LOGINعندما كان سلطان طفلاً، اكتشف أن العالم مليء بالقسوة والعنف. طفولته المحطمة شكلت قلبه بالكراهية، وجعلته ينشأ في عالم مظلم من الشوارع والجريمة. كبر سلطان وسط الكباريه المليء بالسرقات والمخدرات، ومعه دُرّة التي تربطهما علاقة معقدة تتحول مع الزمن إلى حب مظلم ومهووس. لكن حياتهما ليست مجرد قصة حب، فهي مشحونة بالصراعات والأسرار والتهديدات التي قد تدمر كل شيء حولهما. بين الانتقام والخيانة، وبين حب مظلم وأسرار الماضي، سيجد كل من سلطان ودُرّة أنفسهم أمام اختبارات قاسية تقلب حياتهما رأساً على عقب.
View Moreتعالت ضحكات السكارى لتختلط برائحة التبغ الرخيص وبخور "المستكة" الذي يحاول عبثاً إخفاء أسرار المكان. في تلك الزاوية المظلمة من المسرح الخشبي،
يجلس هو، جسده الضخم يملأ الكرسي الخشبي الصغير لم يكن مجرد طبال؛ كان قطعة من "خرسانة" الشوارع التي تربى فيها. طوله الفارع يمنحه هيبة وقميصه الرمادي مفتوح الصدر يظهر آثار معارك قديمة لم تحسمها إلا "مطواته". أما وجهه، فكان حكاية أخرى من القسوة والجاذبية المربكة. شعر أسود كثيف كليلٍ بلا قمر، وحواجب غليظة معقودة دائماً كأنه في حالة تأهب لغدرٍ قادم. لكن ما يخطف الأنفاس حقاً هو عيناه؛ عين سوداء كالفحم تطارد كل حركة في الصالة بدقة "الديلر" الذي لا يفوته شيء، وعين أخرى بيضاء مطفأة، "عوراء" تحكي قصه قديمه لكنها تمنحه نظرة غامضة ومرعبة في آن واحد. وعلى الرغم من الندبات التي تركت خريطة من الوجع على وجهه، إلا أن فيه "بجاجة" وجرأة تجذب النساء . كان يوزع نظراته الساخرة بـ "بوارة" ابن البلد الذي لا يخشى أحداً، يضرب على طبلته بقوة وهو يمرر عينيه على الزبائن، وكأنه يحصي أنفاسهم، بينما عقده الآخر يدير صفقات "البودرة" و"الحشيش" تحت الطاولات ببرود يحسد عليه. يراقبهم يحدد من منهم صيد ثمين لبيع المواد المخدره او من يبحث عن سهرة خاصه نفس العين كانت لا تفارقها ليضبط إيقاع جسدها مع ضربات يده تحسس الجلد المشدود (الطبلة) تحت اصابعه الثمانيه علي الجانب الآخر، ( ظهرت هي ) تدور كإعصار من الشيفون والترتر الاحمر اللامع. تحت أضواء النيون الصفراء، نظرة سريعة منها إليه، كانت كفيلة بأن تجعل إيقاعه يتسارع، ليتحول الكباريه كله إلى حلبة صراع خفية بين "نقرة" طبلته و"هزة" خصرها.لم تكن مجرد راقصة تمر بفقرتها، بل كانت شعلة نار تلتهم برودة المكان. كان شعرها الأسود الفاحم، الطويل والمموج كأمواج ليلٍ غاضب، يتطاير مع كل لفة، وكأنه يجلد الهواء من حولها. ارتطمت نظراتها بالجمهور فحبست الأنفاس؛ عيناها السوداوان الواسعتان كانتا تشبهان "بئر حكايات" قديمة، يزيدهما حدةً حواجبها الكثيفة المرسومة بإتقان كجناحي غراب، تمنح وجهها هيبةً وقوة لا تليق إلا بملكة تجلس على عرشها، حتى لو كان هذا العرش مجرد خشبة مسرح في ملهى ليلي. أما خصرها.. فقد كان لغزاً يعجز عن تفسيره؛ خصرٌ صغير منحوت بدقة، يتلوى بمرونة خرافية مع كل "دقة" يخرجها من طبلته. كان يراقب من موقعه خلفها كيف يستجيب جسدها لضربات أصابعه، وكأن هناك خيطاً خفياً يربط بين جلد طبلته وبين انحناءات جسدها. كلما اشتد الإيقاع، زادت هي اشتعالاً، لتبدو في تلك اللحظة وكأنها لا ترقص لتطرب الناس، بل لتمحو بجمالها الجموح كل ما هو قبيح في هذا العالم "بدأ كل شيء في ذلك الملهى الليلي الذي يفوح برائحة الدخان والأسى. حين جاء به والده «ضاحي» وهو ابن خمسة عشر عاماً ليلقيه في جوف عالمٍ ملوث، كانت «درة» مجرد طفلة في الخامسه، ابنة لزوجة أبيه الراقصة «سنية شَكشَك». بينما كانت سنية تدير مسرح «ضاحي» وتهز خصرها لتجلب المال، كان هو ينحت شخصية درة على يده وسط هذا السواد. كبرت درة وهي تظن أن حركاتها في الرقص تعبير عن انطلاقها، ولم تدرك أنها كانت كالعجينة بين يديه؛ هو من شكلها، وهو من " الذي لا تتحرك خصلة من شعرها إلا بإشارة خفية من أصابعه." انطلقت شرارة اللحن الافتتاحي لأغنية "حرمت أحبك" لوردة الجزائرية، ليرتجّ المكان بنغمات تطرب الوجدان وتشعل الأجواء حماساً. وعلى إيقاع الطبلة المنضبط، بدأت "دره" حركتها بانسيابية مذهلة، تتلوى مع النغمات كأنها جزء من اللحن، وتخطف الأنفاس مع كل دقة إيقاع. على الجانب الآخر، كانت "الست سنية" تجلس على طاولتها الخاصة، محاطة من كبار المعلمين والتجار. تهز كتفيها بخفة وتدندن كلمات الأغنية بينما عيناها تلمعان ببريق الفخر وهي تراقب ابنتها تسيطر على المسرح، وكأنها تعلن للجميع أن هذا السحر هو "صناعتها" وسط تصفيق الحضور، مال "المعلم فرج" نحوها، وقال بنبرة ملؤها الإعجاب والتقرب: — "يا أرض احفظي ما عليكي.. صحيح ابن الوز عوام يا ست سنية، لتبتسم سنيه بزهو : ومع اخر هزه منها ودقه من يده انتهي العرض وقفلت الستار لتختفي "دره" في لحظه كالعاده تنهي رقصتها وتعود لغرفتها أنهى سلطان نمرته ببراعة، وقذف بطبلته نحو "عشري" رئيس الفرقة، الذي التقفها منه بخفة كعادتهما بعد كل عرض. نزل سلطان من فوق المسرح ليتمشى في الصالة، فاستقبله صوت المعلم "فرج" وهو يوجه حديثه لسنية: — "هي الأمورة الصغيرة راحت فين؟ ما تخليها تيجي تنورنا وتقعد معانا شوية يا ست سنية." ضحكت "سنية" بضحكة غلفها التوتر؛ فهي تعلم جيداً أن ابنتها ترفض "القعدة" بتاتاً، تنهي رقصتها وتختفي خلف الكواليس كأنها لم تكن. وقبل أن تنطق، كانت ملامح سلطان قد تبدلت تماماً، فاندفع قائلاً بحدة: — ".. الأمورة ما بتقعدش مع حد." رفع المعلم فرج حاجبيه باستنكار ورد باستفزاز: — "وليه بقى؟ هي للفرجة بس! إحنا عايزين نتأنس بيها يا سلطان." اقترب سلطان منه، وضغط بيده بقوة على ظهر الكرسي الذي تجلس عليه "سنية"، ومال برأسه نحو المعلم فرج وهمس بغلّ مكتوم: — "ما قولنا الأمورة لا بتتعرف ولا بتتأنس بحد.. خد قعدتك واتبسط، وورينا عرض قفاك يلا!" تركهم وانصرف دون أن ينتظر رداً، فبادرت "سنية" بتلطيف الأجواء وهي تحاول مداراة غضب المعلم: — "معلش يا معلم.. أصل البت طالعة غيري خالص، لا بتعرف تودي ولا تجيب،. دي بتكسف أوي!" لوى فرج فمه ساخراً ورد بتهكم: — "بت إيه؟ بتكسف! أمال ما بتتكسفش وهي بترقص ليه؟" حاولت سنية إنهاء الحوار سريعاً: — "خلاص بقى يا معلم، ما تعكرش دمك.. شوف أي واحدة غيرها في الصالة وأنا أندهالك تفرفش عليك وتسليك." لم يقتنع المعلم، وظل صفوه عكراً وعيناه تلاحقان أثر سلطان بغضب. كان يقطع الردهة المؤدية لغرفتها بخطوات واثقة، تدفعه رغبة عارمة في أن يملأ عينيه بطلتها؛ فبالرغم من أن لحظاتهما معاً لا تخلو من العناد والصدام والصراخ، إلا أنه كان يعشق كل تفصيلة تصدر عنها، حتى غضبها كان له في قلبه مستقر. فجأة، اخترق سكون الردهة صوت أنثوي خافت يهمس باسمه بدلالٍ متكلف: — "سلطان.. بسسس.. يا سلطان، تعالى هنا!" توقف مكانه، وزفر بضيق وهو يقلب عينيه بملل بمجرد أن أدرك هوية صاحبة الصوت؛ إنها "شادية" مطربة الفرقة، وزوجة "حكيم" الجرسون العجوز. التفت إليها بوجهٍ جامد وملامح خشنة قائلاً: — "عايزة إيه يا شادية؟ اخلصي مش فاضيلك." اقتربت منه وهي تتلفت حولها بحذر كاللصوص، ثم قالت بصوت منخفض: — "هعوز إيه يعني؟ وحشتني.. مش عارفة أتلم عليك ولا أخطف منك كلمة." رد عليها بجفاءٍ قاطع: — "قولتلك مش فايقلك، اطلعي من دماغي دلوقتي." وضعت يديها في خصرها بوقاحة واعتراض، وقالت بلهجة يملؤها الحقد: — "ما أنت كنت لسه مع البت 'زيزي' امبارح.. ودلوقت شايفك رايح نايحه اوضة الغندوره ولا هو الحِلو ليهم والوحش ليا أنا؟ وعندي أنا وما بتفوقش!" تشنجت ملامح وجهه وزمجر بحدة: — "وأنتِ مالك ومال اللي بكون معاهم؟ ما تحشريش نفسك في اللي مالكيش فيه!" في تلك اللحظة، ارتفع صوت "الدوكش" يناديه من بعيد، يبلغه بأن والده يريده في أمرٍ هام. وبدون أدنى اهتمام، دفعها سلطان من طريقه ببرود، ومضى مبتعداً وكأنها مجرد حشرة أو شيء لا قيمة له، تاركاً إياها تشتعل غيظاً خلفه. داخل غرفة شبه مظلمة، يفوح فيها عبق الدخان المكتوم، كان يقف عند الباب حارس ضخم الجثة من رجال "الكباريه". وفي الداخل، جلس "ضاحي" - الرجل الذي ساق ابنه "سلطان" إلى هذا العالم القذر - يترأس طاولة مستديرة، يحيط به أباطرة تجارة "الصنف" من حشيش وهيروين. كان النقاش يحتدم حول كيفية تأمين الشحنة القادمة، وفي تلك اللحظة اقتحم سلطان الغرفة بخطواته الواثقة ليفرض وجوده على الجلسة. هتف أحد التجار بضيق لم يستطع كتمانه: — "المرة اللي فاتت ضابط سينا حط إيده على الشحنة وكل حاجة باظت.. المرة دي هنعمل إيه يا ضاحي؟" رد ضاحي بنزق وهو ينفث دخان أرجيلته: — "وأنا إيش عرفني طلع لنا منين ده كمان! واد ابن كلـ..ب زي الثعلب، بيحوم ورانا في كل حتة." هنا تدخل سلطان بصوت أجش قاطعاً حبل الشكوك: — "البضاعة هتوصل، وأنا اللي هستلمها بنفسي.. أما الواد ده، فـ "الغربال الجديد له شدة"، وهو شادد حيله بس عشان الترقية، وأنا بقى اللي هطيرها من إيده." ضرب تاجر آخر الطاولة بقبضته قائلاً بغل: — "ده طير مننا بضاعة بالشيء الفلاني، وأنا مش مستعد أخسر مليم واحد تاني يا ضاحي.. يا تتأكد من رجالتك، يا نشوف لنا دخلة تانية غير دي!" انتفض سلطان واقفاً، وعيناه تقدحان شرراً وهو ينهي النقاش بحدة: — "إحنا مش نسوان قدامك عشان تقول اتأكد من رجالتك! قولتلك المرة دي أنا اللي في الوش، والبضاعة هتتقطع قدامي، وكل واحد هياخد حصته وكلمتي مش هكررها." استعد للرحيل، لكنه توقف فجأة عند الباب، والتفت إليهم ببرود وتساؤل: — "هو اسمه إيه الواد ده؟" رد ضاحي بتمهل مخيف، وكأنه ينطق حكماً بالإعدام: — "حمزه .. حمزة الأسيوطي."ساد الصمت الشامل أرجاء تلك القاعة الكبيرة.. صمتٌ كان في ثقله وأثره أقوى وأقسى من الرصاصة ذاتها التي اخترقت السكون قبل قليل.وقف حمزة في مكانه بثباتٍ صلب، يلمع العرق على جبينه تحت الضوء الخافت. لم يهرب، ولم يتقدم خطوة واحدة نحو الجثة الممددة على الأرض، ولم يحاول حتى أن ينطق بكلمة تبرير واحدة لفعلته أمام العيون الشاخصة نحوه. كان يعرف يقيناً، وبعقلية عسكرية باردة وحاسمة، أن ما حدث داخل هذه الصالة لن يُقرأ ولن يُكتب في التقارير إلا من زاوية واحدة رسمية فقط: خطرٌ داكن يهدد الأرواح، سلاحٌ موجهٌ نحو الصدور، ورصاصة واحدة مشروعة انطلقت لتوقف التهديد، وتحسم المعركة، وتطوي صفحة "سلطان" إلى الأبد.في تلك اللحظة بالذات، انفجر عويل "حورية".. لم يكن مجرد بكاء، بل كان إعصاراً مدمراً يضرب سكون المكان، صرخةً كونية تقطع نياط القلوب وتزلزل الجدران. ارتمت على الأرض، وجذبت جسد ابنها إلى أحضانها، بدأت تهز كتفيه بعنفٍ وحرقة شديدين، كأنها بتلك القوة تحاول انتزاعه من براثن الموت والعدم، وتبث في عروقه الباردة الحياة من جديد. كانت صرخاتها تمزق صمت المكان والقلوب، تختنق بالدموع والذهول:— "سلطان؟! رد عليا يا
— "غلطان يا حمزة باشا.. أنا اللي بدأتها ، وأنا برضه اللي هنهيها وبإيدي دلوقتي."وقبل أن تخرج الرصاصة الغادرة لتكتب نهاية أحدهما وتخترق الجسد، زلزلت المكان صرخة رهيبة شقت عنان السماء، خرجت من حنجرة حورية المذبوحة وهي تدخل الصالة وترى أمام عينيها مشهداً يفوق كل قدرة بشرية على الاحتمال: فلذتا كبدها، وابناها، أحدهما قابض على الزناد بشر، والآخر ملقى على الأرض ينتظر الموت!— "ســــــــــــــــــــلطان! أوعى يا ابني!"توقفت أنفاس سلطان تماماً، وتصلبت أصابعه فوق الزناد وتجمدت حركته.. هذا الصوت ليس غريباً على سمعه، إنه الصوت الدافئ الذي يسكن أعماق سراديب ذاكرته الطفولية، الصوت الذي كان يهمس له بالقصص والحكايات والقرآن قبل أن يغفو في طفولته البعيدة قبل الفراق.رفع نظراته ببطء شديد ليرى طيفاً يقف خلف القوات.. كانت حورية تقف بجسدٍ يرتعش بالكامل، والدموع تحفر مجاريها فوق وجنتيها التي غزتها تجاعيد الزمن والقهر. رغم مر السنين وتغير الملامح، ظل وجهها هو الملاذ الوحيد الذي لم ينسه سلطان قط.. وجه أمه.انفجرت حورية بنحيبٍ وعويل مزق سكون المكان الصاخب:— "أنا أمــك يا سلــطان.. أنا أمــك يا ابني ! أ
في تلك اللحظة الدقيقة، كانت "درة" تنهي رقصتها بحركة استعراضية مثيرة، ثم التفت لتنظر لسلطان نظرة ولاول مره يحصل منها عليها كانت نظرة مختلفه احيت قلبه الميت منذ سنوات ....!! وبينما كانت القاعة تضج بالتصفيق الحار والهتاف، اخترق صوت الرصاص الكثيف الأجواء من الخارج والداخل، تلاه صراخ هستيري حاد حوّل المكان في ثوانٍ معدودة من قاعة طرب إلى ساحة حرب من الهرج والمرج والدمار.انتفض سلطان ذعراً، ألقى طبلته جانباً بقوة وجذب "درة" من يدها بحماية وخوف حقيقي عليها، دفعها نحو الكواليس الداخل وهو يصرخ بحدة وصوت جهوري:— "درة .. انزلي تحت.. استخبي وإياكي تطلعي مهما حصل وسمعتي! فاهمة اوعي تطلعي ؟"في هذه الأثناء، ومن الجانب الآخر، كان ضاحي يركض برعب باتجاه مكتبه السري ليحتمي به ويجمع أمواله، تاركاً خلفه الفوضى والناس تلتهم المكان . وفجأة، تم اقتحام ابواب الغرفع عليه ليهتفوا : اثبت مكانك وارمي سلاحك ليجس ضاحي عليه ركبتيه في استسلام ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~تم اقتحام الأبواب الرئيسية بقوة وسقطت أرضاً. التفت سلطان سريعاً ليجد غريمه حمزة على رأس القوة الضاربة، فانفجر غضباً وتملكته ث
دق "أبو حسن" باب منزله وتنحنح بصوتٍ عالٍ جهوري لينبّه زوجته وأهل بيته بوجود غرباء ورجال برفقته:— "يا رب.. يا ساتر.. طريق يا أهل البيت عشان معايا ضيوف ."فتحت "أم حسن" الباب وهي تعدل حجابها بحذر وسرعة، وسألت بتعجب واستغراب من ملامح زوجها المستعجلة:— "ايه يا ابو حسن معاك حد يا أخويا؟ اهلا وسهلا مين دول؟"أجابها "أبو حسن" بجدية وهو يفسح الطريق ليدخل الضيوف:— "أيوه معايا ضيوف.. هتعرفي دلوقتي يا ام حسن .. بس اندهي الست أم سلطان بسرعة يا أم حسن وخليها تيجي .. اتفضل يا دكتور جمال، اتفضلي يا آنسة شيرين، خطوة عزيزة اتفضلوا ."دلفت "أم حسن" للداخل مسرعة، وبعد لحظات قليلة خرجت وهي توجّه وتصطحب "حورية" التي كانت تبدو عليها آثار التعب. ما إن وقع بصر حورية على "جمال" الواقف في منتصف الصالة ، حتى تجمدت الدماء في عروقها، وشحب وجهها تماماً. ثم سرعان ما تحولت صدمتها إلى ملامح تفيض بالكراهية، والألم، والوجع ، وقالت بصوتٍ مختنق حاد:— "إنت؟! انت إيه اللي جابك هنا وعرفت مكاني إزاي؟ عايز مني إيه تاني يا جمال..؟ مش كفاية اللي عملته فيا وفي ولادي مكفكش لسه في ايه فاضل تعملوا فيا انا وعيالي حرام عليك
حاول إغماض جفنيه هرباً من واقعه، فهو لم يعتد يوماً على هذا الحصار؛ كان دائماً كريحٍ لا تهدأ، يتحرك في ردهات الصالة وخارج جدرانها ، أما الآن.. فهذه الخيمة تلتف حول عنقه كحبل مشنقة، ويخنقُه فيها ابتعاده عن "درة".أغمض عينيه بقوة يستجدي النوم، لكن الأحلام لم تعد سكناً، بل تحولت إلى كوابيس تتربص به. كل
"هخلص على العصابات الوحشين الاشرار وأجيلك يا قلبي.. جهزي نفسك للفرح!""حقك عليا يا باشا.. أصلها واكلة دماغي وبتاخد رأيي في الميكاب والفستان.""بالله عليك يا حمزة باشا.. كلملي اللوا شاكر يوافق على إجازتي، لحسن ’هنا‘ تلوي بوزها عليا.""حبيب الشعب و برنس الداخلية والله ’هنا‘ خايفة عليا ، بتقولي م
كانت تتقلب في فراشها، أنفاسها تتسارع وكأن الهواء ينسحب من الغرفة ببطءٍ قاتل. رأت ابنها يتصارع مع ظلٍ غامض، خيالٌ يطارد خيالًا وسط عتمةٍ موحشة لا نهاية لها. كانت تسمع صدى الرصاص في الحلم، وترى الدم يلطخ الأرض تحت قدميه، بينما يمد يده إليها مستغيثًا بعينين امتلأتا خوفًا وألمًا. حاولت الركض نحوه، لكن
جال بصرها بين أرجاء الصالة حتى استقرت نظراتها على "عم حكيم" وهو يعمل خلف البار. اتجهت نحوه وجلست على المقعد العالي هامسة بلهفة: — "عم حكيم.." التفت إليها حكيم بابتسامة حانية؛ فهو يراها الابنة التي لم ينجبها منذ دخلت هذا المكان طفلة. كان هو من علّمها القراءة والكتابة سرًا بعدما رفضت والدتها إدخ
reviewsMore