Mag-log inيقولون إن الغابة لا تنسى أبداً، لكن في تلك الليلة، صمت كل شيء. فوق المرتفعات القريبة من جبل "لاتموس"، انقطعت الأنفاس وتوقفت الرياح عن الحركة، وكأن العالم بأسره كان يحبس أنفاسه لحدثٍ لم يكن من المفترض أن يقع. وسط وادٍ غارقة تربته بالدماء، كان الألفا "دانيال" يصارع الموت. لم يكن يرى سوى ومضاتٍ من سيوف الساحرات التي كانت تحاصره ككابوسٍ أسود. وبينما كان يستعد لإطلاق عوائه الأخير، حدث أمرٌ لم يجد له تفسيراً؛ ضوءٌ أبيض خاطف، بارد كالثلج ونقي كالفضة، اجتاح الوادي كعاصفةٍ صامتة، مخلّفاً وراءه سكوناً مطبقاً. حين استيقظ دانيال، لم يجد أثراً لأعدائه، ولم يجد تفسيراً لنجاته. كل ما وجده هو فتاةٌ غريبة ملقاة فوق الأعشاب، وكأنها سقطت من قلب ذلك الضوء. حملها بين ذراعيه؛ كانت خفيفة بشكلٍ غير طبيعي، شعرها الفضي الطويل ينساب خلفها كشلالٍ من الحرير، ورائحتها.. لم تكن تشبه رائحة المستذئبين، بل كانت رائحةً تشبه ندى الجبال التي لم تطأها قدم بشر من قبل. داخل العرين، وبينما كان ضوء الفجر الخافت يكشف عن ملامحها المرمريّة، استيقظت سيلين. لم تكن هناك ذكريات في عينيها البنفسجيتين، فقط تيهٌ شاسع وفراغٌ يمزق القلب. لم يسألها دانيال من تكون، ولم يطالبها بتفسير لجمالها الغريب الذي لا ينتمي لخشونة الغابة. كان إيمانه بها غريزياً، إيمانٌ لم يحتاج إلى منطق. "بما أنكِ لا تذكرين اسمكِ.." قال دانيال بصوتٍ عميق، وعيناه الذهبيتان ترقبانها بهدوء، "سأسميكِ سيلين." في تلك اللحظة، كانت يده تلامس يدها، وبمجرد نطق الاسم، انتفض جسدها. شعرت سيلين بقلبها ينبض بقوةٍ مفاجئة، نبضةٌ واحدة عميقة زلزلت صدرها، وكأن صوتاً قديماً قد ناداها من خلف جدران النسيان. شحبت ملامحها وهي تنظر إليه بذهول، وبينما كانت تشد خصلات شعرها الفضي لتغطي قفا رقبتها بتوتر، شعرت لأول مرة بالأمان في حضرة هذا الألفا.. الشخص الذي منحها اسماً، في عالمٍ يبدو أنها نسيت فيه كل شيء، حتى نفسها.
view moreمرّ شهرٌ كامل على تلك الليلة التي انشقت فيها السماء فوق وادي "لاتموس"، ليلةٌ لم تترك وراءها سوى السكون وبقايا ضوء فضي غامض. ثلاثون يوماً ودانيال، الألفا الشاب الذي نحتت المسؤولية المبكرة ملامحه الحادة، يشعر بأن شيئاً ما في أعماقه قد تآكل من قسوته المعهودة. كان يجد نفسه، دون وعي، يختلق الأعذار ليقضي وقتاً أطول مع تلك الغريبة التي أسماها "سيلين"؛ كان يقنع نفسه بأن التقرب منها مجرد واجب قيادي لسبر أغوارها ومساعدتها على استرجاع ذاكرتها المفقودة، لكن في قرارة نفسه، كان يترقب وقع خطواتها الهادئة بجانبه في الحديقة، ويستأنس بصوتها الرقيق الذي يكسر صمت مائدة الطعام. كانت أحاديثهما اليومية، الحذرة والمغلفة باحترامٍ غريب، هي الجسر الوحيد الذي يربط فتاةً بلا ماضي برجلٍ يحاول بكل قوته نسيان ماضيه؛ ذلك الماضي الملطخ بدماء والديه واللحظة التي أُلقي فيها ثقل القيادة على كتفيه وهو لا يزال غضاً، مما خلف في روحه صدمةً لا يداويها سوى هذا الهدوء الذي تنشره سيلين حولها.
في قاعة المجلس الحجرية، حيث تفوح رائحة الخشب القديم والتوتر، كان الجو يغلي كمرجلٍ على وشك الانفجار. جلس جون (34 عاماً)، الأخ الأكبر لدانيال، في صدارة الجانب الأيمن. كان ضخم البنية بشكلٍ مرعب، وشعره الأسود الذي غزاه الشيب عند الصدغين يجعله نسخة طبق الأصل عن والدهما الراحل، مما كان يثير في نفس دانيال مزيجاً من الاحترام والألم. وبجانبه جلست زوجته صوفي، امرأة باردة الملامح بجمالٍ جليدي، تنتمي لقطيع الشمال القوي؛ كان زواجهما تحالفاً سياسياً بحتاً صاغه جون ببرود القادة، فهو الذي لم يعثر على شريكته الحقيقية أبداً، فقرر وأد قلبه والارتباط بصوفي لتعزيز نفوذ عائلته وحماية حدودهم، وهو ما جعله يرى في "لين" دانيال تجاه سيلين ترفاً لا يملكه من يحمل دماء الألفا.
على الجانب الآخر، كان ديفيد (29 عاماً)، الأخ الأوسط والمقرب لقلب دانيال، يكسر حدة الجو بابتسامته الهادئة وبنيته الرياضية المتينة، بينما كانت شريكته ياسمين، طبيبة القطيع ذات الشعر الأحمر الناري، تراقب نبض القلوب بعينيها العسلية التي لا تخدعها الكلمات. أما كميل (27 عاماً)، البيتا المخلص وصديق طفولة دانيال، فكان يقف كالسد المنيع خلف الألفا، بينما جلست شريكته ميرا بصلابة تحسد عليها. ميرا، ابنة الألفا التي تربت على أن منصب "اللونا" هو أمانة مقدسة لا تُمنح إلا لمن تستحقها قوةً ونسباً، لم تكن تحقد على سيلين، بل كانت تنظر إليها بعين القلق والريبة؛ فهي ترى أن منصب اللونا يجب أن تشغله امرأة صلبة تكون سنداً للقطيع، وليست فتاةً مجهولة، باهتة الحضور، وتبدو في غاية الضعف والضياع. بالنسبة لميرا، كان السماح لغريبة بلا ذئب أو تاريخ بالتقرب من مركز السلطة يمثل إهانة للأعراف التي ضحت هي بالكثير من أجلها.
ضرب جون الطاولة بيده الضخمة، فاهتزت الكؤوس وتردد صدى الضربة في أرجاء القاعة: "لقد طال الأمر يا دانيال! وجود غريبة في قلب العرين، تشاركك طعامك وتمشي في حديقتك بلا رتبة أو هوية، هو خرقٌ صارخ لكل الأعراف التي تربينا عليها. القطيع يتساءل في الخفاء.. هل نسينا دماءنا وقوانيننا من أجل وجهٍ غريب لا نملك عنه خبراً؟". لم يرد دانيال بكلمة واحدة، بل اكتفى بالالتفاف نحو أخيه ببطء، وألقى عليه نظرة قاسية ومحذرة؛ نظرة "ألفا" لا يقبل أن تُنازع سلطته، مما جعل القاعة تغرق في صمتٍ ثقيل ومهيب.
تابعت ميرا بنبرة رصينة، مغلفة بحرصها على بروتوكولات القطيع: "نحن نهتم لأمننا واستقرارنا يا دانيال. سكوتك عن هوية هذه الفتاة يفتح باباً للهواجس. إنها لا تملك حتى اسماً حقيقياً، فكيف نثق بمستقبلها بيننا وهي لا تملك ماضياً؟". هنا، تدخلت ياسمين بذكائها المعهود، وضعت يدها برقة على الطاولة وقالت بصوت ناعم وجازم: "ميرا، سيلين ليست خطراً على أحد. لقد قضيت معها وقتاً كافياً لأعرف أن قلبها لا يحمل سوى البراءة والضياع المطلق.. إنها روح مكسورة وجدت ملجأها بيننا، ودورنا كعائلة وقطيع هو الاحتواء والرحمة، لا المحاكمة الجائرة".
أمالت ميرا رأسها بابتسامة غامضة لم تصل لعينها، بينما ظل دانيال صامتاً، يراقب الجميع بعينين ذهبيتين تعلنان أن سيلين خط أحمر لا يقبل النقاش. وقف دانيال معلناً نهاية المجلس بصرامة، فانسحب الجميع . وعند الباب، التفت جون بلمحة سريعة لم يلحظها أحد وسط الزحام؛ تلاشت قسوته المصطنعة لثانية واحدة، وحلت مكانها نظرة خوفٍ حقيقي وقلقٍ عميق على أخيه الصغير، نظرة رجلٍ يخشى أن يحترق دانيال بالنور الذي يحاول حمايته، قبل أن يستدير ويختفي في الممر المظلم، تاركاً دانيال وحيداً يصارع أشباح ماضيه وتساؤلات حاضره.
أليس غابت الشمس أخيراً، وانطفأ آخر خيطٍ للرأفة في الأفق، ليعلن الليلُ سيادته المطلقة. فتحتُ النوافذ على مصراعيها، وتركتُ هواء المساء البارد يلفح وجهي، مستنشقةً الروائح التي يحملها الريح بحذرٍ شديد؛ فأنا الآن لا أعتمد على قوتي فحسب، بل على حواسي التي صقلتها قرونٌ من الصيد والحروب. تراجعتُ خطوةً نحو الخلف، وانغمدتُ في الزوايا المظلمة للغرفة كما أفعل دائماً؛ فالظلال هي بيتي، وهي سلاحي الأول. كنتُ أحسبُ الوقت في عقلي بدقة متناهية؛ المسافة من قلعة "بان" إلى هنا تستغرقُ من مجموعاتهم أكثر من ساعة، بينما كنتُ أقطعها بنصف ذلك الوقت حين كان دمُ "بان" يغلي في عروقي ويمنحني سرعة البرق. أعرفُ تماماً كيف يفكرون، وأعرفُ أكثر كيف يتحركون. لن يأتوا فرادى؛ فالجبنُ يسكنُ قلوبهم حين يواجهون "أي تحدي" . سيتحركون كمجموعة هجينة من السحرة الذين فقدوا رشدهم، ومصاصي دماءٍ متعطشين للارتقاء في الرتب فوق جثتي. لكن نقطة ضعفهم هي ذاتها التي ظنوا أنها قوتهم: **غيابي**. لقد كنتُ أنا من يضعُ التشكيلات، وأنا من يحددُ لحظة الهجوم والانسحاب. الآن، هم مجردُ قطيعٍ من الوحوش المتحفزة بلا عقلٍ مدبّر. سيهاجمون بان
بدأ صوته يخرجُ مهتزاً، كأنه يلفظُ شظايا من زجاجٍ عالقة في حنجرته: **"حسناً.. سأخبركِ بكل شيء."** بدأ جاكسون يسردُ فصول مأساته بنبرةٍ يملؤها الندم المرّ. حكى كيف خرج في ذلك الفجر المشؤوم، مدفوعاً بأملٍ واهم في العثور على أشباهه؛ أولئك "المنبوذين" الذين سحقهم "بان" و"جوزفين" وسلبوهم كرامتهم وذئابهم. كان يظنُّ أنَّ جرحهم المشترك سيكون الرابط الذي يوحدهم للانتقام، وأنَّ الغضب سيكون الوقود الذي يجمعهم تحت راية "دانيال". لكنه وجد الغدر يقبعُ في ثنايا الولاء المزيّف. التقى ببعضهم، وبسذاجةِ من يبحثُ عن قشةِ نجاة، شرح لهم مخططه لتجنيدهم. تظاهروا بالموافقة، وأقنعوه بأنَّ هناك آخرين "مثلهم" يختبئون عند حدود القلعة، ينتظرون القائد المناسب. **"وثقتُ بهم.."** قالها جاكسون وهو يشدُّ قبضته على الملعقة حتى كادت تنحني، **"سرنا معاً حتى وصلنا إلى أسوار القلعة التي لم ارها. كنتُ أعمى، لم أرَ النوايا خلف وجوههم الباهتة."** وعندما توقفوا، بدأ "التصفير" الملعون؛ تلك النغمة الحادة التي اخترقت صمت الغابة كخنجرٍ مسموم. لم تكن نداءً لرفاقٍ مختبئين، بل كانت إشارةً للصيادين. في لحظات، أحاطت به أنيابُ
أليس أحضرت جيني أكياس الدم المخزنة بسرعةٍ والارتباك يملأ ملامحها. تناولتُ الكيس الأول وشرعتُ في شربه بنهمٍ لم أستطع كبحه، رغم أنَّ طعمه كان مقززاً، بارداً ومعدنياً يفتقرُ لشرارة الحياة. كان يشبهُ الطعام الرديء الذي يسدُّ الرمق دون أن يمنح اللذة؛ فشتان بين سائلٍ مخزن في أكياسٍ بلاستيكية، وبين ذاك الذي ينسابُ حاراً في العروق وينبضُ بالحياة. ومع ذلك، كان هذا القرف كافياً ليعيد لجسدي بعض توازنه، ويبدأ في ترميم ما أفسدته لعنات الهجينين. طوال هذا الوقت، كان "جاكسون" يقبع في زاويته، يراقبني بصمتٍ مطبق. كانت عيناه تدرسان كل حركةٍ أقوم بها، وكأنه يحاول فكَّ شيفرة هذه الشخصية المتناقضة التي تقف أمامه؛ خادمة "بان" المخلصة التي تشرب دم الحيوانات وتخاطر بحياتها لإنقاذ عدوها. التفتُّ نحو جيني وسألتها بصوتٍ أجهده التعب عما إذا كان هناك أيُّ طعامٍ يصلحُ للبشر لتقدمه لهذا الفتى؛ فـ "جاكسون" يحتاجُ للقوة ليتمكن من السير خلفي. أجابتني بهدوءٍ يبعث على السكينة: **"نعم يا سيدتي، يوجد ما يكفي."** غابت لدقائق وعادت تحمل صينيةً ينبعثُ منها بخارٌ دافئ، عليها قطعٌ من اللحم ومرقٌ تفوح منه رائحة التوابل م
أليس بمجرد أن وطئت أقدامنا العشب المبلل بالندى بعيداً عن هيبة الحجر، شعرتُ برعشةِ الحرية تمتزجُ بألم جرحي. لم نكن قد ابتعدنا كفاية، لكنَّ ظلام الغابة المحيطة بالبوابة الخلفية ابتلعنا بسرعة. التفتُّ خلفي لأتأكد أنَّ البوابة قد أُغلقت، ثم نظرتُ إلى جاكسون الذي كان لا يزال ينظر إليَّ بتلك الريبة القاتلة، مدركةً أنَّ الهروب من القلعة كان الجزء الأسهل.. أما الهروب من شكوكه، فذاك شأنٌ آخر. قبضتُ على رقبته بيدي المرتجفة من أثر الجرح، وثبتهُ نحو جذع شجرةٍ ضخمة، وقلتُ له بصوتٍ خفيضٍ محذر: **"اسمعني جيداً.. هذه هي فرصتك الأخيرة لتهرب معي بسلام، أو أتركك لمصيرك الأسود هنا وأهرب بجلدي. اختر الآن!"** سكن "جاكسون" أخيراً، وكأنَّ حقيقة الموقف قد صدمته.مشينا مبتعدين عن القلعة مدركةً أنَّ ما فعلتهُ الآن هو نقطة لا عودة؛ لقد أحرقتُ كل جسوري مع "بان". كان يؤرقني حقاً مقدار ما يعرفه هذا الشاب عن صفقتي مع "دانيال"؛ وما نطق به. بعد أن تجاوزنا حدود الخطر ولم يعترض طريقنا أحد – أو ربما حالفنا الحظ ولم يلمحنا أحد في العتمة – توقفتُ أخيراً. فككتُ القماش عن فمه وحررتُ يديه من القيد الحديدي ليتمكن من ا
كنتُ أنصتُ لكل كلمةٍ تخرجُ من بين شفتيها القانيتين بعنايةٍ فائقة، كأنني أجمعُ قطعَ أحجيةٍ دمويةٍ تضربُ بجذورها في أعماقِ أزلٍ سحيق. كان فحيحُ صوتها يملأُ زوايا الغرفة، كاشفاً عن تاريخٍ لم تروِهِ الكتب، تاريخٍ كُتب بمدادِ الخيانةِ واللعنات. أكملت أليس شرحها، وعيناها تلمعان ببريقٍ حزينٍ وغاضبٍ في آ
كان الجميع في حالةٍ من الذهول المطبق، عيونهم متسعة، وأنفاسهم محبوسة في صدورهم كما لو أن الهواء قد جمد في الردهة. نظرتُ نحوهم بهدوءٍ وثبات، وأنا أشعر بتدفق القوة في الجو، ثم قلتُ بنبرةٍ واثقة: "أعرفكم.. أخي 'سول'، إله الشمس." التفتُّ نحو "سول" الذي كان يقف كقطعة من ضياءٍ أزلي وسط ظلال القلعة، وأكملت
كنتُ أسمعُ إيقاع قلوبهم المضطربة خلفي كطبولٍ مجهدة، وألتقطُ أنفاسهم التي أصبحت حشرجاتٍ ثقيلة تمزق سكون الغابة. أجسادهم، رغم قوتها، لم تعد قادرة على مجاراة الوتيرة التي انطلقتُ بها؛ "جوليان" و"كريس" استنزفا كل ذرة طاقة في عضلاتهما للبقاء ضمن دائرة ظلي. زمجرتُ بخفوت، زمجرةً تحمل مزيجاً من السلطة
وقفنا وجهاً لوجه في الحمام الفسيح، حيث كان بخارُ الماء الدافئ يلتفُّ حولنا كشرنقةٍ حريرية، مانحاً المكان طابعاً من الخصوصية. كنتُ أسبرُ أغوارها، أغوصُ في بحر عينيها بعمقٍ؛ لم نعد بحاجةٍ إلى نطقِ كلمةٍ واحدة، فقد أصبح الوسمُ جسراً غير مرئي تعبرُ عليه الأرواح دون استئذان. كنا نشعرُ ببعضنا البعض،






RebyuMore