة من حقيبتي المفتوحة وتجمدتُ في مكاني بالكامل، وشعرتُ وكأن خنجراً طعن قلبي حين رأيت تلك الخطوط الحمراء المتوهجة تنبعث فجأة من بين السطور الصفراء القديمة وتضيء الممر المعتم. اندفعت الظلال الحبرية السائلة نحو الورق الساقط بنهم وجنون غريبين، وكأنها وحوش جائعة ومفترسة وجدت صيدها الثمين الذي كانت تبحث عنه لقرون مضت."لا تدعيهم يلمسون الأوراق بأي ثمن!" صرخ مراد بعلو صوته ليخترق صمت المكان، وتراجع بسرعة متخطياً إياي نحو مصدر الخطر. أخرج بلمحة خاطفة من جيب معطفه الأسود الداخلي قداحة فضية قديمة منقوشاً عليها رموز وعلامات غريبة تشبه الرموز اللغوية القديمة. أشعل النار فيها واندفع بجسده نحو الظلال المتقدمة دون ذرة خوف، ملوحاً بلهيب القداحة المتراقص في الهواء المظلم. تراجعت الظلال الحبرية فجأة إلى الوراء، مطلقة أصواتاً مرعبة أشبه بوفير فحيح الأفاعي الغاضبة؛ فالنار والضوء المباشر كانا نقطة ضعفها الوحيدة التي تجبرها على التراجع السريع وتشتت قواها اللزجة.استغليتُ تلك الثواني المعدودة والثمينة، وانحنيتُ على الأرض الخشبية المبللة بسرعة كبيرة والتقطتُ المخطوطة الساقطة بيدين ترتجفان







