LOGINفي صباح اليوم التالي، دخلت ملك الجامعة وهي حاملة شنطتها على كتفها، وكتبها بين إيديها.
كانت ماشية بسرعة، لكن عقلها كان في مكان تاني. من امبارح، وكل ما تحاول تنسى الرجل اللي قابلته في المكتبة، ترجع عينيه الزرقا قدامها. هزت رأسها بضيق. — «خلاص يا ملك... انسَي الموضوع.» دخلت الممر، لكنها ما مشيتش كتير قبل ما تسمع صوتًا مألوفًا: — «قولوا هاي للمتابعين!» التفتت. كانت سمر واقفة وسط مجموعة من زملائها، ماسكة موبايلها وبتصور فيديو. أول ما شافت ملك، ابتسمت وقالت بصوت مسموع: — «إيه يا ملك؟ مش هتسلمي؟» ردت ملك بهدوء: — «صباح الخير.» ثم بصت في الساعة. — «أنا متأخرة على المحاضرة.» ضحك واحد من الشباب. — «واضح إن أختك دي عايشة للجامعة.» ضحكت سمر وقالت: — «ملك بتحب كل حاجة تبقى مثالية.» نظرت لها ملك للحظة. كانت عارفة سمر كويس. وعارفة إن أي كلمة ممكن تتحول لمشكلة. فاكتفت إنها قالت: — «عن إذنك.» وتركتهم ودخلت القاعة. جلست ملك في الصفوف الأمامية، وحطت كتبها قدامها. وبعد دقائق، دخل الدكتور. بدأت المحاضرة، والطلاب كانوا بيتابعوا في هدوء. وفجأة... خبط حد على باب القاعة. توقفت الأصوات. كل العيون اتجهت للباب. دخل رجل طويل يحمل ملفًا أسود، وخلفه أحد موظفي الجامعة. رفعت ملك عينيها... وتجمدت للحظة. هو. نفس الرجل اللي قابلته امبارح في المكتبة. جاسر. ابتسم الدكتور لما شافه واتجه ناحيته. — «أهلًا أستاذ جاسر.» صافحه جاسر. — «أهلًا.» جلس جاسر بجانب الدكتور، ووضع الملف أمامه. التفت الدكتور للطلاب وقال: — «النهارده الأستاذ جاسر الراشد موجود معانا عشان نبدأ الجزء العملي من مشروع التعاون بين الجامعة وشركة الراشد.» بدأت الهمسات تنتشر بين الطالبات. إحدى البنات نظرت إلى جاسر بإعجاب وهمست لصديقتها: — «واو...» ضحكت صديقتها. — «شكله حلو أوي.» — «ده جميل جدًا.» تبادلت البنات النظرات والضحكات. أما ملك، فحاولت تتجاهل كل ده. خفضت عينيها لدفترها، وبدأت تكتب. كان جاسر بيتكلم مع الدكتور عن المشروع، ثم فتح الملف أمامه. وأثناء ما كان يقلب الأوراق، رفع عينيه. وقعت عيناه على ملك. توقف للحظة. عرفها فورًا. فتاة المكتبة. كانت قاعدة في الصفوف الأمامية، مركزة في دفترها. لكن ملك شعرت بنظرته. رفعت عينيها دون قصد. التقت عيناهما. لثانية واحدة فقط... شعرت ملك بالإحراج، فخفضت عينيها بسرعة وعادت لدفترها. أما جاسر، فلم يطل النظر. عاد للملف وأكمل حديثه مع الدكتور وكأن شيئًا لم يحدث. لكن ملك لم تعد قادرة على التركيز بنفس الطريقة. حاولت تقرأ ما كتبت. ثم شطبت كلمة. كتبتها من جديد. ثم توقفت. وضغطت القلم بين أصابعها. — «ركزي يا ملك...» بعد وقت قصير، خبط حد على باب القاعة مرة تانية. دخلت سمر بسرعة. — «صباح الخير يا دكتور.» نظر لها الدكتور بجدية. — «سمر، إنتِ اتأخرتي أوي.» ابتسمت سمر محاولة تبرير موقفها. — «آسفة يا دكتور، بس حصل—» قاطعها: — «معلش، ما ينفعش تدخلي دلوقتي. المحاضرة بدأت من زمان.» سكتت سمر. بصت لجوه القاعة. وقعت عينيها على ملك. ثم انتقلت عينيها إلى جاسر الجالس بجانب الدكتور. تغيرت ملامحها. لم يعجبها أبدًا أن تكون ملك موجودة في المكان، وأن تكون هي واقفة عند الباب أمام الجميع. قالت بصوت منخفض: — «حاضر.» ثم استدارت وغادرت. خرجت سمر من الجامعة وهي غاضبة. كانت ماسكة شنطتها بقوة، وخطواتها سريعة. لكن أكثر شيء كان مضايقها مش إن الدكتور رفض دخولها. اللي وجعها فعلًا... إن ملك كانت موجودة وشافت كل حاجة. تمتمت بضيق: — «قدام ملك كمان...» فتحت باب سيارة أجرة وركبت. طوال الطريق، كانت بتفكر في كلام تقوله لحسنية. هي مش عايزة تعترف إنها اتأخرت. ومش عايزة تقول إن الدكتور رفض يدخلها لأنها وصلت متأخرة. كانت محتاجة حكاية تانية. حكاية تخلي حسنية تغضب من ملك بدلًا منها. بعد وقت قصير، وصلت سمر البيت. دخلت بسرعة، فوجدت حسنية قاعدة في الصالة. رفعت حسنية رأسها باستغراب. — «رجعتي بدري ليه؟» رمت سمر شنطتها على الكنبة وجلست جنبها. — «ماما... أنا اتضايقت أوي النهارده.» اقتربت حسنية منها بقلق. — «مالك؟ حصل إيه؟» تنهدت سمر وكأنها تحاول تمنع دموعها. — «الدكتور أحرجني قدام الناس.» تغير وجه حسنية. — «ليه؟» قالت سمر: — «اتأخرت شوية، وهو رفض يخليني أدخل المحاضرة.» سكتت لحظة. ثم أضافت بنبرة حزينة: — «بس اللي ضايقني أكتر إن ملك كانت موجودة.» رفعت حسنية حاجبها. — «ملك؟» هزت سمر رأسها. — «أيوه.» ثم أكملت: — «كانت قاعدة قدام، والدكتور بيتكلم معاها عادي... وأنا واقفة برا.» اشتدت ملامح حسنية. لكن سمر لم تتوقف. — «حاسّة إنها بتعمل نفسها أحسن مني في كل حاجة.» نظرت حسنية إليها. — «وملك فين دلوقتي؟» — «لسه في الجامعة.» نظرت سمر للساعة، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة. — «أكيد هترجع متأخر كعادتها.» سكتت حسنية. وبدأت تنتظر. أما سمر، فكانت تشعر بالراحة للمرة الأولى منذ خرجت من الجامعة. لأنها عرفت بالضبط ماذا تريد أن يحدث عندما تعود ملك. ولم تكن ملك تعرف أن سمر سبقتها إلى البيت... وتركت وراءها حكاية مختلفة تمامًا عن الحقيقة.لكن الهاتف ظل صامتًا. ظل جاسر واقفًا أمام باب مكتبه للحظات، وعيناه معلقتان بشاشة هاتفه. كان هناك شيء بداخله يخبره أن الأمر ليس طبيعيًا. ملك لم تكن تتجاهله. خصوصًا بعد أن أخبرته أنها ستخرج مع سمر. اتصل بسمر. مرة. لم تجب. اتصل مرة أخرى. هذه المرة ردت، لكن صوتها كان مرتبكًا. — «ألو؟» قال جاسر بسرعة: — «إنتِ مع ملك؟» سكتت سمر. — «سمر، ردي عليا.» ترددت للحظات، ثم قالت: — «لا.» تغير وجه جاسر. — «يعني إيه لا؟» — «ملك مش معايا.» — «فين هي؟» لم تستطع سمر الرد. — «سمر!» قالت بصوت مرتجف: — «مش عارفة.» أغمض جاسر عينيه للحظة، محاولًا السيطرة على خوفه. ثم سألها: — «آخر مرة شفتيها فيها كانت فين؟» أخبرته بالمكان. لم يسألها أي شيء آخر. أغلق الهاتف، وأخذ مفاتيحه وغادر مكتبه فورًا. وفي الطريق، حاول الاتصال بملك مرة أخرى. لا رد. كتب لها: «ملك، ردي عليا حتى لو بكلمة.» ثم أرسل رسالة ثانية: «أنا جاي أدور عليكي.» وضع الهاتف بجانبه، وانطلق بسرعة. لم يكن يعرف ماذا حدث. لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا بالنسبة له... ملك لم تختفِ بإرادتها. في نفس الوقت، كانت سمر لا تزال واقفة
وصل جاسر إلى المكان بأقصى سرعة. نزل من السيارة ودخل المبنى، وقلبه يدق بعنف. كان ينادي باسمها وهو يتحرك بين الغرف. — «ملك!» جاءه صوتها من الداخل. — «جاسر! أنا هنا!» ركض ناحية الصوت، وما إن فتح الباب حتى وجدها واقفة في زاوية الغرفة. كانت خائفة، لكن بمجرد أن رأته، أسرعت نحوه. — «جاسر!» ضمها إليه بقوة. ظل يحتضنها للحظات، وكأنه غير مصدق أنه وجدها أخيرًا. أبعدها عنه قليلًا، ونظر إلى وجهها بقلق. — «إنتِ كويسة؟» هزت رأسها. — «أيوه... أنا كويسة.» — «متأكدة؟» — «متأكدة.» تنفس جاسر براحة، ثم احتضنها مرة أخرى. — «خلعتيني عليكي.» قالت ملك بصوت منخفض: — «كنت عارفة إنك هتيجي.» ابتسم رغم الخوف الذي كان يملأه. — «كنت هدور عليكي في الدنيا كلها.» وقبل أن يخرجا، ظهر عمار أمام الباب. — «مش هتخرج بيها.» تغيرت ملامح جاسر، ووقف أمام ملك مباشرة. — «كفاية يا عمار.» حاول عمار الاقتراب، لكن جاسر منعه. — «ابعد عنها.» — «إنت فاكر إنك كسبت؟» نظر إليه جاسر بثبات. — «أنا مش داخل أكسب منك حاجة. أنا داخل آخد مراتي وأرجع بيها.» زاد غضب عمار، وبدأ بينهما شجار قصير، لكن قبل أن يتطور الأمر،
في تلك اللحظة... بدأت تشعر أن الموضوع لم يعد مجرد انتقام بسيط كما كانت تظن. أما ملك... فلم تكن تعرف أن قرارها بالثقة في سمر مرة أخرى... كان سيغيّر كل شيء. نظرت سمر إلى هاتفها مرة أخرى. كانت رسالة عمار ما زالت أمام عينيها. «دلوقتي.» رفعت رأسها ونظرت إلى ملك. — «مالك؟» سألت ملك باستغراب. أغلقت سمر الهاتف بسرعة. — «ولا حاجة.» — «متأكدة؟ شكلك اتغير فجأة.» حاولت سمر الابتسام. — «أنا بس... افتكرت حاجة.» ثم تحركت إلى الأمام. — «تعالي، المكان من هنا.» مشت ملك خلفها دون شك. كانت تثق بها. وهذا أكثر شيء جعل سمر تشعر بالذنب. بعد دقائق، توقفت سمر فجأة. نظرت حولها، ثم إلى ملك. — «استنيني هنا دقيقة.» استغربت ملك. — «هتروحي فين؟» — «هخلص حاجة بسرعة وهرجعلك.» — «ماشي.» ابتعدت سمر خطوات قليلة. لكنها لم تكد تفعل شيئًا حتى سمعت صوتًا جعل قلبها يرتجف. التفتت بسرعة. وفي لحظات قليلة... وجدت نفسها أمام موقف لم تكن مستعدة له. تراجعت سمر خطوة. — «لا... إحنا متفقناش على كده.» لم تجد إجابة. فقط شعرت أن الأمور خرجت من يدها تمامًا. نظرت ناحي
في اليوم التالي... منذ الصباح، كانت ملك تشعر بشيء غريب. لم تكن تعرف السبب، لكن رسالة سمر ظلت في بالها. «محتاجة أتكلم معاكي في حاجة.» لم تكن الجملة مخيفة، لكنها جعلتها تشعر أن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. وقفت أمام المرآة، رتبت شعرها، ثم أخذت حقيبتها. وقبل أن تخرج من الغرفة، وصلتها رسالة من جاسر. جاسر: «وصلتي؟» ابتسمت. ملك: «لسه خارجة.» لم تمر دقيقة حتى جاء الرد. جاسر: «لما توصلي ابعتيلي.» كتبت له: ملك: «حاضر، متقلقش عليا.» ثم أغلقت الهاتف ونزلت. كانت سمر تنتظرها في مكان هادئ. وحين رأت ملك تقترب، وقفت بسرعة. — «ملك!» ابتسمت ملك. — «آسفة اتأخرت.» — «ولا يهمك.» جلستا معًا. في البداية، تحدثتا عن أشياء عادية. البيت. العمل. الأيام الماضية. حتى ضحكت ملك أكثر من مرة. كانت تشعر أن سمر فعلًا تحاول. لكن سمر كانت تخفي توترًا واضحًا. وبعد فترة قالت: — «ملك... أنا عايزة أطلب منك طلب.» — «قولي.» — «ممكن تيجي معايا مكان؟» رفعت ملك حاجبها. — «فين؟» ترددت سمر لحظة. — «مكان قريب. مش هنتأخر.» نظرت ملك إليها. كان بإمكانها أن ترفض
في اليوم التالي... منذ الصباح، كانت ملك تشعر بشيء غريب. لم تكن تعرف السبب، لكن رسالة سمر ظلت في بالها. «محتاجة أتكلم معاكي في حاجة.» لم تكن الجملة مخيفة، لكنها جعلتها تشعر أن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. وقفت أمام المرآة، رتبت شعرها، ثم أخذت حقيبتها. وقبل أن تخرج من الغرفة، وصلتها رسالة من جاسر. جاسر: «وصلتي؟» ابتسمت. ملك: «لسه خارجة.» لم تمر دقيقة حتى جاء الرد. جاسر: «لما توصلي ابعتيلي.» كتبت له: ملك: «حاضر، متقلقش عليا.» ثم أغلقت الهاتف ونزلت. كانت سمر تنتظرها في مكان هادئ. وحين رأت ملك تقترب، وقفت بسرعة. — «ملك!» ابتسمت ملك. — «آسفة اتأخرت.» — «ولا يهمك.» جلستا معًا. في البداية، تحدثتا عن أشياء عادية. البيت. العمل. الأيام الماضية. حتى ضحكت ملك أكثر من مرة. كانت تشعر أن سمر فعلًا تحاول. لكن سمر كانت تخفي توترًا واضحًا. وبعد فترة قالت: — «ملك... أنا عايزة أطلب منك طلب.» — «قولي.» — «ممكن تيجي معايا مكان؟» رفعت ملك حاجبها. — «فين؟» ترددت سمر لحظة. — «مكان قريب. مش هنتأخر.» نظرت ملك إليها. كان بإمكانها أن ترفض
مرّت الأيام التالية بهدوء غريب. سمر بدأت تظهر في حياة ملك من جديد، لكن المرة دي بشكل مختلف. كانت تسأل عنها، تبعت لها، وأحيانًا تيجي تقعد معاها من غير سبب واضح. وفي البداية، ملك كانت حذرة. لكن مع الوقت، الحذر بدأ يقل. في صباح أحد الأيام، كانت ملك جالسة في الصالة، تمسك هاتفها وتراجع بعض الرسائل، عندما دخلت سمر. — «صباح الخير.» رفعت ملك عينيها وابتسمت. — «صباح النور.» جلست سمر بجانبها، ووضعت كيسًا صغيرًا على الطاولة. — «جبتلك حاجة.» ضحكت ملك. — «إنتِ كل يوم هتجيبيلي حاجة؟» — «مش عاجبك؟» — «لا عاجبني طبعًا.» فتحت ملك الكيس، فوجدت فيه بعض الأشياء التي تحبها. نظرت لسمر بدهشة. — «إنتِ لسه فاكرة إني بحب الحاجات دي؟» ابتسمت سمر. — «أنا فاكرة حاجات كتير عنك.» تغيّرت ملامح ملك للحظة. ربما لأنها لأول مرة منذ وقت طويل شعرت أن سمر فعلًا تحاول إصلاح ما حدث بينهما. — «شكرًا.» — «ملك...» — «همم؟» ترددت سمر قليلًا قبل أن تقول: — «أنا فعلًا آسفة.» وضعت ملك ما بيدها جانبًا. — «إنتِ اعتذرتي قبل كده.» — «عارفة... بس المرة دي أنا مش عايزة أعتذر وخلاص







