INICIAR SESIÓNقالت إحدى الموظفات الجدد بنبرة ودودة ولطيفة وهي ترتدي معطفها: "لمار... ألن تذهبي لتناول وجبة الغداء معنا؟" هزت لمار رأسها بابتسامة ناعمة: "اذهبي أنتِ يا عزيزتي... لدي القليل من المهام، سأنهيها ثم ألحق بكم لاحقاً." ابتسمت الموظفة وغادرت برفقة زميلاتها. وقفت لمار بجوار مكتبها الصغير، تحك رأسها بتفكير... ثم نظرت مطولاً إلى الخاتم الأسود الأنيق الملتف حول سبابتها؛ الخاتم الذي طالما جذب انتباهها وجعلها تبحلق فيه بحيرة كلما وقعت عينها عليه، تسأله عن أسرار لا يعلم إجابتها أحد سواه! رمقته بإعجاب وشجن، وتمتمت بصوت خفيض: "لا أعرف ما الذي يفعله صاحبه الآن... ولكنني لن أنكر أنك أصبحتَ جزءاً مهماً ودافئاً في حياتي." أخذت حقيبتها الجلدية وحصليتها، وخرجت من البناء المكتبي. بحدقتين تلمعان بالبريق، كانت تراقب أشرطة المطر الساقطة من السماء كخيوط شفافة ولامعة تضرب الأرض. مدّت كفها من تحت مظلتها تلتقط قطرات المطر الباردة بتبسم حنون.:" أنظري ...لقد حل شتاءاً أخراً ." بأبتسامة مائلة .. وعلى عكس الموظفين الذين هرعوا للمطاعم، كانت هي ترقص برقة مع المطر! تلف المظلة حول نفسها بسعادة طفولية وهي تتأمل تناثر
كانت لمار تقف في غرفة المديرة، تضع كوباً من القهوة الساخنة المصحوبة برائحة زكية على الطاولة الخشبية... بينما كان أحد الموظفين متوسطي العمر يجلس على المقعد المقابل للمديرة، يتناقشان بتوتر واضح حول أفكار جديدة لمشروع التسويق الذي فشل حتى اللحظة في نيل إعجاب رئيس مجلس إدارة الشركة الكبرى التي يتعاونون معها. قالت المديرة بنبرة غاضبة: "هل هذا أقصى ما توصلت إليه عقولكم الفذة؟! المدير التنفيذي بشخصه سيحضر بعد قليل لمراجعة سير العمل بعد أن لاحظ البطء القاتل في أدائكم... أعتقد أنه يظننا نتكاسل ولا نولي مشروعه أي أهمية!" رد الموظف المرتعد بلهفة: "يا سيدتي... نحن نحاول قدر الإمكان! لقد وظفتُ شباباً من الجيل الجديد لنستلهم من طاقاتهم وأفكارهم الجامعية بعض اللمسات المبتكرة علّها تعجب المدير التنفيذي..." ضربت المديرة بكفها على الطاولة بعصبية مفرطة، ففزع الموظف وتراجع في مقعده، بينما تعالي صوت صراخها الحاد في أرجاء المكتب. كان الباب المفتوح يفضح الموقف؛ إذ لم تغلقه لمار لأنها كانت تهم بالخروج. صرخت المديرة: "نحن لا نملك الوقت لنصحح زلات المبتدئين! نحن نريد فكرة عبقرية غير مسبوقة تكتسح السوق... ن
أدركت فاتن التحول المرعب في هيئة يمان... وحاجبيه اللذين يرتجفان بقسوة، حين أحكم قبضتيه على أذنيه وصرخ بفزع وجنون زلزل جدران الغرفة: "أصمتي!... أصمتي لا أريد سماع أي حرف!" جفلت فاتن وتراجعت بخوف شديد، وكذلك فعلت قمر التي شهقت وراجعت خطوات للخلف ويدها المرتعشة على صدرها، بينما تحدقان بحدقتين متسعتين في يمان الذي جثى فجأة على ركبتيه فوق السجاد، وكأنه يخوض صراعاً أليماً مع الموت داخل عقله! تقدمت فاتن بخطى بطيئة ومترددة وقالت بصوت خفيض: "يمان... هل أنت بخير يا بني؟" رفع رأسه نحوها فجأة... كانت عيناه حمراوين كالجمر المشتعل، وفكه ينقبض بشدة وصوت أسنانه يصطك بغل حارق: "لماذا هي هنا?!" ورفع سبابته المرتعشة مشيراً إلى قمر التي ارتمت للخلف من هول الصدمة. ردت فاتن بكلمات متلعثمة: "هي... هي زوجتك يا يمان!" قاطعها يمان بصرخة نارية قبل أن تكمل: "هي ليست زوجتي!... لمار... لمار وحدها هي زوجتي!" صرخت فاتن بحدة: "عليك أن تنسى تلك الفتاة كلياً! لقد رحلت وانتهى أمرها، وعليك تقبل الواقع!" رد يمان وهو ينهض بصلابة مرعبة: "لم ينتهِ شيء... ولن ينتهي أبداً! هي زوجتي وستبقى كذلك ما حييت!" قالت فاتن بغضب:
في الطابق العلوي... كانت "فاتن" تقف في الغرفة بملامح مشرقة وعينين تلمعان حماساً وهي تشرف على اللمسات الأخيرة، بعد أن أبدلت أثاث الغرفة بالكامل ورمت كل ما يمت للمار بصلة. كانت تنتظر بشغف رؤية ردة فعل يمان حين يعلم أنه قد تم التخلص من أطلال الماضي، واستبدالها بديكور حديث يفرضه الحاضر! اتسعت عينا يمان المظلمتان عند عتبة الباب... لم يلاحظ التغيير الصادم في البداية لكثرة الخمر في رأسه، ثم التف حول نفسه يلقي نظرة مطولة على أركان الغرفة الفسيحة، وكأنه يحاول التأكد مما تراه عيناه! رفع يده المرتعشة وفرك عينيه بحدة علّه يكون تحت تأثير الوهم، أو أن ما يراه مجرد كابوس ثقيل سيفيق منه بعد قليل... بالتأكيد هو يحلم! فهذا التغيير الشامل لم يأمر به أحداً، ولم يكن يجرؤ أحد على العبث بملكيتها؛ فقد كان ينوي ترك كل شيء كما تركته هي تماماً... كان يرغب في الحفاظ على أثر ملموس يخصها، طالما أنه عجز عن الاستحواذ عليها هي، لتبقى متعلقاتها مصفوفة في مكانها حتى يتمكن من العثور عليها ومواجهتها مجدداً. على الجانب الآخر، كانت "قمر" ترتب ملابسها الفاخرة في الخزانة بملامح تفيض سعادة وفرحاً يغمر قلبها، بعد أن طلبت منه
في الطرف الآخر من المدينة... في مطعم فاخر تنبعث منه موسيقى هادئة ورائحة القهوة والمخبوزات الطازجة... كانت "تالا" تجلس بكبرياء أمام الواجهة الزجاجية، تتلذذ بارتشاف كأس من عصير البرتقال الطازج... أو هكذا بدا عليها للعيان. كانت تخفي في أسرار صدرها بركاناً حارقاً على وشك الانفجار، إلا أنها كانت تحافظ ببراعة على هدوء وجهها وثبات ورصانة ملامحها. سحبت "لانا" المقعد الخشبي المصقول وأخذت مكانها أمام تالا دون أن تنطق بكلمة. وعلى الفور، أحضرت النادلة الطلب المعتاد دون أن تطلبه لانا: فنجان كبير من القهوة الساخنة المحلاة بالسكر، بجواره قطعة أنيقة من الكعك. أمالت تالا رأسها وقالت بسخرية لاذعة: "ألم تغيري عاداتكِ بعد يا لانا؟" سألتها لانا وهي تقطع قطعة صغيرة من الكعك بالشوكة: "أي عادة تقصدين؟" ارتشفت تالا من عصيرها وقالت بتهكم: "قهوتكِ المُحلاة جداً مع الكعك السكري! هل لا يزال هناك شخص راشد يشرب القهوة حلوة في هذا الزمن؟" ردت لانا بذكاء ومكر هادئ وهي ترفع فنجانها: "ألا تظنين أننا بحاجة ماسة لبعض الأشياء الحلوة في حياتنا... لتقينا من مرارة الأيام التي نعيشها؟" أعادت تالا ظهرها إلى الم
تقدم أمجد بسرعة وأمسك بكفيها المرتعشتين: "ماذا تفعلين بحق السماء؟! هل جننتِ وركبتكِ الشياطين?!" نزل يمان خطوتين على الدرج الرخامي، وقال بنبرة هادئة وباردة كالثلج وهو ينظر إلى أسفل نحو والديه: "تلك الفتاة اسمها لمار... لا تنسي هذا الاسم ثانيةً يا أمي." قالت فاتن وهي ترفع رأسها بنبرة تحدٍ ممزوجة بالغل: "أوتظنني لا أعرف اسم الخائنة ؟! ولكنها كانت وستبقى بالنسبة لي تلك الفتاة التي لا اسم لها سوى... المشؤومة!" أشار أمجد بعينيه إليها كي تصمت فوراً وتكف عن إشعال الفتيل، لكن فاتن كانت تواصل الحديث برغبة عارمة في سكب جام غضبها المكتوم منذ سنوات في وجه يمان... كانت تجد في هذه اللحظة فرصتها المثالية لكسر كبريائه، وكأن من واجبه المطلق أن يخضع لكلامها ويطيع أوامرها. قال يمان بنبرة مفعمة بالمرارة والمرض النفسي: "أمي... أعتقد أنه لم يعد بإمكاني العيش معكم في هذا القصر المظلم بعد اليوم. أعتقد أنني سأنقل إقامتي كلياً." ارتاح وجه فاتن بقناعة مزيفة وقالت بثقة: "منذ البداية وأنا أخبرك أن تعيش في الشقة مع زوجتك قمر وابنك!" ضحك يمان ضحكة باهتة وميتة وهو يواصل نزول السلم بخطى ثابتة: "وهل تعتقد







