Share

الفصل 10

Author: Elira Moon
last update Last Updated: 2026-03-13 21:04:25

خيم المساء على القاهرة، لكنه لم يحمل معه الهدوء لقلب صهيب الجارحي. كان يقف في غرفته، يراقب سيليا من خلال الباب المفتوح وهي تضع اللمسات الأخيرة على زينتها. كانت ترتدي فستاناً من الحرير الأسود، بسيطاً لكنه ينطق بالفخامة، يبرز عنقها الطويل الذي لم يطوقه عقد صهيب الليلة، بل تركتْه عارياً إلا من عطرها الذي ملأ الردهة.

أحس صهيب بنصلٍ يمزق صدره. لم يسبق له أن رآها تستعد بذا الشغف لحدثٍ يخصه هو. تقدم نحوها بخطواتٍ ثقيلة، وصوته يخرج متحشرجاً:

— "سيليا.. ما زلتِ مصرة؟ السيارة تنتظر بالأسفل، ولكن ليس لتوصلكِ لـ 'بدر'، بل لنخرج معاً وننهي هذه المهزلة."

لم تلتفت إليه، بل ظلت تنظر لانعكاسها في المرآة وهي تضع قرطاً لؤلؤياً، وقالت بهدوءٍ يذبح كبريائه:

— "لقد أعطيتُ كلمتي يا صهيب. وبدر ليس غريباً، إنه جزء من ماضٍ كنتُ فيه سعيدة قبل أن أصبح زوجةً مع وقف التنفيذ. لا تحاول منعي، لأنك ستخسر ما تبقى من احترام بيننا."

خرجت من الغرفة بخطىً واثقة، تاركةً خلفها عطراً يخنقه بمرارة الندم. لم يحتمل صهيب؛ استشاط غيرةً، والتقط مفاتيح سيارته ولحق بها في خفاء، قرر ألا يتركها تنفرد بهذا "البدر" ولو كلفه الأمر كرامته.

**********

~في المطعم~

اختارت لينا وبدر مطعماً كلاسيكياً يطل على النيل، أضواؤه خافتة تعزف سيمفونية من الرومانسية التي أثارت جنون صهيب وهو يراقب من طاولة بعيدة، مختبئاً خلف نظاراته السوداء وجريدة لم يقرأ منها حرفاً.

كان بدر يجلس بوقار، وعيناه لا تفارقان وجه سيليا. انحنى نحوها قليلاً، هامساً بصوتٍ سمعه صهيب بقلبه قبل أذنه:

— "سيليا.. لا تدركين كم انتظرتُ هذه اللحظة. عشر سنوات في الغربة، وكل نجاح حققتُه كان وقوده الأمل في أن أعود وأراكِ. أنتِ لم تتغيري، لا زلتِ تلك الفتاة التي تشرق الشمس في عينيها."

ابتسمت سيليا ابتسامة خفيفة، وشعرت بدفءٍ افتقدته في قصر الجارحي، لكنها كانت تدرك أن صهيب يراقبها؛ فقد لمحت سيارته في الخارج. قالت بنبرة متزنة:

— "بدر.. أنت تتحدث عن ذكريات مراهقة. الآن نحن في عالم الأعمال، والواقع يختلف كثيراً عن القصائد."

أمسك بدر يدها فوق الطاولة برقة، ولم تسحبها سيليا فوراً، أرادت أن تختبر غيرة صهيب، أو ربما أرادت أن تشعر بأنها مرغوبة. قال بدر:

— "الواقع هو أنكِ لستِ سعيدة يا سيليا. عيونكِ تحكي قصصاً من الجفاء في قصر الجارحي. صهيب رجل أعمال ناجح، لكنه لا يفهم في لغة القلوب. عرضي لكِ ليس مجرد منصب مدير قانوني، بل هو عرضٌ لتكوني بجانب من يقدركِ حق قدرك. اتركيه يا سيليا.. اطلبي الطلاق، وأنا أعدكِ أن أعوضكِ عن كل ثانية أهدرها هو في تجاهلك."

انفجارُ الصهيب

لم يعد صهيب يحتمل رؤية يد بدر تلمس يد سيليا. انتفض من مقعده كالبرق، متجاهلاً كل قواعد اللباقة والسرية. اندفع نحو طاولتهما، وضرب بيده على الطاولة بقوة جعلت الأقداح تهتز، وصوته هدر كالإعصار:

— "ابتعد عنها فوراً يا شافعي! قبل أن أجعل يدك هذه لا تصلح لكتابة القصائد مرة أخرى!"

شهقت سيليا بصدمة، بينما وقف بدر بهدوءٍ مستفز، واضعاً يديه في جيوبه:

— "أهلاً سيد صهيب. كنتُ أتوقع أن تلحق بنا، لكنني لم أتوقع أن تفتقر للرصانة لدرجة الانفجار في مكانٍ عام. هل تظن أن الصراخ سيثبت رجولتك التي فشلت في إثباتها لزوجتك في عامين؟"

احمر وجه صهيب من الغيظ، وقبض على ياقة قميص بدر:

— "سيليا زوجتي، وما بيني وبينها لا يخص غريباً مثلك. ارحل الآن قبل أن أرتكب حماقة تنهي مستقبلك المهني في هذه المدينة."

تدخلت سيليا ووقفت بينهما، ويدها على صدر صهيب تدفعه بعيداً:

— "كفى يا صهيب! أنت تحرج نفسك وتحرجني. بدر لم يرتكب خطأ، نحن في عشاء عمل، وأنت من تصرف كالمراهقين."

نظر إليها صهيب بعينين يملؤهما الوجع والغيرة القاتلة:

— "عشاء عمل؟ وهو يمسك يدكِ ويطلب منكِ الطلاق؟ هل هذا هو العمل في نظرك؟ سيليا.. هيا بنا الآن، وإلا لن تخرجي من القصر مرة أخرى."

التفت بدر نحو سيليا بابتسامة حانية:

— "لا تخافي منه يا سيليا. إذا شعرتِ بالتهديد، سيارتي ورجالي في الخارج، ويمكنكِ المجيء معي الآن ولن يجرؤ على لمسك."

نظر صهيب لبدر بتحدٍّ، ثم لسيليا بتوسلٍ خفي خلف قناع القوة. كانت سيليا في موقفٍ لا تُحسد عليه. نظرت لبدر وقالت:

— "أعتذر يا بدر، الاجتماع انتهى هنا. سأعود مع زوجي.. ليس لأنه يملكني، بل لأنني لا أريد فضيحة أخرى لاسم عائلتي."

سحبها صهيب من يدها بعنفٍ رقيق، وقادها نحو الخارج، وفي داخله بركان لا يهدأ. بمجرد أن ركبا السيارة، لم يتحرك. ظل يضغط على مقود السيارة حتى كاد يتحطم، ثم التفت إليها وصوته يرتجف:

— "هل تحبينه؟ هل كان يوماً ما يعني لكِ أكثر مما أعنيه أنا؟ أجيبي يا سيليا!"

نظرت إليه سيليا برود، وقالت بكلماتٍ كالسم:

— "بدر يحبني يا صهيب، وهذا يكفي ليشعرني بوجودي. أما أنت.. فأنت فقط تغار على ممتلكاتك، والفرق بين الحب والتملك كالفرق بين السماء والأرض."

انطلق صهيب بالسيارة بسرعةٍ جنونية، وهو يدرك أن الحرب مع بدر الشافعي قد بدأت للتو، وأن المعركة الحقيقية ليست على الصفقات، بل على قلب سيليا الذي بدأ يفلت من بين يديه.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين قابَلَها الصُهيب   الفصل 16

    ساد صمتٌ واجمٌ أطبق على أنفاس القصر، وكأن جدرانه العتيقة قد صُدمت بجرأة الكلمة التي ألقتها سيليا. ظل صهيب شاخصاً ببصره نحوها، وعيناه تضيقان كغابةٍ تشتعل في صمت، بينما كانت دقات قلبه تتسارع خلف قناع الجمود الذي يرتديه.خطا صهيب نحوها خطوةً واحدة، كانت ثقيلةً كوقع القدر، وانخفض صوته لدرجةٍ جعلت شعيرات جسدها تقشعر:— "الطلاق؟ أبلغَ بكِ الوهمُ هذا الحد يا سيليا؟ أتظنين أن الخروج من مملكني بيسيرٍ كخروجكِ من قاعة المناقصات؟"رفعت سيليا ذقنها بشموخٍ، ولم تتردد نبرتها وهي تجيبه:— "لم يعد وهماً يا صهيب، بل صار ضرورةً للبقاء. لقد استنفدتَ كل رصيدكِ من الصبر في قلبي، ولم يعد هناك ما يستحق القتال لأجله. غداً، ستبدأ الأوراق في الحديث عوضاً عن المشاعر التي وأدتَها ببرودك."ضحك صهيب ضحكةً مكتومة، تحمل مرارة الخيبة وقسوة الكبرياء، ثم اقترب منها حتى لم يعد يفصلهما سوى أنفاسهما المضطربة، وهمس بفحيحٍ يقطر وعيداً:— "أوراقكِ تلك ستمزقها الرياح قبل أن تصل إلى عتبة المحكمة. هل غاب عن ذهنكِ من هو صهيب الجارحي؟ أنا لا أُترك، ولا أُهجر، ولا يُملى عليّ قرارٌ لم أخطّه بيميني. إن كنتِ تظنين أن الشافعي سيحمي ظهر

  • حين قابَلَها الصُهيب   الفصل 15

    أطبقت سيليا جفونها لثانية واحدة، استجمعت فيها شتات قوتها ورممت ثباتها الانفعالي، ثم فتحت عينيها ببرود صقيعي، مقررةً تجاهل وجود صهيب تماماً وكأنه لم يكن حياً يُرزق في ذلك المدى. استمرت في مشاركة موظفيها أحاديثهم وضحكاتهم بنبرة واثقة، في حين كانت ترصد بطرف خفيّ ما تقترفه "لينا" من حماقات.تعمدت لينا الالتصاق بصهيب حتى انعدمت المسافة بينهما، ثم أخرجت هاتفها ودسّت رأسها على كتفه بدلالٍ مستفز لتلتقط صورة معه. لم يبدِ صهيب أي ممانعة، بل ظل ساكناً كتمثال رخامي، يشاركها اللحظة بجمودٍ تام وتملكٍ أثار لوعتها المكبوتة. ابتلعت سيليا غصتها، ولم تسمح لخلجة واحدة أن تظهر على وجهها، بل التفتت نحو بدر الذي مال نحو أذنها ليهمس لها بكلمة أثارت ضحكاتها، فابتسمت بخجلٍ مباغت زاد من اشتعال الأجواء خلف الطاولة المقابلة.بعد فترة، استأذنت سيليا للذهاب إلى "ردهة الزينة" لتعديل مظهرها. وما إن دلفت وأغلقت الباب حتى شعرت بحركة مباغتة خلفها؛ كان صهيب قد انسلّ وراءها، وبحركة خاطفة أدار القفل، وحشرها بين جسده الصلب ورخام الردهة البارد.سألها بجمودٍ يحمل نذير الخطر:— "ماذا كان يهمس في أذنكِ ذلك الشافعي؟ وما سر هذه ا

  • حين قابَلَها الصُهيب   الفصل 14

    أشرقت شمس اليوم التالي محملة بتوتر يسري في عروق المدينة. وقفت سيليا أمام مرآتها، مرتدية بدلة رسمية باللون الأبيض الناصع؛ ذلك اللون الذي يعكس النقاء والصلابة في آن واحد. لم تعد "زوجة الجارحي" المنزوية خلف المكاتب، بل "سيليا العمري" التي استردت هويتها المسلوبة.وصلت إلى مقر شركة بدر الشافعي، حيث كان الاستقبال مهيباً يليق بمقامها. كان بدر بانتظارها عند المدخل، والبشر يرتسم على محياه:— "اليوم هو يومكِ يا سيليا.. قاعة المناقصات بانتظار العقل المدبر الذي سيقلب موازين السوق."— "لن ننتظر طويلاً يا بدر، الملفات جاهزة، وخطتي القانونية لا تشوبها شائبة، ولن أترك ثغرة واحدة لخصمي ليتسلل منها."في قاعة المناقصات: صِراعُ الجبابرةدلفت سيليا وبدر إلى القاعة، ليفاجآ بمشهد صُمم بعناية فائقة لاستفزازها. من الباب المقابل، دخل صهيب بكامل هيبته الطاغية، ولم يكن وحده؛ كانت لينا تتأبط ذراعه بمنتهى الكبرياء والخيلاء، توزع نظرات الخبث يميناً ويساراً، وكأنها ترسل رسالة صامتة لسيليا: "لقد أخذتُ مكانكِ بجانبه، وأنتِ الآن مجرد خصم منبوذ".صهيب ببدلته السوداء المعتادة بدا ككتلة من الجليد الصخري، لكن عينيه كانتا ت

  • حين قابَلَها الصُهيب   الفصل 13

    دخلت سيليا إلى بهو القصر بخطوات متزنة، وصوت كعب حذائها يرتطم بالرخام في إيقاع هادئ ومنتظم، بينما ترجل صهيب من سيارته وأغلق الباب خلفه بقوة لم تخلُ من العصبية المكتومة. سار خلفها حتى دلفا إلى الداخل، حيث كانت أضواء القصر الخافتة تضفي صمتاً مهيباً على المكان.توقفت سيليا عند أول درجات السلم، والتفتت إليه بهدوء غريب، وكأن تلك العاصفة التي كانت تدور في السيارة قد تلاشت بمجرد عبورها عتبة الدار.— "ليلة سعيدة يا صهيب. شكراً على توصيلك."ضاقت عينا صهيب وهو يراقب برودها المستفز، فخطا نحوها عدة خطوات حتى صار يقف أمامها مباشرة، ونظر إليها مطولاً قبل أن يتحدث بصوت منخفض سكنت فيه كل انفعالاته الحادة.— "بهذه البساطة يا سيليا؟ تنهين الحديث بكلمة "ليلة سعيدة" وكأننا لم نكن منذ دقائق نتحدث عن حرب ستغير موازين عائلة الجارحي؟"سندت سيليا يدها على حافة الدرج الخشبي، ونظرت إليه بعينين يملؤهما الثبات.— "وماذا تريد مني أن أقول؟ لقد وضعتَ أنت القواعد يا صهيب.. قلت إننا خصوم في العمل، وأنا قبلت التحدي. أما هنا، في هذا البيت، فنحن مجرد شخصين يجمعهما سقف واحد واحترام لذكرى عائلة.. أليس هذا ما كنت تريده دائما

  • حين قابَلَها الصُهيب   الفصل 12

    مرت الأيام الأولى من الأسبوع الفاصل كأنها دهر. في قصر صهيب، صار الصمت هو اللغة الرسمية؛ سيليا تخرج في الصباح الباكر لتباشر مهامها في إمبراطورية "بدر الشافعي"، وتعود لتقبع في جناحها خلف أبواب مغلقة، وصهيب يراقبها من بعيد، تنهشه الغيرة المهنية والشخصية معاً. أما في الشركة، فكان صهيب يحاول رتق الشقوق التي خلفها رحيل سيليا. طلب مقابلة لينا في مكتبه، ليحل الخلاف الذي نشب بينهما منذ معرفتها بزواجه. دخلت لينا بخطوات واثقة، مرتديةً قناع الهدوء والرزانة، ولم تظهر أي عدائية، بل كانت "متصنعة" بامتياز. قال صهيب بصوت هادئ: — "لينا.. دعوتُكِ لنتحدث بعيداً عن ضغط العمل. أعلم أن زيارتكِ الأخيرة للقصر كانت صادمة، ولم أكن أريد أن تعرفي بأمر زواجي من سيليا بتلك الطريقة. أنتِ ركن أساسي في خططي القادمة، ولا أريد لخلافاتنا الشخصية أن تعطلنا." ابتسمت لينا ابتسامة رقيقة مصطنعة، وقالت بنبرة هادئة: — "صهيب، أنا لستُ طفلة. جُرحتُ لأنني اهتممتُ بك، لكنني أفصل جيداً بين مشاعري وبين العمل. سيليا اختارت أن تكون في المعسكر الآخر، وأنا اخترتُ أن أكون معك.. وهذا يكفيني الآن." لم يكد ينهي حديثه مع لينا حت

  • حين قابَلَها الصُهيب   الفصل 11

    انقضت ليلة "العشاء العاصف" وبقيت آثارها محفورة في زوايا قصر الجارحي. كان الصمت الذي ساد السيارة في طريق العودة أثقل من أي عتاب، وصهيب، الذي لم ينطق بحرف منذ تلك الصرخة المكتومة في السيارة، قضى ليله في مكتبه يراقب خيوط الفجر وهي تولد، وشعور غريب بالهزيمة ينهش كبرياءه. لم تكن هزيمة أمام "بدر"، بل كانت هزيمة أمام تلك النظرة التي رآها في عيني سيليا؛ نظرة لم تعد تخشاه.مع دقات الثامنة صباحاً، نزلت سيليا الدرج. لم تكن ترتدي ثياب المنزل، بل كانت في كامل أناقتها الرسمية، بدلة بلون "الكحلي الملكي" وحقيبة جلدية توحي بجدية من يقبض على زمام أمره. وجدت صهيب في ردهة القصر، كان يرتشف قهوته بآلية، وعيناه غائرتان.توقف صهيب عن الشرب، ونظر إليها بحدة:— "إلى أين يا سيليا؟ ظننتُ أننا أنهينا موضوع 'بدر' والعمل معه بالأمس. لن تخرجي من هذا الباب إلا للشركة معي، أو تبقين هنا حتى تستعيدي رصانتك."وضعت سيليا ملفاً جلدياً على الطاولة بجانبه، وقالت بصوت هادئ رخيم يقطر ثباتاً:— "صهيب.. بالأمس سألتني إن كنتُ أحبه، واليوم سأجيبك بفعلي لا بقولي. هذا الملف يحتوي على استقالتي الرسمية من مجموعة الجارحي. لم أعد موظفة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status