رماد السطوة

رماد السطوة

last updateLast Updated : 2026-09-12
By:  الحسين كنايش Updated just now
Language: Arab
goodnovel18goodnovel
Not enough ratings
43Chapters
25views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

يعود طارق بعد خمس سنوات من المنفى ليجد إمبراطورية عائلته قد انهارت تحت وطأة الخيانة والمؤامرات. عاقداً العزم على الانتقام واستعادة عرشه المفقود، يدخل حرباً مفتوحة تحكمها قوانين المافيا القاسية حيث لا مكان للضعف. تتقاطع طرقه مع «إلينا»، المرأة الغامضة ذات النفوذ التي تخفي أسراراً قادرة على قلب موازين القوى. بين نيران الثأر، ومكائد السلطة، وصراع السيطرة الذي يتحول تدريجياً من كراهية عمياء إلى جاذبية مظلمة ومميتة، يجد طارق نفسه في مواجهة حاسمة: إما السيطرة الكاملة على المدينة، أو الاحتراق في رماد السطوة.

View More

Chapter 1

الفصل (1) : عودة بلا غفران

كانت السماء فوق المدينة كئيبة وثقيلة، تصب أمطارها الخريفية في قسوة لا تعرف هوادة، وكأنها تغسل خطايا شوارعها الغارقة في الجريمة والصفقات المشبوهة. في الطابق الأربعين من برج الزجاج والصلب الشاهق، وقف طارق أمام الواجهة البانورامية الممتدة من الأرض إلى السقف، متأملاً تلاطم المياه مع الزجاج السميك. كانت أضواء ناطحات السحاب البعيدة وأبراج الميناء تتداخل عبر الغبش والضباب كأنها أطياف دماء مضيئة تسيل ببطء مع انحدار قطرات المطر. انعكست صورته في عمق العتمة المحيطة بالقاعة؛ رجل في أواخر الثلاثينيات من عمره، بقوام فارع المنكبين ووقفة محارب لم تكسرها السنين، وملامح وجه حادة نحتتها قسوة خمس سنوات كاملة قضاها في المنفى وراء البحار بعد المذبحة التي سلبت منه عائلته وثروته.

​تصاعد خيط رمادي دقيق من سيجاره الفاخر، متلاشياً ببطء في الهواء الجاف البارد المنبعث من فتحات التبريد المركزية. لم تكن القاعة الفسيحة تحتوي على الكثير من مظاهر البذخ التقليدي، بل سادها طابع الحد الأدنى من الفخامة الصارمة: طاولة ضخمة من رخام "الماركوينا" الأسود المصقول، ومقعد جلدي عتيق بلون التبغ، وموقد جداري حديث يبعث لهباً أزرق خافتاً يفتقر إلى الدفء الحقيقي. كانت كل تفصيلة في هذا المكان تنطق بالقوة الصامتة؛ قوة رجل أعاد بناء شبكاته من نقطة الصفر، مجرداً من أي وهم، ومستعداً للتضحية بكل شيء في سبيل استعادة العرش الذي سرقته منه خيانات أقرب المقربين.

​دارت في ذهنه ذكريات تلك الليلة الملعونة قبل خمس سنوات؛ صوت الرصاص الذي مزق هدوء القصر العائلي، رائحة البارود التي اختلطت برائحة الورود في الحديقة، ونظرة والده الأخيرة وهو يلفظ أنفاسه فوق السجاد المخملي بعد أن طعنه من كان يظنه ذراعه اليمنى. خمس سنوات من الصمت والتربص في مدن الموانئ الباردة، جمع خلالها الرجال، وشترى الولاءات، وصنع من غضبه خنجراً مغروساً في خاصرة الصبر، حتى حانت لحظة العودة إلى هذه المدينة التي لا تعترف إلا بالقوة والبطش.

​قطع حبل أفكاره رنين خافت صادر عن المصعد الخاص الموصل مباشرة إلى الجناح، تلاه صوت احتكاك ناعم للأبواب الهيدروليكية وهي تنزلق في الجدار. لم يستدر طارق، ولم يرفع يده عن كأسه الكريستالي المملوء بالويسكي المعتّق والمستقر على حافة الطاولة الرخامية، بل ظل يراقب حركة الظل القادم عبر انعكاس الزجاج المعتم أمامه.

​خرجت إلينا بخطى واثقة يتردد صداها المنتظم على البلاط المصقول بإيقاع بطيء ومدروس. كانت ترتدي فستاناً مخملياً أسود ينساب على قوامها بدقة متناهية، يزينه شق جانبي رفيع كشف عن حذاء جلدي بكعب عالٍ صُمم للسرعة والتوازن قبل الأناقة. كان معطفها الفروي القصير يقطر برذاذ المطر البارد، وتطايرت خصلات من شعرها الليلي المتموج حول وجه شاحب يفيض بجمال خطير وغير مروض. عيناها الخضراوان، بلون الزمرد البري الحاد، كانتا تجوبان أرجاء القاعة بحذر مدرب يكشف عن سنوات من العيش في بيئات محفوفة بالموت؛ تفحصت زوايا الظل، منافذ الهواء، ومواضع القناصة المحتملة، قبل أن تستقر نظراتها على ظهر طارق الواقف كتمثال منحوت من صخر الغرانيت.

​"خمس عشرة دقيقة كاملة من التأخير،" قال طارق بصوت رخيم وعميق، يحمل خشونة التبغ وسنوات المنفى، دون أن يكلف نفسه عناء الالتفات نحوها. "في هذا العالم الذي ترعرعتِ فيه، ربع ساعة تكفي لمحو اسم عائلة كاملة من السجلات الرسمية ودفن رجالها في قاع البحر."

​ابتسمت إلينا ابتسامة باردة لم تصل إلى عينيها، وتقدمت بخطوات بطيئة حتى توقفت على بعد خطوة واحدة فقط خلفه. فاحت في أرجاء المكان رائحة عطرها الكثيف؛ مزيج معقد وآسر من خشب الصندل والمسك الأبيض والياسمين الليلي، ليطغى فوراً على رائحة التبغ والويسكي العالقة في معطفه. مالت برأسها قليلاً واقتربت حتى لامست أنفاسها الدافئة الهواء المحيط بياقة قميصه، وهمست بنبرة متهكمة: "التأخير لم يكن عبثاً يا طارق... بل كان ضرورة للتأكد من أن عيون فيكتور ورجاله لم تتعقبني إلى هذا البرج. الموتى حين يخرجون فجأة من قبورهم يثيرون ضجة صاخبة لا تخدم مصالحنا المشتركة."

​استدار طارق ببطء حاسم، محاصراً إياها بين جسده القوي وحافة الزجاج البارد. كان فارق البنية والقامة يمنحه هيبة مرئية ساحقة تجعل أعتى الرجال يتراجعون خطوة إلى الوراء، لكن إلينا لم تطرف لها عين؛ بل ثبتت نظراتها الزمردية في عينيه الداكنتين بجرأة تنطوي على تحدٍ صريح وابتسامة غامضة تختزن أسراراً لا تنتهي. سرت بينهما شحنة كثيفة من التوتر المتبادل؛ صراع إرادات محتدم يمتزج فيه الحذر الشديد بجاذبية مظلمة، حيث يدرك كلاهما تماماً أن أي تنازل عاطفي أو غفلة في الحسابات ستعني الهلاك المحتوم لكيلهما تحت أقدام التحالفات المتناحرة.

​سحبت إلينا من جيب معطفها الداخلي ملفاً جلدياً أسود اللون، موثقاً بشريط حريري أحمر وختم شمعي يحمل شعار مجلس العائلات الخمس. مدت يدها ووضعت الملف فوق صدر طارق مباشرة، ضاغطة به برفق فوق موضع قلبه النابض بقوة وهدوء: "الأسماء التي أحرقت سفينة والدك، ومسارات الشحنات القادمة عبر الرصيف رقم تسعة، وحسابات غسيل الأموال في المصارف الخارجية... كل شيء موجود هنا بالتفصيل الممل والأدلة القاطعة."

​أمسك طارق بمعصمها بقبضة قوية محكمة لم تكسر عظامها لكنها جمدت حركتها تماماً في الهواء، رافعاً عينيه نحو ملامحها الفاتنة بجمود لا يلين: "وما هو المقابل الذي تطلبينه لهذه الهدية الثمينة يا ابنة الخصوم؟ لا أحد في شوارع هذه المدينة يبيع أسرار عائلته بدافع الشفقة أو الندم."

​التقت أنفاسهما المضطربة في المسافة الضيقة الفاصلة بين وجهيهما، ومالت برأسها حتى اقتربت شفتيها من أذنه، هامسة بصوت رخيم مشحون بالسم والقسوة: "أريد رأس فيكتور تحت قدمي مكسوراً... وأريد نصف ما ستستعيده من إمبراطورية الميناء والتجارة البحرية. نحن محكومون بالسير معاً في هذا الجحيم يا طارق، والآن فقط تبدأ أولى خطوات اللعبة."

​أفلت طارق معصمها ببطء، وتناول الملف الجلدي، ثم أدار ظهره لها والتفت نحو الواجهة الزجاجية المطلة على المدينة الغارقة في الظلام والمطر، وقال بصوت حاسم يملأ أرجاء الغرفة: "إذن، جهزي نفسكِ جيداً... الليلة ستكون المحطة الأولى في دار الأوبرا، وسيشهد الجميع أن الحساب قد بدأ، وأن رماد الماضي سيحرق كل من تجرأ على خيانتي."

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
43 Chapters
الفصل (1) : عودة بلا غفران
كانت السماء فوق المدينة كئيبة وثقيلة، تصب أمطارها الخريفية في قسوة لا تعرف هوادة، وكأنها تغسل خطايا شوارعها الغارقة في الجريمة والصفقات المشبوهة. في الطابق الأربعين من برج الزجاج والصلب الشاهق، وقف طارق أمام الواجهة البانورامية الممتدة من الأرض إلى السقف، متأملاً تلاطم المياه مع الزجاج السميك. كانت أضواء ناطحات السحاب البعيدة وأبراج الميناء تتداخل عبر الغبش والضباب كأنها أطياف دماء مضيئة تسيل ببطء مع انحدار قطرات المطر. انعكست صورته في عمق العتمة المحيطة بالقاعة؛ رجل في أواخر الثلاثينيات من عمره، بقوام فارع المنكبين ووقفة محارب لم تكسرها السنين، وملامح وجه حادة نحتتها قسوة خمس سنوات كاملة قضاها في المنفى وراء البحار بعد المذبحة التي سلبت منه عائلته وثروته. ​تصاعد خيط رمادي دقيق من سيجاره الفاخر، متلاشياً ببطء في الهواء الجاف البارد المنبعث من فتحات التبريد المركزية. لم تكن القاعة الفسيحة تحتوي على الكثير من مظاهر البذخ التقليدي، بل سادها طابع الحد الأدنى من الفخامة الصارمة: طاولة ضخمة من رخام "الماركوينا" الأسود المصقول، ومقعد جلدي عتيق بلون التبغ، وموقد جداري حديث يبعث لهباً أزرق خا
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more
الفصل (2) : شباك الموت في مسرح الدمى
انكسر الختم الشمعي الأحمر تحت ضغط سكين الورق الفضية التي كان طارق يحركها ببرود قاطع، متجاهلاً النظرات الثاقبة التي ظلت إلينا ترمقه بها من موقعها قرب النافذة الكبرى. كانت ألسنة اللهب المنبعثة من الموقد الجداري تنعكس على ملامح وجهها المنحوت كتمثال إغريقي، لتمنح بشرتها الشاحبة وميضاً نحاسياً خادعاً يخفي خلفه دهاليز من المكر والحسابات المعقدة. لم تكن مجرد امرأة تبحث عن حصة في تركة مغصوبة، بل كانت نتاج عقود من صراعات النفوذ، امرأة تعلمت كيف تمشي على شفرات السيوف دون أن تترك قطرة دم واحدة تدل على مسارها. تناثرت الوثائق فوق سطح الرخام الأسود المصقول، لتكشف عن خرائط طوبوغرافية دقيقة للميناء القديم، وسجلات مصرفية سرية، وصور شمسية عالية الدقة التُقطت في جنح الظلام. تثبتت عينا طارق الداكنتان على الاسم المتصدر للصفحة الأولى: "فيكتور كوفاتش". كان الاسم محفوراً في ذاكرته ككيّ النار؛ الرجل الذي ائتمنه والده على أسرار العائلة وخزائنها، والذي كان يرافقهما في رحلات الصيد كفرد من البيت، هو نفسه من نسج خيوط المؤامرة وسلم مفاتيح القصر للقتلة المأجورين في تلك الليلة الشتوية العاصفة. "هل كنت تتوقع اسماً آ
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more
الفصل (3) : في حضرة الذئاب
كانت الليموزين السوداء المصفحة تشق عباب المطر المنهمر كوحش أسطوري يسبح في بحر من الظلمات، متهادية بين أزقة المدينة القديمة التي تحولت أرصفتها الحجرية إلى مرايا عاكسة لأضواء أعمدة الإنارة الباهتة. في المقعد الخلفي، جلس طارق وإلينا يغلفهما صمت مطبق إلا من صوت احتكاك الإطارات بالإسفلت المبتل وصوت تنفسهما الهادئ والمنتظم. كانت المسافة بينهما على المقعد الجلدي لا تتجاوز بضعة سنتيمترات، مسافة كافية لتبادل الشحنات غير المرئية من الترقب والحذر؛ جسد طارق بصلابته المعهودة وهيئته المهيبة كأنه صخرة لا تتزحزح، يقابله قوام إلينا المتكئ بأناقة متناهية تخفي تحت طيات فستانها المخملي الخمري استعداداً عسكرياً لكل طارئ. توقفت المركبة بسلاسة أمام البوابة الرئيسية لدار الأوبرا العريقة. كان المشهد في الخارج يبدو وكأنه مسرح لكرنفال باذخ استُحضر من حقبة غابرة؛ مبنى كلاسيكي ضخم بواجهة من الأعمدة الكورنثية المنحوتة التي أضاءتها كشافات ذهبية عملاقة، وسجاد أحمر طويل ممتد من الشارع المبتل حتى الدرجات الرخامية الشاهقة، تحيط به المظلات السوداء الفاخرة وحشود المصورين والصحفيين الذين تدافعوا لنيل صورة من ن
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more
الفصل (4) : دماء خلف الكواليس
انطلقت النوتات الأولى للسمفونية الدرامية من قاعة العرض الرئيسية بضربات إيقاعية هادرة من طبول الأوركسترا، تلتها صرخات آلات التشيلو والكمان في تصاعد ملحمي ملأ فضاء دار الأوبرا، ليكون ذلك الغطاء الصوتي المثالي الذي انتظره طارق وإلينا لبدء التحرك. خلف الستائر المخملية الحمراء للمقصورة رقم أربعة، لم يكن هناك متسع للتردد؛ فكل ثانية تمر كانت تعني اقتراب حراس فيكتور من تطويق الممر.​دفع طارق الباب الخشبي الخلفي المخصص للخدمة، وهو باب مخفي بعناية في الحائط الجصي، متسللاً بخفة لا تتناسب مع ضخامة بنيته. تبعته إلينا كالظل، متخلية عن وقفة النبلاء الأرستقراطية لتتحول إلى مقاتلة محترفة تتحرك بأطراف أصابعها، ممسكة بمسدسها الصامت بقبضة مدربة. انزلقت خلفه إلى الرواق الخلفي الضيق، وهو ممر خدمي عتيق يربط بين غرف تبديل الملابس للفرق المسرحية والأنفاق السفلية للمبنى؛ كانت جدرانه الحجرية رطبة تفوح منها رائحة الخشب القديم ودهان المسارح، بينما تدلت من سقفه العالي حبال المسرح والرافعات الحديدية كشباك عنكبوت عملاقة.​أشار طارق بيده في إشارة عسكرية صامتة تعني "توقف". تجمدت إلينا في مكانها خلف
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more
الفصل (5) : مطاردة في أزقة الضباب
فتحت البوابة الحديدية الخلفية لدار الأوبرا بصرير مكتوم، لتستقبلهما صفعة من الهواء الليلي المشبع بالصقيع ورذاذ المطر المتطاير كشظايا جليدية. كان الشارع الخلفي ضيقاً وغارقاً في برك المياه العكرة التي تعكس وميض لافتات النيون الباهتة للمطاعم المغلقة. ركضت إلينا بخفة ورشاقة، ممسكة بأطراف فستانها الخمري المبتل بيد، وبالسلاح الصامت باليد الأخرى، بينما تقدمها طارق كظل جبار يمسح الزوايا المعتمة للأزقة بنظرات حادة لا تغفل عن حركة قطرة ماء تهوي من مزاريب الأسطح العتيقة.انعطفا نحو زقاق مرصوف بالحصى القديم، حيث كانت تنتظرهما سيارة سيدان رياضية سوداء ومصفحة، ركنها طارق مسبقاً كنقطة إخلاء اضطرارية. نقر على جهاز التحكم عن بعد لتومض أضواؤها الخافتة مرتين؛ ارتمت إلينا في مقعد الراكب الأمامي وهي تلهث بخفوت، بينما قفز طارق خلف عجلة القيادة، وضغط زر التشغيل ليزأر محركها الثماني الأسطوانات بصوت هادر مكتوم هز أركان الزقاق المهجور."أمامنا أقل من ثلاث دقائق قبل أن تصل سيارة فيكتور المصفحة إلى رصيف النهر،" قالت إلينا بنبرة سريعة وهي تسحب من جيب الباب جهازاً لوحياً صغيراً موصولاً بنظام التعقب وكامير
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more
الفصل (6) : تشريح الأسرار في وكر الظل
ابتلعت عتمة الفجر وضباب النهر أصوات صفارات الإنذار التي كانت تتصاعد من قلب المدينة، بينما انزلقت السيارة المصفحة، بجسدها المهشم وشظايا زجاجها المتشقق، إلى ممر سري تحت الأرض يقع في الضواحي الصناعية المهجورة. كان المكان عبارة عن مسبك صلب قديم يعود إلى حقبة الستينيات، حوله طارق خلال سنوات منفاه إلى قلعة محصنة تحت الأرض لا يعلم بوجودها سوى قلة نادرة من الرجال المخلصين الذين قطعوا عهداً بالدم لوالده الراحل.​توقفت السيارة فوق أرضية إسمنتية رطبة تحيط بها أعمدة حديدية عملاقة وأجهزة إلكترونية حديثة تُلقي بظلال زرقاء وخافتة على الجدران الخرسانية السميكة. ترجل طارق أولاً، وخلع معطفه الصوفي الثقيل المبتل بالماء ودخان البارود، ليرميه بإهمال فوق مقعد معدني عتيق. كانت عضلات كتفيه وذراعيه مشدودة تحت قميصه الأسود الذي التصق بجسده، وملامح وجهه الصارم توحي ببركان مكتوم ينتظر لحظة الانفجار.​التفت نحو إلينا التي نزلت بدورها من السيارة بخطوات بدت متعبة لكنها لم تفقد كبرياءها المعتاد. كان فستانها الخمري المخملي ممزقاً عند أطرافه السفلية، وقطرات الماء البارد تقطر من خصلات شعرها المبتل ل
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more
الفصل (7) : تحشيد الذئاب
تسللت خيوط الفجر الرمادية الشاحبة عبر الشقوق العالية لسقف المسبك القديم، لتلقي بحزم ضوئية باهتة تسبح فيها ذرات الغبار والرماد العالقة في الهواء. كانت برودة الصباح قاسية ومشبعة برائحة الحديد الصدئ والزيوت المحروقة، لكن داخل غرفة العمليات المعزولة، كانت حرارة الترقب تغلي تحت السطح الهادئ.​وقفت إلينا أمام مرآة صغيرة مشروخة معلقة على عمود خرساني، ترتدي سترة تكتيكية سوداء ضيقة من نسيج "الكيفلار" المقاوم للرصاص والقطع، تلتصق بقوامها كجلد ثانٍ وتمنحها حرية الحركة الكاملة. كانت قد رفعت شعرها الداكن في ضفيرة محكمة كشفت عن حدة ملامحها وعظام وجنتيها البارزتين، بينما قامت بتثبيت خنجرين قتاليين في غمدين مرنين على جانبي حزامها العريض. بدت في هيئتها الجديدة كأنها إلهة حرب قديمة خرجت من رماد المعارك، تجمع بين الجمال الفاتن والخطورة المميتة.​كان طارق يراقبها من زاوية الطاولة بينما يحتسي قهوة سوداء مرة أعدها على موقد الغاز الصغير. لم تكن نظراته تخفي إعجابه الصامت بتلك التحولات المتقنة في شخصيتها؛ من سيدة مجتمع أرستقراطية تخطف الأنظار في قاعات الأوبرا، إلى محاربة لا تعرف الخوف حين
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more
الفصل (8) : سقوط الأقنعة في برج الزجاج
أسدلت سماء الليل ستائرها القاتمة فوق الخليج الصناعي، وامتزجت رائحة الملوحة البحرية المتصاعدة من مياه الميناء برائحة الوقود وعوادم السفن الراسية في البعيد. تحت رذاذ مطر متقطع يلمع كالبلور تحت أضواء المصابيح الشارعية الكاشفة، انتصب البرج الإداري لسلطة الموانئ كنصل فولاذي شاهق يخترق كبد الغيوم. في طابقه الثامن والعشرين، حيث تقع المكاتب التنفيذية وقاعات المراقبة المركزية، كانت النوافذ الزجاجية العاكسة تشع بنور أصفر دافئ، يوحي بالهدوء والأمان الزائف لرجل اعتاد شراء الحماية بأموال الدماء.داخل شاحنة اتصالات مموهة متوقفة في زقاق معتم على بعد مبنيين من البرج، جلست إلينا أمام ثلاث شاشات مضيئة تتدفق عبرها الرسوم البيانية وشبكات الألياف البصرية الخاصة بالمبنى. كانت تضع سماعة رأس تكتيكية دقيقة يتدلى منها ميكروفون صغير يلامس شفتيها، وأصابعها الرشيقة تنقر على لوحة المفاتيح بسرعة خارقة. ارتدت سترة جلدية سوداء ضيقة، وجمعت خصلات شعرها المتموج إلى الخلف لتظهر ملامح وجهها المركز كصقر يتربص بفريسته من علٍ."نظام الحماية المركزي معقد، لكنه يعتمد على خادم قديم في الطابق السفلي لم يتم تحديثه منذ ع
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more
الفصل (9) : ليلة العاصفة والترقب
تلبدت سماء المدينة بسحب ركامية سوداء انحدرت من عرض البحر كجيوش غازية، معلنة قدوم عاصفة بحرية عاتية طالما حذرت منها مراصد الأرصاد الجوية. كانت الرياح الشمالية العنيفة تعوي بين الهياكل الفولاذية للمسبك القديم، وتضرب ألواح الصفيح والزجاج المكسور في السقف بصرير متواصل يشبه استغاثات أرواح عالقة في الجحيم. تحولت باحة المسبك المعتمة إلى خلية نحل عسكرية تعمل في صمت مطبق؛ كان رجال عمران، بوجوههم الصارمة والندوب التي تروي حكايات معارك غابرة، يعبئون صناديق الذخيرة الفولاذية، ويفحصون البنادق الهجومية، ويضبطون سترات الاقتحام التكتيكية تحت أضواء كشافات صفراء خافتة بالكاد تبدد حلكة الظلام.في غرفة العمليات المحصنة، كانت شاشات المراقبة ترمي بوهجها الفسفوري الأزرق على وجه إلينا الذي ازداد شحوباً وتركيزاً. جلست خلف الطاولة الحديدية، وأصابعها تتحرك بمهارة خاطفة فوق لوحة المفاتيح، بينما استقرت الشريحة الذهبية "أوميغا 7" داخل قارئ البيانات الرقمي. كانت خطوط التشفير المعقدة تتفكك تباعاً على الشاشة المركزية، كاشفة عن طبقات سرية من الاتصالات والخرائط العسكرية ثلاثية الأبعاد لرصيف الميناء رقم تسعة ومستو
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more
الفصل (10) : جحيم الرصيف رقم 9
عوت الرياح البحرية الهوجاء بين هياكل الرافعات العملاقة كأنها وحوش خرافية تمزق أستار الظلام، بينما كانت أمواج المحيط السوداء ترتطم بحواف الرصيف الخرساني رقم تسعة بعنف هادر، قاذفة برذاذ رغوي مالح يختلط بالأمطار المنهمرة كشلالات لا تنقطع. في هذا المشهد الشتوي المظلم، لاحت في الأفق البحري أضواء كاشفة صفراء تخترق جدار الضباب الكثيف، تلتها مقدمة سفينة الشحن الضخمة "أتلانتيك ستار" وهي تشق مجرى الحوض المائي ببطء ثقيل كقلعة حديدية عائمة، ملقية بظلالها المهيبة فوق أرصفة الميناء المعتمة.تحت ظلال متاهة حاويات الشحن المرصوفة بارتفاع أربعة طوابق، رابط طارق وعمران ورجال الفرقة التكتيكية في صمت مطبق. كانت الأقنعة الواقية والسترات الثقيلة المبللة تعكس وميض البرق المتقطع الذي يضيء السماء لكسور من الثانية كاشفاً عن فوهات البنادق الهجومية الجاهزة لإطلاق نيران الجحيم. في نقطة قيادة قريبة ومحمية خلف شاحنة تبريد مهجورة، كانت إلينا تراقب تدفق الشاشات الحرارية عبر جهازها اللوحي المشفر، موصلة بأسلاك رادارية ترصد كل نبضة على الرصيف."أتلانتيك ستار تلقي مراسيها الآن عند الرصيف رقم تسعة،" جاء صوت إلينا
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status