LOGINما إن فتحت ملك باب البيت ودخلت، حتى رفعت حسنية عينيها إليها.
من نظرتها، عرفت ملك فورًا إن في حاجة غلط. قالت حسنية بحدة: — «كنتِ فين لحد دلوقتي؟» توقفت ملك مكانها، وشدت شنطتها إلى جانبها. — «كان عندي محاضرة يا خالتي.» جاء صوت سمر من على الكنبة: — «المحاضرة خلصت من بدري.» نظرت ملك إليها باستغراب. — «سمر، أنا...» لكنها ما لحقتش تكمل. اقتربت منها حسنية وهي غاضبة، واعتدت عليها قبل ما تسمح لها تشرح. حاولت ملك تحمي نفسها وهي تقول: — «خالتي... خلاص، أنا ما عملتش حاجة.» لكن حسنية لم تكن مستعدة تسمعها. وبعد لحظات، ابتعدت عنها وأشارت ناحية غرفتها. — «روحي أوضتك! ومش عايزة أشوفك قدامي النهارده.» نظرت ملك إليها بعينين ممتلئتين بالدموع. لم تقل شيئًا. دخلت غرفتها بسرعة وأغلقت الباب خلفها. وضعت شنطتها على الأرض، ثم جلست على طرف السرير. نزلت دموعها بصمت. مسحت وجهها بيدها، ثم رفعت عينيها للمرآة. ظلت تنظر لنفسها للحظات. — «أنا عملت إيه لكل ده؟» لم تجد إجابة. وفجأة... سمعت طرقًا على الباب. وقبل ما ترد، دخل والدها. نظر إليها بملامح غاضبة. — «إيه اللي عملتيه عشان تزعلي خالتك؟» رفعت ملك عينيها بسرعة. — «أنا؟ يا بابا، أنا ما عملتش حاجة.» — «سمر قالت إنك اتأخرتي وكلمتي خالتك بطريقة مش عاجباها.» هزت ملك رأسها بسرعة. — «سمر مش بتقول الحقيقة. أنا كان عندي محاضرة، وهي أصلًا...» قاطعها والدها: — «إنتِ هتتهمي أختك كمان؟» — «أنا مش بتهمها، أنا بحاول أشرحلك.» رفع صوته: — «أنا مش عايز أسمع كلام على حسنية. دي مرتي، ومش هسمحلك تقللي منها.» نظرت ملك إليه والدموع في عينيها. — «بس يا بابا... هي ضربتني من غير ما تسمعني.» ساد الصمت للحظات. كانت ملك تنتظر منه كلمة واحدة. أن يسألها ماذا حدث. أن يقول لها إنها ابنته، وإنه مصدقها. لكن صوته جاء باردًا: — «أكيد ما عملتش كده من غير سبب.» شعرت ملك بشيء ينكسر داخلها. — «والله ما عملت حاجة.» لكن والدها لم يستمع. — «خلاص. مش عايز أسمع الموضوع تاني. خليكي في أوضتك.» ثم خرج وأغلق الباب خلفه. بقيت ملك وحدها. ظلت تنظر إلى الباب طويلًا. ثم جلست على السرير واحتضنت وسادتها. همست بصوت مكسور: — «حتى بابا مش مصدقني...» لم يكن أكثر ما يؤلمها ما حدث معها. كان شعورها بأنها وحدها. أن لا أحد يريد حتى أن يسمعها. منذ أن دخلت البيت وهي تحاول تشرح. لكن الجميع قرر أنها المخطئة قبل ما يسمع منها كلمة واحدة. مسحت دموعها، ورفعت رأسها. — «مش هخليهم يكسروني.» وفجأة... اهتز هاتفها فوق الطاولة. التفتت إليه. كانت هناك رسالة جديدة. مدت يدها وأمسكت الهاتف. فتحت الرسالة. وتوقفت عيناها عند الكلمات: «تهانينا، تم قبولك في برنامج التدريب لدى شركة الراشد.» ظلت ملك تحدق في الشاشة. قرأتها مرة أخرى. ثم مرة ثالثة. وبالرغم من دموعها، ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهها. — «اتقبلت...» وضعت يدها على قلبها، وشعرت كأن حملًا ثقيلاً انزاح قليلًا عن صدرها. كانت هذه الفرصة مختلفة. لم تكن منحة من أحد. ولا شيئًا أعطاها لها أحد. كانت فرصة حصلت عليها بجهدها. شيء يخصها هي وحدها. ابتسمت وهي تنظر إلى الشاشة. — «يمكن دي تكون البداية.» لكن ملك لم تكن تعرف أن شركة الراشد لن تكون مجرد مكان للتدريب. وأن اسمًا واحدًا داخل تلك الشركة سيصبح جزءًا أساسيًا من حياتها. جاسر الراشد. والأهم... أن الرجل الذي قابلته صدفة في المكتبة، ثم رأته في الجامعة... كان ينتظر وصولها إلى الشركة. وهذه المرة... لن يكون اللقاء مجرد صدفة.لكن الهاتف ظل صامتًا. ظل جاسر واقفًا أمام باب مكتبه للحظات، وعيناه معلقتان بشاشة هاتفه. كان هناك شيء بداخله يخبره أن الأمر ليس طبيعيًا. ملك لم تكن تتجاهله. خصوصًا بعد أن أخبرته أنها ستخرج مع سمر. اتصل بسمر. مرة. لم تجب. اتصل مرة أخرى. هذه المرة ردت، لكن صوتها كان مرتبكًا. — «ألو؟» قال جاسر بسرعة: — «إنتِ مع ملك؟» سكتت سمر. — «سمر، ردي عليا.» ترددت للحظات، ثم قالت: — «لا.» تغير وجه جاسر. — «يعني إيه لا؟» — «ملك مش معايا.» — «فين هي؟» لم تستطع سمر الرد. — «سمر!» قالت بصوت مرتجف: — «مش عارفة.» أغمض جاسر عينيه للحظة، محاولًا السيطرة على خوفه. ثم سألها: — «آخر مرة شفتيها فيها كانت فين؟» أخبرته بالمكان. لم يسألها أي شيء آخر. أغلق الهاتف، وأخذ مفاتيحه وغادر مكتبه فورًا. وفي الطريق، حاول الاتصال بملك مرة أخرى. لا رد. كتب لها: «ملك، ردي عليا حتى لو بكلمة.» ثم أرسل رسالة ثانية: «أنا جاي أدور عليكي.» وضع الهاتف بجانبه، وانطلق بسرعة. لم يكن يعرف ماذا حدث. لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا بالنسبة له... ملك لم تختفِ بإرادتها. في نفس الوقت، كانت سمر لا تزال واقفة
وصل جاسر إلى المكان بأقصى سرعة. نزل من السيارة ودخل المبنى، وقلبه يدق بعنف. كان ينادي باسمها وهو يتحرك بين الغرف. — «ملك!» جاءه صوتها من الداخل. — «جاسر! أنا هنا!» ركض ناحية الصوت، وما إن فتح الباب حتى وجدها واقفة في زاوية الغرفة. كانت خائفة، لكن بمجرد أن رأته، أسرعت نحوه. — «جاسر!» ضمها إليه بقوة. ظل يحتضنها للحظات، وكأنه غير مصدق أنه وجدها أخيرًا. أبعدها عنه قليلًا، ونظر إلى وجهها بقلق. — «إنتِ كويسة؟» هزت رأسها. — «أيوه... أنا كويسة.» — «متأكدة؟» — «متأكدة.» تنفس جاسر براحة، ثم احتضنها مرة أخرى. — «خلعتيني عليكي.» قالت ملك بصوت منخفض: — «كنت عارفة إنك هتيجي.» ابتسم رغم الخوف الذي كان يملأه. — «كنت هدور عليكي في الدنيا كلها.» وقبل أن يخرجا، ظهر عمار أمام الباب. — «مش هتخرج بيها.» تغيرت ملامح جاسر، ووقف أمام ملك مباشرة. — «كفاية يا عمار.» حاول عمار الاقتراب، لكن جاسر منعه. — «ابعد عنها.» — «إنت فاكر إنك كسبت؟» نظر إليه جاسر بثبات. — «أنا مش داخل أكسب منك حاجة. أنا داخل آخد مراتي وأرجع بيها.» زاد غضب عمار، وبدأ بينهما شجار قصير، لكن قبل أن يتطور الأمر،
في تلك اللحظة... بدأت تشعر أن الموضوع لم يعد مجرد انتقام بسيط كما كانت تظن. أما ملك... فلم تكن تعرف أن قرارها بالثقة في سمر مرة أخرى... كان سيغيّر كل شيء. نظرت سمر إلى هاتفها مرة أخرى. كانت رسالة عمار ما زالت أمام عينيها. «دلوقتي.» رفعت رأسها ونظرت إلى ملك. — «مالك؟» سألت ملك باستغراب. أغلقت سمر الهاتف بسرعة. — «ولا حاجة.» — «متأكدة؟ شكلك اتغير فجأة.» حاولت سمر الابتسام. — «أنا بس... افتكرت حاجة.» ثم تحركت إلى الأمام. — «تعالي، المكان من هنا.» مشت ملك خلفها دون شك. كانت تثق بها. وهذا أكثر شيء جعل سمر تشعر بالذنب. بعد دقائق، توقفت سمر فجأة. نظرت حولها، ثم إلى ملك. — «استنيني هنا دقيقة.» استغربت ملك. — «هتروحي فين؟» — «هخلص حاجة بسرعة وهرجعلك.» — «ماشي.» ابتعدت سمر خطوات قليلة. لكنها لم تكد تفعل شيئًا حتى سمعت صوتًا جعل قلبها يرتجف. التفتت بسرعة. وفي لحظات قليلة... وجدت نفسها أمام موقف لم تكن مستعدة له. تراجعت سمر خطوة. — «لا... إحنا متفقناش على كده.» لم تجد إجابة. فقط شعرت أن الأمور خرجت من يدها تمامًا. نظرت ناحي
في اليوم التالي... منذ الصباح، كانت ملك تشعر بشيء غريب. لم تكن تعرف السبب، لكن رسالة سمر ظلت في بالها. «محتاجة أتكلم معاكي في حاجة.» لم تكن الجملة مخيفة، لكنها جعلتها تشعر أن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. وقفت أمام المرآة، رتبت شعرها، ثم أخذت حقيبتها. وقبل أن تخرج من الغرفة، وصلتها رسالة من جاسر. جاسر: «وصلتي؟» ابتسمت. ملك: «لسه خارجة.» لم تمر دقيقة حتى جاء الرد. جاسر: «لما توصلي ابعتيلي.» كتبت له: ملك: «حاضر، متقلقش عليا.» ثم أغلقت الهاتف ونزلت. كانت سمر تنتظرها في مكان هادئ. وحين رأت ملك تقترب، وقفت بسرعة. — «ملك!» ابتسمت ملك. — «آسفة اتأخرت.» — «ولا يهمك.» جلستا معًا. في البداية، تحدثتا عن أشياء عادية. البيت. العمل. الأيام الماضية. حتى ضحكت ملك أكثر من مرة. كانت تشعر أن سمر فعلًا تحاول. لكن سمر كانت تخفي توترًا واضحًا. وبعد فترة قالت: — «ملك... أنا عايزة أطلب منك طلب.» — «قولي.» — «ممكن تيجي معايا مكان؟» رفعت ملك حاجبها. — «فين؟» ترددت سمر لحظة. — «مكان قريب. مش هنتأخر.» نظرت ملك إليها. كان بإمكانها أن ترفض
في اليوم التالي... منذ الصباح، كانت ملك تشعر بشيء غريب. لم تكن تعرف السبب، لكن رسالة سمر ظلت في بالها. «محتاجة أتكلم معاكي في حاجة.» لم تكن الجملة مخيفة، لكنها جعلتها تشعر أن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. وقفت أمام المرآة، رتبت شعرها، ثم أخذت حقيبتها. وقبل أن تخرج من الغرفة، وصلتها رسالة من جاسر. جاسر: «وصلتي؟» ابتسمت. ملك: «لسه خارجة.» لم تمر دقيقة حتى جاء الرد. جاسر: «لما توصلي ابعتيلي.» كتبت له: ملك: «حاضر، متقلقش عليا.» ثم أغلقت الهاتف ونزلت. كانت سمر تنتظرها في مكان هادئ. وحين رأت ملك تقترب، وقفت بسرعة. — «ملك!» ابتسمت ملك. — «آسفة اتأخرت.» — «ولا يهمك.» جلستا معًا. في البداية، تحدثتا عن أشياء عادية. البيت. العمل. الأيام الماضية. حتى ضحكت ملك أكثر من مرة. كانت تشعر أن سمر فعلًا تحاول. لكن سمر كانت تخفي توترًا واضحًا. وبعد فترة قالت: — «ملك... أنا عايزة أطلب منك طلب.» — «قولي.» — «ممكن تيجي معايا مكان؟» رفعت ملك حاجبها. — «فين؟» ترددت سمر لحظة. — «مكان قريب. مش هنتأخر.» نظرت ملك إليها. كان بإمكانها أن ترفض
مرّت الأيام التالية بهدوء غريب. سمر بدأت تظهر في حياة ملك من جديد، لكن المرة دي بشكل مختلف. كانت تسأل عنها، تبعت لها، وأحيانًا تيجي تقعد معاها من غير سبب واضح. وفي البداية، ملك كانت حذرة. لكن مع الوقت، الحذر بدأ يقل. في صباح أحد الأيام، كانت ملك جالسة في الصالة، تمسك هاتفها وتراجع بعض الرسائل، عندما دخلت سمر. — «صباح الخير.» رفعت ملك عينيها وابتسمت. — «صباح النور.» جلست سمر بجانبها، ووضعت كيسًا صغيرًا على الطاولة. — «جبتلك حاجة.» ضحكت ملك. — «إنتِ كل يوم هتجيبيلي حاجة؟» — «مش عاجبك؟» — «لا عاجبني طبعًا.» فتحت ملك الكيس، فوجدت فيه بعض الأشياء التي تحبها. نظرت لسمر بدهشة. — «إنتِ لسه فاكرة إني بحب الحاجات دي؟» ابتسمت سمر. — «أنا فاكرة حاجات كتير عنك.» تغيّرت ملامح ملك للحظة. ربما لأنها لأول مرة منذ وقت طويل شعرت أن سمر فعلًا تحاول إصلاح ما حدث بينهما. — «شكرًا.» — «ملك...» — «همم؟» ترددت سمر قليلًا قبل أن تقول: — «أنا فعلًا آسفة.» وضعت ملك ما بيدها جانبًا. — «إنتِ اعتذرتي قبل كده.» — «عارفة... بس المرة دي أنا مش عايزة أعتذر وخلاص







