INICIAR SESIÓNفي الصباح التالي، كان الصمت يلف ردهات الفندق الفخم في مدريد كأنه هدوء ما قبل العاصفة. في جناح ليلى، كانت اللمسات الأخيرة تُوضع على وثائق الصفقة الكبرى. جلس سُفيان أمام حاسوبه المحمول وعيناه تلاحقان الأرقام بدقة، بينما كانت ليلى تقف عند النافذة، تتأمل المدينة بنظرات شاردة، تحمل في طياتها تعباً لم تَمْحُه ساعات النوم القليلة. التفت سُفيان نحوها، وخفض شاشة حاسوبه قائلاً برفق: — ليلى، ما بكِ؟ لم تلمسي قهوتكِ بعد، والاجتماع النهائي بعد أقل من ساعة. التفتت ليلى وتنهدت تنهيدة ثقيلة، ثم جلست في المقعد المقابل له وقالت: — لستُ مطمئنة يا سُفيان. أشعر أن نبرة ريان بالأمس لم تكن مجرد تهديد عابر. هو لن يمرر توقيع اليوم بسلام. ابتسم سُفيان بثقة وهز رأسه نفياً: — ريان رجل أعمال في النهاية يا ليلى، ويعلم تماماً أن عائلة الجارحي ستخسر الملايين إن هو عرقل هذه الصفقة نكاية فيكِ أو فيّ. كوني مطمئنة، القانون يدعمنا، والبنود صيغت بأيدينا. ليلى بنبرة قلقة: — أنت لا تعرف ريان عندما يعميه الغضب يا سُفيان. إنه يرى الخسارة الشخصية أشد إيلاماً من الخسارة المالية. قاطع حوارهما طرقات حازمة على الباب. نهض
ترنحت خطوات ريان في ردهة الفندق الخافتة الإضاءة؛ كان جسده الضخم يميل يمنة ويسرة، وثيابه مبعثرة بفعل سُكْرٍ شديد غيّب عقله تماماً، بعد ليلة قضاها يجرع مرارة الخذلان في حانات مدريد. كان يهمس بكلمات غير مفهومة، تارة يضحك بهستيريا وتارة يضرب جدار الممر بقبضته حتى سال الدم من يده عبيطاً. لم تكن آسما قد نامت بعد؛ كانت تترقب الباب من غرفتها المجاورة، وما إن سمعت وقع خطواته المتخبطة حتى فتحت الباب واندفعت نحوه بلهفة وخوف. هتفت بخفوت وهي تسنده بكل ما أوتيت من قوة: — ريان! ما الذي فعلته بنفسك؟ أرجوك استند إليّ.. ريان! التفت إليها بعينين غائمتين تماماً، لا تكادان تتبينان تفاصيل وجهها، ونطق بنبرة ثقيلة ومبحوحة: — أفلتيني.. أنا لست بحاجة لأحد.. هي تركتني.. ذهبت معه.. قبلته يا آسما.. رأيتها بأم عيني! أجابت آسما وهي تحاول إدخاله إلى غرفته ودموعها تنهمر حرّى: — أعلم يا حبيبي، أعلم حجم وجعك.. أرجوك ادخل فقط، لا تدع أحداً يراك بهذا الوضع المزري. أدخلته الغرفة وأوصدت الباب بقدمها، فتحرك ريان بغريزة غائبة ورمى بجسده العريض فوق الفراش الوثير، وسحبها معه بغير وعي لتسقط فوق صدره العريض. حاولت آسما ال
مرت الدقائق ثقيلة على ريان وهو يقف خلف زجاج غرفته، يراقب الممر الخالي في الحديقة بعد أن غادرته ليلى بصحبة سُفيان. لم يتحمل البقاء محاصراً بين جدران الغرفة، فخرج يخطو بعشوائية في ردهات الفندق الفسيحة، وعقله يدور في حلقة مفرغة من الذهول والغضب. وفجأة، قطعت طريقه آسما التي كانت تبحث عنه، وعيناها تحملان نظرة لم يألفها فيها من قبل؛ نظرة خلت من برود سيدة الأعمال، وامتلأت بأسى حقيقي.وقفت أمامه وقالت بصوت خفيض: ريان، نحتاج إلى الحديث، أرجوك لا تدبر وجهك عني هذه المرة.نظر إليها بسخرية لاذعة وهتف: حديث؟ وعن ماذا نتحدث يا آسما؟ ألم تنتهِ كل الأحاديث بيننا؟آسما بنبرة متوسلة: لم تنتهِ، ولن تنتهي طالما أن الألم ما زال حياً في صدرك. أنا رأيت ما حدث في الحديقة منذ قليل. رأيت ليلى وسُفيان.تصلب جسد ريان، واشتعلت عيناه بغضب أعمى وهو يقترب منها خطوة: إياكِ وأن تنطقي باسمها على لسانكِ! ليلى لا شأن لكِ بها، وما رأيتِيه ليس إلا وهمًا.آسما بمرارة: ليس وهماً يا ريان، وأنت تعلم ذلك في قرارة نفسك. ليلى تداوي جرحها برجل آخر، وأنت تقف هنا لتصب غضبك عليّ لأنك عاجز عن مواجهتها.صرخ ريان بصوت مكتوم: أنا لست عاج
انفضت جلسة المفاوضات المعقدة بين الوفدين، وحملت ليلى ثقل الكلمات والأسرار التي انكشفت وسط العاصفة لتخرج بها إلى رحابة الطبيعة، بحثاً عن نسمة هواء باردة تطفئ اللهيب المشتعل في صدرها. توجهت بخطوات بطيئة ومتعبة نحو حديقة الفندق الخلفية، حيث كانت خيوط شمس مدريد الدافئة قد بدأت تخترق بقايا الغيوم، وتنشر بريقاً ساحراً فوق أوراق الشجر والممرات الطينية التي ما زالت تحتفظ بأثر المطر. لم تمر دقائق حتى لحق بها سُفيان القاضي كعادته، هادئاً كظلٍ حارس لا يمل الخطى، يحمل معطفها على ذراعه ويراقب خطوتها بنظرات مفعمة بالرعاية والاهتمام الشديد. وقف بجانبها تحت ظل شجرة معمرة ضخمة، وحرص على ألا يقطع حبل صمتها حتى التفتت هي إليه، ونظرت في عمق عينيه اللتين تنطقان بالصبر والاحتواء المطلق.نطقت ليلى بصوت خفيض ومرتعش، لكنه يحمل نبرة جديدة من الصدق والوضوح: سُفيان، أنا أعلم حجم النبل والشهامة التي تحيطني بها، وأعلم أنني البارحة فقط أخبرت ريان بأنني سأمنحنا فرصة حقيقية، لكنني أريد أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع هذه البداية. أنا لا أريد أن ننقاد وراء العواطف المتخبطة أو نندفع نحو ارتباط رسمي سريع يعميه العناد أو ال
ما إن انغلق باب الجناح خلف ريان، حتى تهاوت تلك القوة الزائفة التي تصنعتها ليلى. تراجعت خطواتها للوراء حتى اصطدم ظهرها بالنافذة الزجاجية الكبيرة، وراحت أنفاسها تتصاعد في هلعٍ مكتوم، كأن الأكسجين قد فُقد فجأة من أرجاء الغرفة. وضعت كفيها على وجهها، وانفجرت في بكاءٍ مرير، بكاءٍ طال احتباسه في صدرها لسنوات. لم تكن تبكي على ريان، بل كانت تبكي على حظها العاثر، تبكي على ذلك الحب الأسطوري الذي وُلد عملاقاً بين أسوار طفولتهما، ومات مشوهاً تحت أقدام الأسرار والخطايا التي لا ذنب لهما فيها.كانت دقات قلبها تتسارع بعنف، وجسدها يرتجف انكماشاً، عندما تلاها صوتُ طرقاتٍ خفيفة، هادئة، على الباب الخارجي. مسحت دموعها بسرعةٍ وعشوائية، وحاولت استجماع شتات نفسها قبل أن تأذن للقادم بالدخول. انفتح الباب ببطء، ليطل منه سُفيان القاضي. لم يكن يحمل في ملامحه ذلك الهياج الذي تركه ريان، بل كان وجهه أشبه بمرفأ أمانٍ دافئ وسط عاصفةٍ بحرية هوجاء.دلف سُفيان إلى الداخل، ولم يخطُ نحوها مباشرةً كي لا يشعرها باختراق مساحتها الخاصة، بل وقف على مسافةٍ محترمة، ورمقها بنظرةٍ تفيض بالحنان والشفقة الفائقة. لاحظ فوراً احمرار عيني
أثمرت كلمات ريان الحارقة عن صمتٍ طويل جمد الهواء داخل الجناح الفاخر. كان يتنفس بثقة رجلٍ ظن أن هدم جدار الأسرار س يمهد له الطريق فوراً ليعيد امتلاك قلب ليلى، وأن اعترافه بدمائه التي أُريقت على مذبح طموح آسما كافٍ ليمحو خطايا غيابه. اقترب خطوة أخرى، وعيناه تطالبانها بالاستسلام الكامل للهيب مشاعره. لكن ليلى فاجأته بما لم يكن في حسبانه. امتدت أصابعها الناعمة، لا لتتمسك بياقة قميصه، بل لتدفعه عنها برفقٍ صارم، حاسم، خلع عن وجهها كل معالم الشفقة والدموع الحارة التي ذرفتها منذ قليل. تراجعت خطوتين إلى الخلف، واستندت بكبريائها الشافعي المعهود، ونظرت إليه بعينين تشعان بمرارةٍ تفوق مرارة المطر والملح. نطقت ليلى، وصوتها يخرج رزيناً كحكم قاضٍ لا رجعة فيه: "أنت واهم يا ريان.. واهم إن كنت تظن أن انكشاف العقدة يعني بالضرورة عودة الخيوط للالتحام. أنا أتعاطف مع وجعك كإنسان، وأحتقر ما فعلته آسما بدمائك.. لكن هذا لا يغير من حقيقتنا شيئاً. لقد بنيتَ بيدك، وبعبثك، وبصمتك الطويل، ألف حاجزٍ وحاجز بيننا، حتى استقرت روحي على قناعة واحدة." عقد ريان حاجبيه بوجل، وبدأت ملامح الثقة تتلاشى عن وجهه تدريجياً: "ع