Compartilhar

الفصل 9

Autor: Elira Moon
last update Última atualização: 2026-02-12 10:07:59

لم ينم صهيب ليلته تلك؛ فكلمات بدر الشافعي عن "القصائد" و"الذكريات" كانت تتردد في أذنيه كطنينِ النحل المزعج. كان يراقب سيليا من خلال الباب الموارب لجناحها، يراها وهي تمشط شعرها ببطء، غارقة في تفكيرٍ عميق، فتأكله الظنون. هل تفكر في ذلك "البدر"؟ هل تقارن بين جفائه هو وبين رقة ذاك القادم من وراء البحار؟

في الصباح، كان القصر على موعدٍ مع مفاجأة لم يحسب لها صهيب حساباً. عند بوابة القصر، وقفت شاحنة صغيرة محملة بزهور "الأوركيد" البيضاء النادرة، وهي الزهور التي تعشقها سيليا ولم يكلف صهيب نفسه يوماً ليسألها عنها.

خرج صهيب للحديقة بوجهٍ متجهم، ليجد سيليا تقف أمام باقةٍ عملاقة يتوسطها كرتٌ صغير. وقبل أن تمد يدها لتأخذه، اختطفه هو بعنف، وفتحه ليقرأ بصوتٍ يملؤه السخط:

— "إلى الملهمة التي لم يغيرها الزمان.. زهور الأوركيد تذبل أمام جمال حضوركِ. بانتظار فنجان قهوة لنستعيد ما ضاع منا. بدر الشافعي."

مزق صهيب الكرت إلى قطعٍ مجهرية ونثره في الهواء، ثم التفت إلى سيليا التي كانت تنظر إليه ببرودٍ أثار جنونه:

— "زهور؟ في بيتي؟ وتحت أنفي؟ هل يعتقد هذا الشافعي أنني رجلٌ بلا مخالب؟"

ردت سيليا وهي تمسح على أوراق الزهور برقة استفزت حواسه:

— "إنه ذوقٌ رفيع يا صهيب، أمرٌ تفتقر إليه في تعاملك معي. بدر لم ينسَ حتى نوع الزهور التي أحبها منذ كنتُ في السابعة عشرة. في حين أنك، وبعد سنتين من الزواج، لا تعرف حتى لون غرفتي المفضل."

اقترب صهيب منها، قبض على معصمها وجذبها إليه حتى التصقت بصدره، وقال بصوتٍ مكتوم من شدة الغيظ:

— "لا يهمني ما يحب وما يكره! هذه الزهور ستُلقى في القمامة الآن، وأنتِ ستدخلين للداخل. سيأتيكِ اليوم عرض عمل رسمي من شركتي بامتيازاتٍ جديدة، لن تخرجي من تحت عيني بعد اليوم، ولن تسمحي لهذا المعتوه بمخاطبتكِ مرة أخرى."

ضحكت سيليا بمرارة وهي تحاول التحرر من قبضته:

— "أنت لا تغار عليّ يا صهيب، أنت تغار على 'برستيجك'. تخاف أن يقال إن صهيب الجارحي فشل في الحفاظ على زوجته أمام رجلٍ أكثر رقياً منه. وبالمناسبة.. بدر عرض عليّ بالأمس أن أتولى إدارة قسم الاستشارات القانونية في مجموعته الجديدة، وهو عرضٌ أفكر فيه بجدية."

تجمدت الدماء في عروق صهيب، وبرقت عيناه بنظرةٍ لم تكن غضباً فحسب، بل كانت رعباً من فقدان السيطرة. دفعها برفق نحو الجدار وحاصرها بيديه:

— "تفكرين؟ في العمل لديه؟ هل جننتِ؟ قسماً بالله يا سيليا، لو خطت قدمكِ عتبة شركته، سأعلن زواجنا للعالم في نفس اللحظة، وسأقيم الدنيا ولا أقعدها. أنتِ زوجة صهيب الجارحي، ولن تكوني يوماً موظفة تحت إمرة عاشقٍ قديم!"

***********************

لم يتوقف الأمر عند الزهور؛ ففي تلك الظهيرة، وبينما كان صهيب في اجتماعٍ مغلق في شركته، بلغه أن بدر الشافعي قد وصل إلى مكتب الاستقبال، ليس لمقابلته هو، بل لمقابلة "السيدة سيليا" بخصوص "موضوع شخصي ومهني".

خرج صهيب من قاعة الاجتماعات كالإعصار، ليجد بدر يقف بوقار بجانب مكتب سيليا، وهو يميل نحوها هامساً بشيءٍ جعلها تبتسم خجلاً. لم يملك صهيب نفسه، اندفع نحوهما وصرخ بصوتٍ سمعه الموظفون:

— "سيد بدر! أعتقد أن حدود اللباقة قد تم تجاوزها هنا. مكاتب الجارحي ليست مكاناً لاستعادة ذكريات المراهقة."

التفت بدر بهدوء، واضعاً يده في جيبه ببرودٍ زاد من اشتعال صهيب:

— "سيد صهيب، العمل حقٌ مشروع، والبحث عن الكفاءات لا يعترف بالأوراق الرسمية. جئتُ لأسمع رد سيليا على عرضي، فهي ليست مجرد زوجة، بل هي عقلٌ قانوني فذّ أهملتَه أنت لتعاملها كسكرتيرة ترتب مواعيدك مع السيدة لينا."

كانت هذه الضربة القاضية. ضربةٌ في الصميم ذكرت صهيب بكل تقصيره. شعر برغبةٍ في لكم بدر، لكنه اكتفى بالوقوف بينه وبين سيليا كدرعٍ بشري:

— "سيليا لن تذهب لأي مكان. سيليا هي شريكة حياتي وشريكة هذا الصرح. وإن كنتَ تبحث عن كفاءات، فابحث عنها بعيداً عن حُرمة بيتي وعملي."

نظر بدر إلى سيليا وقال بنبرةٍ مليئة بالثقة:

— "القرار لها يا صهيب. سيليا.. بانتظاركِ في العشاء الليلة بمطعمنا المعتاد، لنناقش العقود.. وربما لنكمل تلك القصيدة التي لم تنتهِ."

رحل بدر، تاركاً خلفه دماراً نفسياً في قلب صهيب. التفت صهيب لسيليا، وكان وجهه شاحباً، وعيناه تحملان توسلاً غريباً مغلفاً بالكبرياء:

— "لن تذهبي يا سيليا.. أليس كذلك؟"

نظرت إليه سيليا طويلاً، رأت لأول مرة في عينيه خوفاً حقيقياً، ليس خوف التملك، بل خوف الفقد. لكن جرح السنتين كان لا يزال ينزف، فقالت ببرود:

— "سأذهب يا صهيب. ليس من أجل العمل فحسب، بل لأنني أحتاج أن أشعر بأنني 'امرأة' مرئية، امرأة تُطلب قصائدها، لا سكرتيرة تُطلب منها ملفات 'لينا القاضي'."

دخلت مكتبها وأغلقت الباب، تاركةً صهيب في ممر الشركة، يشعر لأول مرة بأن إمبراطوريته كلها لا تساوي شيئاً إذا غادرته تلك المرأة التي ظنها يوماً "تحصيل حاصل".

وفي تلك اللحظة، كان صهيب يدرك شيئاً واحداً: الغيرة التي تأكله ليست بسبب بدر، بل بسبب حقيقة أنه بدأ يحب سيليا، وبدأ يدرك أنه قد يفقدها قبل أن يمتلك قلبها فعلياً

Continue a ler este livro gratuitamente
Escaneie o código para baixar o App

Último capítulo

  • حين قابَلَها الصُهيب   الفصل 16

    ساد صمتٌ واجمٌ أطبق على أنفاس القصر، وكأن جدرانه العتيقة قد صُدمت بجرأة الكلمة التي ألقتها سيليا. ظل صهيب شاخصاً ببصره نحوها، وعيناه تضيقان كغابةٍ تشتعل في صمت، بينما كانت دقات قلبه تتسارع خلف قناع الجمود الذي يرتديه.خطا صهيب نحوها خطوةً واحدة، كانت ثقيلةً كوقع القدر، وانخفض صوته لدرجةٍ جعلت شعيرات جسدها تقشعر:— "الطلاق؟ أبلغَ بكِ الوهمُ هذا الحد يا سيليا؟ أتظنين أن الخروج من مملكني بيسيرٍ كخروجكِ من قاعة المناقصات؟"رفعت سيليا ذقنها بشموخٍ، ولم تتردد نبرتها وهي تجيبه:— "لم يعد وهماً يا صهيب، بل صار ضرورةً للبقاء. لقد استنفدتَ كل رصيدكِ من الصبر في قلبي، ولم يعد هناك ما يستحق القتال لأجله. غداً، ستبدأ الأوراق في الحديث عوضاً عن المشاعر التي وأدتَها ببرودك."ضحك صهيب ضحكةً مكتومة، تحمل مرارة الخيبة وقسوة الكبرياء، ثم اقترب منها حتى لم يعد يفصلهما سوى أنفاسهما المضطربة، وهمس بفحيحٍ يقطر وعيداً:— "أوراقكِ تلك ستمزقها الرياح قبل أن تصل إلى عتبة المحكمة. هل غاب عن ذهنكِ من هو صهيب الجارحي؟ أنا لا أُترك، ولا أُهجر، ولا يُملى عليّ قرارٌ لم أخطّه بيميني. إن كنتِ تظنين أن الشافعي سيحمي ظهر

  • حين قابَلَها الصُهيب   الفصل 15

    أطبقت سيليا جفونها لثانية واحدة، استجمعت فيها شتات قوتها ورممت ثباتها الانفعالي، ثم فتحت عينيها ببرود صقيعي، مقررةً تجاهل وجود صهيب تماماً وكأنه لم يكن حياً يُرزق في ذلك المدى. استمرت في مشاركة موظفيها أحاديثهم وضحكاتهم بنبرة واثقة، في حين كانت ترصد بطرف خفيّ ما تقترفه "لينا" من حماقات.تعمدت لينا الالتصاق بصهيب حتى انعدمت المسافة بينهما، ثم أخرجت هاتفها ودسّت رأسها على كتفه بدلالٍ مستفز لتلتقط صورة معه. لم يبدِ صهيب أي ممانعة، بل ظل ساكناً كتمثال رخامي، يشاركها اللحظة بجمودٍ تام وتملكٍ أثار لوعتها المكبوتة. ابتلعت سيليا غصتها، ولم تسمح لخلجة واحدة أن تظهر على وجهها، بل التفتت نحو بدر الذي مال نحو أذنها ليهمس لها بكلمة أثارت ضحكاتها، فابتسمت بخجلٍ مباغت زاد من اشتعال الأجواء خلف الطاولة المقابلة.بعد فترة، استأذنت سيليا للذهاب إلى "ردهة الزينة" لتعديل مظهرها. وما إن دلفت وأغلقت الباب حتى شعرت بحركة مباغتة خلفها؛ كان صهيب قد انسلّ وراءها، وبحركة خاطفة أدار القفل، وحشرها بين جسده الصلب ورخام الردهة البارد.سألها بجمودٍ يحمل نذير الخطر:— "ماذا كان يهمس في أذنكِ ذلك الشافعي؟ وما سر هذه ا

  • حين قابَلَها الصُهيب   الفصل 14

    أشرقت شمس اليوم التالي محملة بتوتر يسري في عروق المدينة. وقفت سيليا أمام مرآتها، مرتدية بدلة رسمية باللون الأبيض الناصع؛ ذلك اللون الذي يعكس النقاء والصلابة في آن واحد. لم تعد "زوجة الجارحي" المنزوية خلف المكاتب، بل "سيليا العمري" التي استردت هويتها المسلوبة.وصلت إلى مقر شركة بدر الشافعي، حيث كان الاستقبال مهيباً يليق بمقامها. كان بدر بانتظارها عند المدخل، والبشر يرتسم على محياه:— "اليوم هو يومكِ يا سيليا.. قاعة المناقصات بانتظار العقل المدبر الذي سيقلب موازين السوق."— "لن ننتظر طويلاً يا بدر، الملفات جاهزة، وخطتي القانونية لا تشوبها شائبة، ولن أترك ثغرة واحدة لخصمي ليتسلل منها."في قاعة المناقصات: صِراعُ الجبابرةدلفت سيليا وبدر إلى القاعة، ليفاجآ بمشهد صُمم بعناية فائقة لاستفزازها. من الباب المقابل، دخل صهيب بكامل هيبته الطاغية، ولم يكن وحده؛ كانت لينا تتأبط ذراعه بمنتهى الكبرياء والخيلاء، توزع نظرات الخبث يميناً ويساراً، وكأنها ترسل رسالة صامتة لسيليا: "لقد أخذتُ مكانكِ بجانبه، وأنتِ الآن مجرد خصم منبوذ".صهيب ببدلته السوداء المعتادة بدا ككتلة من الجليد الصخري، لكن عينيه كانتا ت

  • حين قابَلَها الصُهيب   الفصل 13

    دخلت سيليا إلى بهو القصر بخطوات متزنة، وصوت كعب حذائها يرتطم بالرخام في إيقاع هادئ ومنتظم، بينما ترجل صهيب من سيارته وأغلق الباب خلفه بقوة لم تخلُ من العصبية المكتومة. سار خلفها حتى دلفا إلى الداخل، حيث كانت أضواء القصر الخافتة تضفي صمتاً مهيباً على المكان.توقفت سيليا عند أول درجات السلم، والتفتت إليه بهدوء غريب، وكأن تلك العاصفة التي كانت تدور في السيارة قد تلاشت بمجرد عبورها عتبة الدار.— "ليلة سعيدة يا صهيب. شكراً على توصيلك."ضاقت عينا صهيب وهو يراقب برودها المستفز، فخطا نحوها عدة خطوات حتى صار يقف أمامها مباشرة، ونظر إليها مطولاً قبل أن يتحدث بصوت منخفض سكنت فيه كل انفعالاته الحادة.— "بهذه البساطة يا سيليا؟ تنهين الحديث بكلمة "ليلة سعيدة" وكأننا لم نكن منذ دقائق نتحدث عن حرب ستغير موازين عائلة الجارحي؟"سندت سيليا يدها على حافة الدرج الخشبي، ونظرت إليه بعينين يملؤهما الثبات.— "وماذا تريد مني أن أقول؟ لقد وضعتَ أنت القواعد يا صهيب.. قلت إننا خصوم في العمل، وأنا قبلت التحدي. أما هنا، في هذا البيت، فنحن مجرد شخصين يجمعهما سقف واحد واحترام لذكرى عائلة.. أليس هذا ما كنت تريده دائما

  • حين قابَلَها الصُهيب   الفصل 12

    مرت الأيام الأولى من الأسبوع الفاصل كأنها دهر. في قصر صهيب، صار الصمت هو اللغة الرسمية؛ سيليا تخرج في الصباح الباكر لتباشر مهامها في إمبراطورية "بدر الشافعي"، وتعود لتقبع في جناحها خلف أبواب مغلقة، وصهيب يراقبها من بعيد، تنهشه الغيرة المهنية والشخصية معاً. أما في الشركة، فكان صهيب يحاول رتق الشقوق التي خلفها رحيل سيليا. طلب مقابلة لينا في مكتبه، ليحل الخلاف الذي نشب بينهما منذ معرفتها بزواجه. دخلت لينا بخطوات واثقة، مرتديةً قناع الهدوء والرزانة، ولم تظهر أي عدائية، بل كانت "متصنعة" بامتياز. قال صهيب بصوت هادئ: — "لينا.. دعوتُكِ لنتحدث بعيداً عن ضغط العمل. أعلم أن زيارتكِ الأخيرة للقصر كانت صادمة، ولم أكن أريد أن تعرفي بأمر زواجي من سيليا بتلك الطريقة. أنتِ ركن أساسي في خططي القادمة، ولا أريد لخلافاتنا الشخصية أن تعطلنا." ابتسمت لينا ابتسامة رقيقة مصطنعة، وقالت بنبرة هادئة: — "صهيب، أنا لستُ طفلة. جُرحتُ لأنني اهتممتُ بك، لكنني أفصل جيداً بين مشاعري وبين العمل. سيليا اختارت أن تكون في المعسكر الآخر، وأنا اخترتُ أن أكون معك.. وهذا يكفيني الآن." لم يكد ينهي حديثه مع لينا حت

  • حين قابَلَها الصُهيب   الفصل 11

    انقضت ليلة "العشاء العاصف" وبقيت آثارها محفورة في زوايا قصر الجارحي. كان الصمت الذي ساد السيارة في طريق العودة أثقل من أي عتاب، وصهيب، الذي لم ينطق بحرف منذ تلك الصرخة المكتومة في السيارة، قضى ليله في مكتبه يراقب خيوط الفجر وهي تولد، وشعور غريب بالهزيمة ينهش كبرياءه. لم تكن هزيمة أمام "بدر"، بل كانت هزيمة أمام تلك النظرة التي رآها في عيني سيليا؛ نظرة لم تعد تخشاه.مع دقات الثامنة صباحاً، نزلت سيليا الدرج. لم تكن ترتدي ثياب المنزل، بل كانت في كامل أناقتها الرسمية، بدلة بلون "الكحلي الملكي" وحقيبة جلدية توحي بجدية من يقبض على زمام أمره. وجدت صهيب في ردهة القصر، كان يرتشف قهوته بآلية، وعيناه غائرتان.توقف صهيب عن الشرب، ونظر إليها بحدة:— "إلى أين يا سيليا؟ ظننتُ أننا أنهينا موضوع 'بدر' والعمل معه بالأمس. لن تخرجي من هذا الباب إلا للشركة معي، أو تبقين هنا حتى تستعيدي رصانتك."وضعت سيليا ملفاً جلدياً على الطاولة بجانبه، وقالت بصوت هادئ رخيم يقطر ثباتاً:— "صهيب.. بالأمس سألتني إن كنتُ أحبه، واليوم سأجيبك بفعلي لا بقولي. هذا الملف يحتوي على استقالتي الرسمية من مجموعة الجارحي. لم أعد موظفة

Mais capítulos
Explore e leia bons romances gratuitamente
Acesso gratuito a um vasto número de bons romances no app GoodNovel. Baixe os livros que você gosta e leia em qualquer lugar e a qualquer hora.
Leia livros gratuitamente no app
ESCANEIE O CÓDIGO PARA LER NO APP
DMCA.com Protection Status