登入همست لانا من بين أسنانها المطبوعة بحرقة: "أنسيتم جميعاً؟! لقد كانت سبباً في موت أخي ... واليوم تقفين هنا لتسممي الأجواء!"ثم حولت بصرها نحو شمس الذي وقف بحدقتين متسعتين يتابع المأساة، فأكملت لانا بصراخ متقطع: "ولا أصدق حتى أنكم سامحتموها بعد كل ما ارتكبته! إنها لم تكتفِ بموت أخي فحسب... بل أخذت مني أختي أيضاً! لقد خطفت ليلى وماتت بسببها!"قاطعها شمس بصوت دافئ ومواسٍ يلتفت نحو لمار: "لمار..." وكأنه كان يقرأ ما يدور في ذهنها.ردت لمار بصوت ميت وثابت: "أعلم ذلك... لقد كنتُ السبب في كل شؤم منذ البداية... وحقيقة إدراكي الكامل لكل تلك المآسي لن تعيدهم إلى الحياة."قاطعتها لانا بضراوة: "لماذا عدتِ إذن؟! هل جئتِ لتذكرينا بكل ما خسرناه بسببكِ ولعنتكِ؟! لقد ماتت ليلى بسببكِ المباشر!"قالت لمار بصلابة: "لم أنسَ ذلك يوماً، ولن أنساه قط، ولا أريد النسيان! سيكون الأمر خيانة عظمى لو نسيت... سأستهين بمكانتها الغالية في روحي لو فعلت، ولن أفعل ذلك ما حييت على وجه الأرض."تقدمت لانا بخطوات بطيئة وعدوانية نحو لمار، بعد أن أفلتت يدها من قبضة أمها التي حاولت ردعها، وأكملت بتحدٍ سافر: "وماذا تتوقعين مني أن
تبادل قيس وهيا النظرات الطويلة المبتلة بالدموع، وكأنهما يتحاوران بأعينهما؛ يتساءلان عما إذا كان هذا الصوت حقيقة أم مجرد وهم من أوهام الشوق! تمتم الأب بذهول والدموع تتجمع في مقلتيه المجهدتين: "لـ... لمار?!" وتباعدت شفتاه وهو يزفر نفساً متهدجاً ومرتجفاً. شدت هيا على قبضة شمس بغير وعي، وهي تستمع لأصداء المشاحنة التي اشتاقتها روحها لسنوات! وتمتمت بخفوت مصدوم وعينين مهتزتين: "هل... هل ابنتي هنا حقاً يا شمس?!" كانت عينا شمس تنتقلان بين قيس وهيا بوقار وشجن، وكأنه يحفظ تفاصيل ردود أفعالهما ليرويها للمار لاحقاً؛ فهو يعلم أن لمار لن تصدق أحداً سواه. دخلت لانا الغرفة باندفاع وهستيريا وعيناها تقذفان الشرار، وهي تتنفس بغضب عارم: "هل تظنين أنكِ بأفضل حال مني يا لمار?!" ثم صرخت بنبرة تحاول بها إثبات أفضليتها أمام الجميع: "على الأقل... أنا لستُ امرأة مطلقة! وزوجي لم يتركني ويطردني لأنني خنته مع غيره!" قال قيس بنبرة حادة وصارمة ليخرس لانا: "لانا! اصمتي فوراً!" توقفت هيا عن الكلام، وعيناها التقطتا ذلك الظل الشاحب الذي بدأ يقترب نحو عتبة الباب من بين دموعها الغزيرة... مسحت عينيها بمعصمها تتأكد من
أخذت لمار نفساً عميقاً لتريح حشرجة صدرها... ارتخت قبضة شمس المثبتة حول معصمها، ثم التفت ونظر في عينيها بنبرة دافئة: "سأدخل أنا أولاً يا لمار... ولن تدخلي إلا حين تشعرين أنكِ جاهزة كلياً... اتفقنا؟" هزت لمار رأسها بالموافقة الصامتة دون أن تتحدث، وعيناها الكستنائيتان ترتقبان من خلف زجاج الباب تفاصيل الغرفة. رفع شمس كفه نحو مقبض الباب المعدني البارد، وأداره برفق بعد أن طرق طرقات خفيفة وتلقى الإذن بالدخول... أومأ للمار بطمأنينة، ثم دخل القاعة وهو يحمل في يده سلة فاكهة جليلة تخشخش أكياسها الشفافة . تصاعد صوت أنثوي متفاجئ من الداخل... إنها هيا التي ابتسمت بابتهاج فور رؤيته: "شمس?! أهذا أنت حقاً؟! لم أتوقع حضورك مطلقاً!" وجاء صوت الأب قيس من فوق السرير بحماس ومحبة: "إنها أجمل مفاجأة أحصل عليها اليوم يا بني!" ابتسم شمس بخفة وهو يسلم سلة الفاكهة لهيا: "وهل يعقل أن أتجاهل خبر مرضك ودخولك المشفى يا عمي ؟" ثم أردف بنبرة قلقة: "لقد جعلتنا نقلق عليك كثيراً." صفعت هيا كتف شمس بمداعبة لطيفة: "لا تقلق عليه يا شمس... إنه بخير الآن بفضل الله، عدة أيام وسيعود للبيت." احتج قيس بلطافة طفولية: "انظر
مرت الأيام مجدداً... بين ممرات المستشفى الباردة، وزحام المرضى والأطباء الذين يهرعون نحو الحالات الحاملة للألم، والممرضات اللاتي يراعين السكينة بين جدرانها البيضاء الصامتة. كانت الذكريات السوداء تعود كصور سينمائية متقطعة من أيام اندثرت... أيام خسرت فيها لمار قطعة من روحها بل قطعتين غاليتين داخل أروقة هذا المشفى بالذات! بين الأبواب البيضاء والديكورات الخشبية، سارت لمار بخطى مترددة وواجمة، يغشاها التيه والذهول... كان شعرها المجعد القصير يغطي نصف وجهها الشاحب، ليحجب الندبة الطرية التي أصيبت بها إثر الحادث الأخير. ترتدي قميصاً أسود من الساتان ينسدل بنعومة على جسدها النحيل، نسّقته مع بنطال جينز أسود واسع يستر عرجتها الخفيفة الناتجة عن رضوض ركبتها... كانت تعتصر بقبضتها حزام حقيبتها الجلدية المستريحة على خصرها، بينما يعلو صدرها ويهبط باضطراب حاد وكأنها على وشك الخنق! تحاول التنفس بعمق لتهدئة روعها؛ فأسوأ فواجع حياتها عاشتها بين هذه الممرات؛ حين فقدت جنينها الأول للأبد، وبعده بمدة أختها وتوأم روحها "ليلى"... أكثر شخصين أحبتهما في هذا الوجود! ربما حين لم تكن تعلم بأمر حملها في البداية مرّ ال
رد بصلابة وهدوء وهو غارق في تفاصيل عينها: "لا... أنا بخير تماماً." سألته بتوجس وحذر: "إذاً... هل يمكنني المغادرة الآن؟" حاولت الابتعاد خطوة للوراء، لكنه أمسك بمعصمها فجأة ودون سابق إنذار ليتأكد من إصابتها! سحبت لمار يدها فوراً بحركة خاطفة وشراسة، ووقفت تصنع ابتسامة متكلفة وقاطعة... نظرت الشاب نحو ركبتها المدماة وخدها، وقال بنبرة حنونة: "ألا يجب أن نذهب إلى المشفى فوراً للاطمئنان على جروحكِ؟ أنتِ مصابة وتنزفين." أبعدت يدها بهدوء، وقالت بنبرة خافضة أقرب للهمس الشديد: "لا داعي لذلك مطلقاً... شكراً لك." ثم تركته ورحلت بخطى تعرج ببطء، إذ قيدت الإصابة حركتها وجعلتها أبطأ ومترددة. وضعت أكياس الطلبات المتبقية في الصندوق الخلفي للدراجة، وراحت تجر دراجتها النارية ببطء وسكون على جانب الطريق. ظل الشاب يقف في مكانه، يحدق في أثر ظهرها المبتعد حتى ابتلعته عتمة الشارع وزحام البنايات. (في الحديقة العامة) جلست لمار على أحد المقاعد الخشبية المتهالكة على أطراف الحديقة العامة، بعد أن ربطت دراجتها بسلك حديدي متين للأمان. وضعت خوذتها السوداء جانباً، وتنهدت بعمق متألم. انكمش وجهها بوجع حين لمست بأص
كان شمس يراقبها من بعيد بوقار، لم يقترب من مسافة الأمان الحذرة التي وضعتها لنفسها... منحها المساحة والوقت لتغوص أكثر في جوف ذاتها؛ فربما لن تكون النتيجة مرضية، إلا أنها كانت بحاجة ماسة لهذا المخاض، بحاجة لأن تتحاور مع نفسها لتتعرف على ما تريده حقاً. (في الشارع) كانت كلمات شمس يتردد صداها في رأس لمار وهي تقود دراجتها النارية بسرعة وسطه الشوارع المزدحمة: "الجميع يستحق فرصة ثانية يا لمار..." أغمضت جفنيها بإنهاك شديد وثقل، دون أن تنتبه للسيارة البيضاء التي كانت ترغب في تجاوز دراجتها من جهة اليمين... شرود لمار العميق في أفكارها جعلها عاجزة عن تقدير المسافة أو رؤية المرآة الجانبية، مما تسبب في اصطدام واجهة السيارة بدراجتها من الخلف! دوى صوت صرير حاد وخانق للمكابح! وانطلق صوت البوق المزعج ليملأ الشارع بأسره، مجتذباً أنظار المارة والأهالي الذين تطلعوا نحو المشهد بصدمة وجفل! كانت عجلات الدراجة النارية تدور في الهواء بحركة مستمرة بينما اختل توازنها وهوت لمار بقوة نحو الأسفلت الصلب، لتستقر الدراجة الحديدية فوق ساقها! تأوهت لمار بألم حارق، وانكمش وجهها الشاحب وهي تسحب الخوذة السوداء عن رأسه