على إيقاع الدم

على إيقاع الدم

last updateLast Updated : 2026-06-09
By:  نادين Completed
Language: Arab
goodnovel16goodnovel
10
7 ratings. 7 reviews
57Chapters
837views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

عندما كان سلطان طفلاً، اكتشف أن العالم مليء بالقسوة والعنف. طفولته المحطمة شكلت قلبه بالكراهية، وجعلته ينشأ في عالم مظلم من الشوارع والجريمة. كبر سلطان وسط الكباريه المليء بالسرقات والمخدرات، ومعه دُرّة التي تربطهما علاقة معقدة تتحول مع الزمن إلى حب مظلم ومهووس. لكن حياتهما ليست مجرد قصة حب، فهي مشحونة بالصراعات والأسرار والتهديدات التي قد تدمر كل شيء حولهما. بين الانتقام والخيانة، وبين حب مظلم وأسرار الماضي، سيجد كل من سلطان ودُرّة أنفسهم أمام اختبارات قاسية تقلب حياتهما رأساً على عقب.

View More

Chapter 1

الفصل الأول

تعالت ضحكات السكارى لتختلط برائحة التبغ الرخيص وبخور "المستكة" الذي يحاول عبثاً إخفاء أسرار المكان. في تلك الزاوية المظلمة من المسرح الخشبي،

يجلس هو، جسده الضخم يملأ الكرسي الخشبي الصغير لم يكن مجرد طبال؛ كان قطعة من "خرسانة" الشوارع التي تربى فيها. طوله الفارع يمنحه هيبة وقميصه الرمادي مفتوح الصدر يظهر آثار معارك قديمة لم تحسمها إلا "مطواته".

أما وجهه، فكان حكاية أخرى من القسوة والجاذبية المربكة. شعر أسود كثيف كليلٍ بلا قمر، وحواجب غليظة معقودة دائماً كأنه في حالة تأهب لغدرٍ قادم. لكن ما يخطف الأنفاس حقاً هو عيناه؛ عين سوداء كالفحم تطارد كل حركة في الصالة بدقة "الديلر" الذي لا يفوته شيء، وعين أخرى بيضاء مطفأة، "عوراء" تحكي قصه قديمه لكنها تمنحه نظرة غامضة ومرعبة في آن واحد.

وعلى الرغم من الندبات التي تركت خريطة من الوجع على وجهه، إلا أن فيه "بجاجة" وجرأة تجذب النساء . كان يوزع نظراته الساخرة بـ "بوارة" ابن البلد الذي لا يخشى أحداً، يضرب على طبلته بقوة وهو يمرر عينيه على الزبائن، وكأنه يحصي أنفاسهم، بينما عقده الآخر يدير صفقات "البودرة" و"الحشيش" تحت الطاولات ببرود يحسد عليه. يراقبهم يحدد من منهم صيد ثمين لبيع المواد المخدره او من يبحث عن سهرة خاصه نفس العين كانت لا تفارقها ليضبط إيقاع جسدها مع ضربات يده تحسس الجلد المشدود (الطبلة) تحت اصابعه الثمانيه علي الجانب الآخر، ( ظهرت هي ) تدور كإعصار من الشيفون والترتر الاحمر اللامع. تحت أضواء النيون الصفراء، نظرة سريعة منها إليه، كانت كفيلة بأن تجعل إيقاعه يتسارع، ليتحول الكباريه كله إلى حلبة صراع خفية بين "نقرة" طبلته و"هزة" خصرها.لم تكن مجرد راقصة تمر بفقرتها، بل كانت شعلة نار تلتهم برودة المكان. كان شعرها الأسود الفاحم، الطويل والمموج كأمواج ليلٍ غاضب، يتطاير مع كل لفة، وكأنه يجلد الهواء من حولها.

ارتطمت نظراتها بالجمهور فحبست الأنفاس؛ عيناها السوداوان الواسعتان كانتا تشبهان "بئر حكايات" قديمة، يزيدهما حدةً حواجبها الكثيفة المرسومة بإتقان كجناحي غراب، تمنح وجهها هيبةً وقوة لا تليق إلا بملكة تجلس على عرشها، حتى لو كان هذا العرش مجرد خشبة مسرح في ملهى ليلي.

أما خصرها.. فقد كان لغزاً يعجز عن تفسيره؛ خصرٌ صغير منحوت بدقة، يتلوى بمرونة خرافية مع كل "دقة" يخرجها من طبلته. كان يراقب من موقعه خلفها كيف يستجيب جسدها لضربات أصابعه، وكأن هناك خيطاً خفياً يربط بين جلد طبلته وبين انحناءات جسدها.

كلما اشتد الإيقاع، زادت هي اشتعالاً، لتبدو في تلك اللحظة وكأنها لا ترقص لتطرب الناس، بل لتمحو بجمالها الجموح كل ما هو قبيح في هذا العالم

"بدأ كل شيء في ذلك الملهى الليلي الذي يفوح برائحة الدخان والأسى. حين جاء به والده «ضاحي» وهو ابن خمسة عشر عاماً ليلقيه في جوف عالمٍ ملوث، كانت «درة» مجرد طفلة في الخامسه، ابنة لزوجة أبيه الراقصة «سنية شَكشَك». بينما كانت سنية تدير مسرح «ضاحي» وتهز خصرها لتجلب المال، كان هو ينحت شخصية درة على يده وسط هذا السواد. كبرت درة وهي تظن أن حركاتها في الرقص تعبير عن انطلاقها، ولم تدرك أنها كانت كالعجينة بين يديه؛ هو من شكلها، وهو من " الذي لا تتحرك خصلة من شعرها إلا بإشارة خفية من أصابعه."

انطلقت شرارة اللحن الافتتاحي لأغنية "حرمت أحبك" لوردة الجزائرية، ليرتجّ المكان بنغمات تطرب الوجدان وتشعل الأجواء حماساً. وعلى إيقاع الطبلة المنضبط، بدأت "دره" حركتها بانسيابية مذهلة، تتلوى مع النغمات كأنها جزء من اللحن، وتخطف الأنفاس مع كل دقة إيقاع.

على الجانب الآخر، كانت "الست سنية" تجلس على طاولتها الخاصة، محاطة من كبار المعلمين والتجار. تهز كتفيها بخفة وتدندن كلمات الأغنية بينما عيناها تلمعان ببريق الفخر وهي تراقب ابنتها تسيطر على المسرح، وكأنها تعلن للجميع أن هذا السحر هو "صناعتها"

وسط تصفيق الحضور، مال "المعلم فرج" نحوها، وقال بنبرة ملؤها الإعجاب والتقرب:

— "يا أرض احفظي ما عليكي.. صحيح ابن الوز عوام يا ست سنية،

لتبتسم سنيه بزهو :

ومع اخر هزه منها ودقه من يده انتهي العرض وقفلت الستار لتختفي "دره" في لحظه كالعاده تنهي رقصتها وتعود لغرفتها

أنهى سلطان نمرته ببراعة، وقذف بطبلته نحو "عشري" رئيس الفرقة، الذي التقفها منه بخفة كعادتهما بعد كل عرض. نزل سلطان من فوق المسرح ليتمشى في الصالة، فاستقبله صوت المعلم "فرج" وهو يوجه حديثه لسنية:

— "هي الأمورة الصغيرة راحت فين؟ ما تخليها تيجي تنورنا وتقعد معانا شوية يا ست سنية."

ضحكت "سنية" بضحكة غلفها التوتر؛ فهي تعلم جيداً أن ابنتها ترفض "القعدة" بتاتاً، تنهي رقصتها وتختفي خلف الكواليس كأنها لم تكن. وقبل أن تنطق، كانت ملامح سلطان قد تبدلت تماماً، فاندفع قائلاً بحدة:

— ".. الأمورة ما بتقعدش مع حد."

رفع المعلم فرج حاجبيه باستنكار ورد باستفزاز:

— "وليه بقى؟ هي للفرجة بس! إحنا عايزين نتأنس بيها يا سلطان."

اقترب سلطان منه، وضغط بيده بقوة على ظهر الكرسي الذي تجلس عليه "سنية"، ومال برأسه نحو المعلم فرج وهمس بغلّ مكتوم:

— "ما قولنا الأمورة لا بتتعرف ولا بتتأنس بحد.. خد قعدتك واتبسط، وورينا عرض قفاك يلا!"

تركهم وانصرف دون أن ينتظر رداً، فبادرت "سنية" بتلطيف الأجواء وهي تحاول مداراة غضب المعلم:

— "معلش يا معلم.. أصل البت طالعة غيري خالص، لا بتعرف تودي ولا تجيب،. دي بتكسف أوي!"

لوى فرج فمه ساخراً ورد بتهكم:

— "بت إيه؟ بتكسف! أمال ما بتتكسفش وهي بترقص ليه؟"

حاولت سنية إنهاء الحوار سريعاً:

— "خلاص بقى يا معلم، ما تعكرش دمك.. شوف أي واحدة غيرها في الصالة وأنا أندهالك تفرفش عليك وتسليك."

لم يقتنع المعلم، وظل صفوه عكراً وعيناه تلاحقان أثر سلطان بغضب.

كان يقطع الردهة المؤدية لغرفتها بخطوات واثقة، تدفعه رغبة عارمة في أن يملأ عينيه بطلتها؛ فبالرغم من أن لحظاتهما معاً لا تخلو من العناد والصدام والصراخ، إلا أنه كان يعشق كل تفصيلة تصدر عنها، حتى غضبها كان له في قلبه مستقر.

فجأة، اخترق سكون الردهة صوت أنثوي خافت يهمس باسمه بدلالٍ متكلف:

— "سلطان.. بسسس.. يا سلطان، تعالى هنا!"

توقف مكانه، وزفر بضيق وهو يقلب عينيه بملل بمجرد أن أدرك هوية صاحبة الصوت؛ إنها "شادية" مطربة الفرقة، وزوجة "حكيم" الجرسون العجوز. التفت إليها بوجهٍ جامد وملامح خشنة قائلاً:

— "عايزة إيه يا شادية؟ اخلصي مش فاضيلك."

اقتربت منه وهي تتلفت حولها بحذر كاللصوص، ثم قالت بصوت منخفض:

— "هعوز إيه يعني؟ وحشتني.. مش عارفة أتلم عليك ولا أخطف منك كلمة."

رد عليها بجفاءٍ قاطع:

— "قولتلك مش فايقلك، اطلعي من دماغي دلوقتي."

وضعت يديها في خصرها بوقاحة واعتراض، وقالت بلهجة يملؤها الحقد:

— "ما أنت كنت لسه مع البت 'زيزي' امبارح.. ودلوقت شايفك رايح نايحه اوضة الغندوره ولا هو الحِلو ليهم والوحش ليا أنا؟ وعندي أنا وما بتفوقش!"

تشنجت ملامح وجهه وزمجر بحدة:

— "وأنتِ مالك ومال اللي بكون معاهم؟ ما تحشريش نفسك في اللي مالكيش فيه!"

في تلك اللحظة، ارتفع صوت "الدوكش" يناديه من بعيد، يبلغه بأن والده يريده في أمرٍ هام. وبدون أدنى اهتمام، دفعها سلطان من طريقه ببرود، ومضى مبتعداً وكأنها مجرد حشرة أو شيء لا قيمة له، تاركاً إياها تشتعل غيظاً خلفه.

داخل غرفة شبه مظلمة، يفوح فيها عبق الدخان المكتوم، كان يقف عند الباب حارس ضخم الجثة من رجال "الكباريه". وفي الداخل، جلس "ضاحي" - الرجل الذي ساق ابنه "سلطان" إلى هذا العالم القذر - يترأس طاولة مستديرة، يحيط به أباطرة تجارة "الصنف" من حشيش وهيروين. كان النقاش يحتدم حول كيفية تأمين الشحنة القادمة، وفي تلك اللحظة اقتحم سلطان الغرفة بخطواته الواثقة ليفرض وجوده على الجلسة.

هتف أحد التجار بضيق لم يستطع كتمانه:

— "المرة اللي فاتت ضابط سينا حط إيده على الشحنة وكل حاجة باظت.. المرة دي هنعمل إيه يا ضاحي؟"

رد ضاحي بنزق وهو ينفث دخان أرجيلته:

— "وأنا إيش عرفني طلع لنا منين ده كمان! واد ابن كلـ..ب زي الثعلب، بيحوم ورانا في كل حتة."

هنا تدخل سلطان بصوت أجش قاطعاً حبل الشكوك:

— "البضاعة هتوصل، وأنا اللي هستلمها بنفسي.. أما الواد ده، فـ "الغربال الجديد له شدة"، وهو شادد حيله بس عشان الترقية، وأنا بقى اللي هطيرها من إيده."

ضرب تاجر آخر الطاولة بقبضته قائلاً بغل:

— "ده طير مننا بضاعة بالشيء الفلاني، وأنا مش مستعد أخسر مليم واحد تاني يا ضاحي.. يا تتأكد من رجالتك، يا نشوف لنا دخلة تانية غير دي!"

انتفض سلطان واقفاً، وعيناه تقدحان شرراً وهو ينهي النقاش بحدة:

— "إحنا مش نسوان قدامك عشان تقول اتأكد من رجالتك! قولتلك المرة دي أنا اللي في الوش، والبضاعة هتتقطع قدامي، وكل واحد هياخد حصته وكلمتي مش هكررها."

استعد للرحيل، لكنه توقف فجأة عند الباب، والتفت إليهم ببرود وتساؤل:

— "هو اسمه إيه الواد ده؟"

رد ضاحي بتمهل مخيف، وكأنه ينطق حكماً بالإعدام:

— "حمزه .. حمزة الأسيوطي."

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters

reviewsMore

مروة نصر
مروة نصر
جميلة ياقمر بالتوفيق يارب
2026-06-03 05:38:12
0
0
Soly fadel
Soly fadel
جمييييييييل جدا
2026-06-02 06:21:02
0
0
حياة محمد الجدوى
حياة محمد الجدوى
روايه متميزه احسنت
2026-05-30 17:07:27
0
0
هبه ابو الوفا
هبه ابو الوفا
جامد جدااا منتظره
2026-05-30 01:58:17
0
0
نورا
نورا
مممتاز بالتوفيق كملى
2026-05-28 02:33:34
0
0
57 Chapters
الفصل الأول
تعالت ضحكات السكارى لتختلط برائحة التبغ الرخيص وبخور "المستكة" الذي يحاول عبثاً إخفاء أسرار المكان. في تلك الزاوية المظلمة من المسرح الخشبي، يجلس هو، جسده الضخم يملأ الكرسي الخشبي الصغير لم يكن مجرد طبال؛ كان قطعة من "خرسانة" الشوارع التي تربى فيها. طوله الفارع يمنحه هيبة وقميصه الرمادي مفتوح الصدر يظهر آثار معارك قديمة لم تحسمها إلا "مطواته".أما وجهه، فكان حكاية أخرى من القسوة والجاذبية المربكة. شعر أسود كثيف كليلٍ بلا قمر، وحواجب غليظة معقودة دائماً كأنه في حالة تأهب لغدرٍ قادم. لكن ما يخطف الأنفاس حقاً هو عيناه؛ عين سوداء كالفحم تطارد كل حركة في الصالة بدقة "الديلر" الذي لا يفوته شيء، وعين أخرى بيضاء مطفأة، "عوراء" تحكي قصه قديمه لكنها تمنحه نظرة غامضة ومرعبة في آن واحد.وعلى الرغم من الندبات التي تركت خريطة من الوجع على وجهه، إلا أن فيه "بجاجة" وجرأة تجذب النساء . كان يوزع نظراته الساخرة بـ "بوارة" ابن البلد الذي لا يخشى أحداً، يضرب على طبلته بقوة وهو يمرر عينيه على الزبائن، وكأنه يحصي أنفاسهم، بينما عقده الآخر يدير صفقات "البودرة" و"الحشيش" تحت الطاولات ببرود يحسد عليه. يراقبه
Read more
الفصل الثاني
يجلس علي البار "عشري"؛ رئيس الفرقة لم يكن صاحب ماضي بائس أو دراما معقدة، هو ابن الأحياء الشعبية البسيطه الذي لم تزد علّامه عن الشهادة الإعدادية، قبل أن يسحبه خاله إلى عالم "الصالة" ليتعلم أصول الصنعة. بدأ من الصفر، يمسح الغبار عن الطاولات والأرضيات بجدية صبيٍ يريد إثبات ذاته، حتى ورث "دف" خاله ومكانه في الفرقة، ليصبح مع الوقت ضابط إيقاع لم يكن "عشري" مجرد رئيس فرقة بالنسبة لـ "سلطان" و"درة"، بل كانت تربطه بيهما صداقة أخوية . وهو الوحيد الذي كان يملك "العين" التي تخترق جدار الصمت؛ فبينما ينشغل الجميع بالرقص والمال، كان هو يلمح نظرات سلطان المكتومة تجاه "درة" تلك الفتاة العنيدة، يقرأ مشاعر صديقه التي يحاول إخفاءها عن العالم، ويحرس هذا السر بوفاء دق عشري علي طوله البار بمزاح دائما ما يتسم بي: الله ينور يا عم حكيــــــــــم ليرد حكيم ببتسامه لهذه الشاب المشاكس عليك يا عشري ايه خلصت نمرتك علي المسرح ونازل تعملي نمره وتصدعني هنا ليضحك عشري : يا عمنا صداع ايه انت واقف في قلب الصداع نفسه علي رأيك هو اللي زينا بيصدع انا خدنا علي الدوشه والدق والطبل اهو بنغلوش علي اللي جوانا با
Read more
الفصل الثالث
— "خلاص بقى يا سلطان.. كفاية كدا، نمرتي قربت هتف بخشونة وعيناه لا تزالان تبحثان عن تفريغ غضبه: — "إيه يا روح أمك؟ مش أنتِ اللي كنتي هتموتي عليا وتتحايلي؟ متبقيش فصيلة بقى.. وبعد دقائق ابتعد عنها وأخرج علبة سجائره ليشعل واحدة، ينفث دخانها في سقف الغرفة، بينما وقفت هي أمام المرآة تعدل من هندامها المبعثر — "أنت.. ده يا ويلها وسواد ليلها اللي تقع تحت إيدك هتف سلطان بسخرية لاذعة وهو ينظر إليها عبر المرآة: — "أنتِ اللي بقيتي خرعة ومبقتيش تستحملي زي زمان.. راحت أيامك يا شوشو." ثم أطلق ضحكة عالية، مجلجلة، وهتف بتهكم: — "أنتِ أخرك حكيم.. العجوز تمتمت بضيق وألم حقيقي يعتصر قلبها: — "متجبش سيرته .. أنا بكره نظرته ليا، نظرة الراجل الطيب اللي بتحسسني في كل ثانية إني ست وحشة وخاينة رد باستهزاء وبرود — "وانتِ إن جيتي للحق.. ست كمل أوي قالت بمرارة — "أنا اخترت أعيش مع حكيم وأتجوزه عشانك أنت يا سلطان! مرضتش أبقى زي البنات الشمال اللي في الصالة، اتجوزته عشان أعمل لنفسي غطا، وعشان أبقى جنبك وليك لوحدك في أي وقت تطلبني فيه.. واستحملت سجنه ليا عشانك !" لكن صوته جاء بار
Read more
الفصل الرابع
جال بصرها بين أرجاء الصالة حتى استقرت نظراتها على "عم حكيم" وهو يعمل خلف البار. اتجهت نحوه وجلست على المقعد العالي هامسة بلهفة: — "عم حكيم.." التفت إليها حكيم بابتسامة حانية؛ فهو يراها الابنة التي لم ينجبها منذ دخلت هذا المكان طفلة. كان هو من علّمها القراءة والكتابة سرًا بعدما رفضت والدتها إدخالها المدرسة، ومنحها حنان الأب الذي حُرمت منه. رد بحنان : — "يا اهلا يا اهلا الصالة نورت بالفنانة!" تنهدت بضيق: — "والنبي يا عم حكيم بلاش فنانة دي الله يخليك .." رفع حاجبه مداعبًا : — "هنكدب يعني ولا ايه ؟ أنتي موهوبة وبتحبي الرقص، ولولا حبك ليه مكنتيش بقيتي شاطرة كدة.. بس عنادك مع سلطان هو اللي كرهك في كل حاجة." انقبض وجهها وقالت : — "سلطان كرهني في الدنيا كلها.. صحيح عرفت إنه سافر ومش راجع غير بعد بكرة." سألها بحذر: — "ناوية على إيه؟" اقتربت منه أكثر وهمست: — " عايزه اطلب منك طلب صغير .. عايزاك تخرجني من هنا." اتسعت عيناه بصدمة: — "أنتي اتجننتي؟! تروحي فين؟ من التيران اللي علي الباب وبعدين سلطان؟ ده ممكن يقلب المكان فوق دماغنا !" امتلأت عيناها بالدموع: — "ت
Read more
الفصل الخامس
كانت تتقلب في فراشها، أنفاسها تتسارع وكأن الهواء ينسحب من الغرفة ببطءٍ قاتل. رأت ابنها يتصارع مع ظلٍ غامض، خيالٌ يطارد خيالًا وسط عتمةٍ موحشة لا نهاية لها. كانت تسمع صدى الرصاص في الحلم، وترى الدم يلطخ الأرض تحت قدميه، بينما يمد يده إليها مستغيثًا بعينين امتلأتا خوفًا وألمًا. حاولت الركض نحوه، لكن قدميها كانتا ثقيلتين كأن سلاسل من حديد قيدتهما. صرخت باسمه بكل ما أوتيت من قوة، إلا أن صوتها اختنق داخل صدرها ولم يخرج. كانت تراه يبتعد عنها شيئًا فشيئًا، يبتلعه الضباب الأسود كما تبتلع الأمواج جثة غريقٍ وحيد. وفجأة دوّى صوت طلقةٍ أخرى شقّ سكون الكابوس، فارتجف جسده وسقط على ركبتيه. اتسعت عيناها رعبًا وهي ترى بقعة الدم تكبر فوق ثيابه كزهرةٍ قرمزية تتفتح ببطءٍ على جسده الصغير. مدت يديها إليه في يأس، تبكي وتتوسل أن يبقى، لكنه كان يتلاشى أمامها كسرابٍ وفجأة، استيقظت بصرخة مزقت سكون الليل: — "ابنييييي!" انتفض جمال من نومه على صوتها المرتعش، ومد يده بسرعة نحو الأباجورة الجانبية، لينتشر ضوء خافت كشف عن ملامحها الشاحبة ودموعها المتجمعة في عينيها. التفت إليها بقلق، واضعًا يده على كتفها يحاول ت
Read more
الفصل السادس
​"هخلص على العصابات الوحشين الاشرار وأجيلك يا قلبي.. جهزي نفسك للفرح!""حقك عليا يا باشا.. أصلها واكلة دماغي وبتاخد رأيي في الميكاب والفستان."​"بالله عليك يا حمزة باشا.. كلملي اللوا شاكر يوافق على إجازتي، لحسن ’هنا‘ تلوي بوزها عليا."​"حبيب الشعب و برنس الداخلية والله ’هنا‘ خايفة عليا ، بتقولي مش عايزاك تبقى عريس الجنة.ا."​صوت حمزة بحدة: "أمن ضهري يا رامي!"​"يلا يا سُلــــطان.. مفيش وقت!""سلـطان" !!فتح حمزة عينيه بفزع، أنفاسه متلاحقة واللون الأبيض يحيط به من كل جانب. نظر إلى قدمه الملفوفة بضمادات طبية كثيفة، فداهمه ألم الرصاصة التي اخترقت جسده.​من خلف الباب، تسرّبت أصوات مألوفة.. كان والده ووالدته يتحدثان مع الطبيب بنبرة قلقة.الطبيب: "الحمد لله يا دكتور جمال، الرصاصة خرجت . المهم دلوقتي الراحة التامة، ممنوع يضغط على رجله نهائي عشان نتجنب أي مضاعفات."والد حمزة: "الحمد لله.. كتر خيرك يا دكتور، تعبناك معانا."​رحل الطبيب، فغلب البكاء والدة حمزة. طبطب جمال على كتفها بحنان: "اهدي يا أم حمزة، الدكتور طمننا، عدت و الحمد لله."​دخلوا الغرفة، ليروا حمزة مستيقظاً لكن بملامح تائهة.ال
Read more
الفصل السابع
حاول إغماض جفنيه هرباً من واقعه، فهو لم يعتد يوماً على هذا الحصار؛ كان دائماً كريحٍ لا تهدأ، يتحرك في ردهات الصالة وخارج جدرانها ، أما الآن.. فهذه الخيمة تلتف حول عنقه كحبل مشنقة، ويخنقُه فيها ابتعاده عن "درة".أغمض عينيه بقوة يستجدي النوم، لكن الأحلام لم تعد سكناً، بل تحولت إلى كوابيس تتربص به. كلما استرجع شريط ذكرياته، شعر بروحه تتمزق أشلاءً؛ لم يعد يطيق تذكر ذلك الطفل الذي كانه، لأنه صار يكره الرجل الذي أصبح عليه الآن تراءى له طيف ذلك الصغير الواقف بجانب والدته في المطبخ، يقفز بفرح طفولي:— "الله يا ماما.. ريحة المكرونة تجنن، أنا جعان أوي!"التفتت إليه الأم بحنان وهي تخرج صينية "المكرونة بالبشاميل" المفضلة لديه، وقالت بابتسامة دافئة:— "خلاص يا حبيبي طلعت اهي.. روح اغسل إيدك بسرعة، بس بشرط يا سلطان، تخلص طبقك كله وعد."هتف الطفل بحماس وهو يركض نحو المغسلة:— "هخلصه كله، وعد!"الذكرى الثانية:لكن الذكريات سرعان ما تشحت بالسواد، لتداهمه صورة أخرى أكثر قسوة..كان الطفل منكمشاً على نفسه فوق فراشه، يرتجف خوفاً من وقع الأصوات الصاخبة والمشادة العنيفة بين والديه. تسلل من سريره واقترب من
Read more
الفصل الثامن
كان قسم الشرطة يغرق في أجواءٍ خانقة ثقيلة؛ أصوات بكاءٍ مكتوم، شتائم العساكر الحادة، ونشيج فتيات يلتفن بملاياتٍ بيضاء يسترن بها أجسادهن المرتجفة بعد أن قُبض عليهن داخل "البانسيون" المشبوه. بعضهن يجلسن على الأرض بوجوهٍ شاحبة وعيونٍ غارقة في الدموع، وأخريات يتوسلن بانهيار خوفاً من الفضيحة، بينما كان الرجال المقبوض عليهم يقفون في زاويةٍ أخرى برؤوسٍ مطأطأة وملابس مبعثرة، يتلقون السباب والدفعات العنيفة من العساكر. أما "درة"، فكانت تقف بعيدة عن الجميع تضم ذراعيها حول جسدها المرتجف وكأنها تحاول الاحتماء من هذا الكابوس. عيناها الزائغتان كانتا تتحركان برعب بين الوجوه من حولها، وقلبها يدق بعنفٍ مؤلم داخل صدرها. لم تستوعب حتى الآن كيف انتهى بها الأمر وسط كل هؤلاء. منذ ساعات قليلة فقط كانت تظن أنها نجت بنفسها، هربت من الجحيم الذي كانت تعيشه، لتجد نفسها فجأة في جحيمٍ آخر أكثر قسوة وفضيحة. كانت تشعر بأنفاسها تختنق كلما وقعت عيناها على إحدى الفتيات الملفوفات بالملايات البيضاء، أو سمعت كلمةً جارحة تُقال بحقهن. شعرت بالإهانة تسحقها، والخوف ينهشها من الداخل. هتف العسكري بصراخ حاد وهو يدفعها من كتفه
Read more
الفصل التاسع
كان حكيم يتوارى خلف أحد الأعمدة الخرسانية الضخمة في الصالة يلتفت حوله بهلع، وهو يضغط على الهاتف بيده المرتجفة ويهمس بصوته المبحوح: «ألو.. ألووو.. أنتِ فين يا درة؟ صوتك مش واضح خالص ضاحي قالب الدنيا عليكي هنا ومش سايب شبر مأسألش فيه! تحدثت "درة" بنبرة متقطعة ومضطربة «عم حكيم.. اسمعني كويس يا عم حكيم، أبوس إيدك ركز معايا في كل كلمة.. لو سلطان قدامك أو قريب منك روح بعيد عنه فوراً.. متتكلمش قدامه ولا تبين أي حاجة من اللي هقولهالك! «سلطان لسه مرجعش.. لكن يا بنتي لازم ترجعي فوراً قبل ما يرجع ويكتشف انك مش موجوده .. ضاحي ورجالته قالبين الدنيا، وسلطان لو جه ومالقكيش هيحرق المكان باللي فيه في تلك اللحظة، تصاعدت جلبة وضوضاء صاخبة وعنيفة في الخلفية عند درة؛ أصوات صراخ العساكر وأوامر الضباط وحركة المقبوض عليهم، مما جعل الكلمات تضيع في الهواء وتمنعها من سماع كلمات حكيم بوضوح. صاحت "درة" بصراخ مكتوم وهي تضع يدها الأخرى على أذنها: «بتقول إيه . سلطان لسه مرجعش ليه؟! عم حكيم اسمعني الله يخليك .. أنا وقعت في مصيبة سودة مش هعرف أطلع منها لوحدي.. لازم تجيلي الووو عم حكيم أنا في القسم هتف حكيم
Read more
الفصل العاشر
​التفت إليها حمزة بذهول وعقله لم يستوعب بعد كيف تحولت تلك الفتاة الباكية المنكسرة قبل دقائق إلى كتلة من اللهب والجرأة أمامه إيه؟! ​تابعت "درة" بصوتٍ أكثر حدة «بقولك نزلني أنت وخدني علي فين لا بقولك إيه يا جدع انت اللي في دماغك ده وأي فكرة شمال بتدور في عقلك أبعد لك من نجوم السماء، وعلى جثتي نزلني على الرصيف ده بدل ما أصوّت وألمّ عليك أمة لا إله إلا الله أنا مش لقمة طرية ​استشاط حمزة غضباً من اتهامها الصريح وضغط على عجلة القيادة بقوة حتى ابيضت قواطع أصابعه، وصاح بها اخرسي خالص! إيه التخريف اللي بتقوليه ده؟ كل الحكايه اني هاخدك نتكلم واساعدك مش أكتر ولا أقل! ​ انطلقت من داخلها "روح الردح" الشعبي وفتحت نيران لسانها عليه وهتفت بتهكم لاذع وهي تميل برأسها حركة متوارثة من الحارات الشعبية: «نعممم يا عُوووومر؟! نت إيه يا عنيا؟ نتكلم في إيه هو انت تعرفني اصلا أنا مش شمال، ومرواحي البانسيون الهباب ده كانت غلطةنزلني بدل ما أخلي نهارك ماطلعش له شمس وأعملك فضيحة بجلاجل والا هـ... ​لم تكن الكلمات لتتوقف، فوضع حمزة يده فجأة وبحركة خاطفة وسريعة فوق فمها، ليكمم سيل "الردح" والشتائم المنطلق م
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status