登入كان "كريم" يعتقد، بكثير من السذاجة، أن المشكلة الوحيدة في حياته هي صوت زوامير السيارات في شارع جامعة الدول العربية بالقاهرة، وأن رئتيه اللتين تشبعتا بدخان المصانع وعوادم "الميكروباصات" تستحقان فرصة أخيرة للاستنشاق قبل أن تتحولا إلى فحم حجري. كريم، مهندس البرمجيات الذي شحب لونه خلف شاشات الكمبيوتر، قرر في لحظة تجلي (أو ربما لحظة جنون ناتجة عن قلة النوم) أن يبيع كل شيء، أو بالأحرى أن يغلق شقته المستأجرة، ويستأجر بيتاً ريفياً طينياً في أقصى أطراف الريف، حيث الصمت الذي لا يقطعه إلا ثغاء الأغنام وزقزقة العصافير.
查看更多الجزء الأول: حقيبة واحدة وكثير من الأوهام
كان "كريم" يعتقد، بكثير من السذاجة، أن المشكلة الوحيدة في حياته هي صوت زوامير السيارات في شارع جامعة الدول العربية بالقاهرة، وأن رئتيه اللتين تشبعتا بدخان المصانع وعوادم "الميكروباصات" تستحقان فرصة أخيرة للاستنشاق قبل أن تتحولا إلى فحم حجري. كريم، مهندس البرمجيات الذي شحب لونه خلف شاشات الكمبيوتر، قرر في لحظة تجلي (أو ربما لحظة جنون ناتجة عن قلة النوم) أن يبيع كل شيء، أو بالأحرى أن يغلق شقته المستأجرة، ويستأجر بيتاً ريفياً طينياً في أقصى أطراف الريف، حيث الصمت الذي لا يقطعه إلا ثغاء الأغنام وزقزقة العصافير. حزم حقيبته بملابس قطنية "باهتة" ظناً منه أنها تناسب أجواء الزهد والهدوء، ووضع فيها كتاباً عن "التأمل العميق" وآخر عن "كيفية زراعة الطماطم العضوية". وصل إلى القرية في وقت الغروب، كانت الشمس تودع الأفق بلون برتقالي ساحر، والهواء يحمل رائحة البرسيم المندي بالندى. تنفس كريم بعمق وقال لنفسه بصوت مسموع: "أخيراً.. هنا سأجد نفسي، هنا سأكتب روايتي، هنا سأكون الفيلسوف الذي طالما تمنيت أن أكونه". لم يكن يعلم أن "نفسه" التي يبحث عنها، كانت على وشك أن تُختطف من قبل جارة لا تعرف معنى كلمة "خصوصية" أو "هدوء". البيت الذي استأجره كريم كان قديماً لكنه مرمم بذكاء، يحيط به سور من الشجيرات القصيرة، وبجانبه تماماً، يفصله عنه ممر ضيق لا يتجاوز المترين، يقع بيت "الحاج مرسي". ومن هذا البيت، خرجت هي. بينما كان كريم يحاول بصعوبة إدخال حقيبته الضخمة من الباب الخشبي الذي أصدر صريراً مزعجاً وكأنه يستغيث، سمع صوتاً أنثوياً حاداً ومرحاً خلفه: — "يا خبر أبيض! هو إحنا جالنا "خواجة" في البلد ولا إيه؟" التفت كريم بسرعة ليرى شابة في منتصف العشرينيات، ترتدي ثوباً ريفياً ملوناً بجرأة، وشعرها الأسود ينسدل من تحت منديل رأس "أويا" مشغول بعناية. كانت عيناها تلمعان بخبث فطري، وفي يدها طبق مغطى بقطعة قماش بيضاء. تجمد كريم في مكانه، وحاول استعادة وقاره المدني: "أهلاً.. أنا كريم، المستأجر الجديد لبيت الأستاذ عادل." ضحكت "نشوة" – وهو الاسم الذي سيتعلمه لاحقاً وسيرتبط في ذهنه بكل أنواع الفوضى – وقالت وهي تقترب منه لدرجة جعلته يتراجع خطوة للخلف: — "أهلاً يا أستاذ كريم.. أنا نشوة، جارتك الحيط في الحيط. والدي الحاج مرسي بعتني أقولك إنك نورتنا، وجبتلك معايا "فطير مشلتت" وعسل نحل من اللي يحبه قلبك.. بس شكلك كده "فار فرفور" مش هتقدر على الدسم ده!" كريم، الذي كان يتبع حمية غذائية صارمة في المدينة تعتمد على "السلطة الخضراء" و"السموثي"، نظر إلى الفطير الذي تفوح منه رائحة السمن البلدي وكأنه ينظر إلى قنبلة موقوتة. حاول الاعتذار بلباقة: "شكراً جداً يا آنسة نشوة، تعبتي نفسك، بس أنا الحقيقة..." قاطعته وهي تغمز له بعينها: "آنسة إيه بس؟ قول يا "نونو" زي ما الكل بيقولي. وبعدين إيه "التعب" ده؟ ده أنا ما صدقت لقيت حد غريب في البلد أتسلى عليه.. أقصد أرحب بيه. وبعدين يا بشمهندس، إنت وشك أصفر كده ليه؟ إنت كنت عايش في تلاجة؟" شعر كريم بالإحراج، فهذه الجرأة لم يعتد عليها في صالونات "الزمالك" الباردة. حاول أن ينهي المحادثة ليدخل مملكته الهادئة، لكن نشوة كانت قد وضعت قدمها بالفعل داخل عتبة الباب: — "يا عيني! البيت فاضي خالص.. إنت هتعيش كدة لوحدك؟ ده الليل هنا طويل، والديابة (الذئاب) بتعوي، والعفاريت بتطلع تلعب "استغماية" بعد نص الليل." ابتلع كريم ريقه بصعوبة، متسائلاً إن كان قد أخطأ في اختيار الموقع الجغرافي لرحلة سلامه النفسي. قال بتلعثم: "لا داعي للقلق، أنا أحب الوحدة، وهذا هو سبب مجيئي." رفعت نشوة حاجبها وقالت بابتسامة غامضة: "وحدة؟ مفيش حاجة اسمها وحدة وأنا موجودة يا كيمو. بكرة الصبح هتلاقيني عندك عشان أعلمك إزاي تولع الفرن الطين، عشان "الرفاهية" اللي في إيدك دي مش هتنفعك هنا." خرجت نشوة وهي تتمايل بخفة، تاركة خلفها رائحة عطر قوية ممزوجة برائحة الخبز الطازج، وترك كريم واقفاً في الصالة المظلمة، ممسكاً بطبق الفطير، وهو يشعر لأول مرة أن "صخب المدينة" ربما كان أرحم بكثير من "سكون الريف" الذي يبدو أنه سيأتي مع جارة لا تعرف المستحيل. نظر كريم إلى جدران بيته الجديد، وتنهد بعمق. لقد جاء يبحث عن الهدوء، لكن يبدو أنه وجد "العاصفة" في صورة فتاة ريفية شقية قررت أن تجعل من "إغوائه" وتغيير نمط حياته مشروعها القومي لهذا الموسم.الجزء الثالث والثلاثون بعد المائة: موسم تحميش وتخزين "الفول البلدي العريض ودرس الكمونية والعدس المنسوب".. وقنبلة الدش!مع اشتداد نسيم الليل الشتوي البارد وسطوع الفوانيس فوق عروق الدوار، أعلنت نشوة عن انطلاق طقس من أهم طقوس المونة الفلاحية الصلبة: موسم "غربلة وتحميش الفول البلدي العريض، ودشّ العدس الأصفر، وتنقية حبات الكمونية الفلاحية" استعداداً لموسم التدميس الشتوي العتيق.فُرشت الساحة بأغطية الخيش العريضة، ورُصت عليها أطباق الخوص المجدولة، وبجانبها قدر كبير نحاسي لتجفيف وتدفئة حبات الفول فوق جمر الكانون الخفيف، وأوانٍ تضم الملح الخشن والكمون العريض لمقاومة الرطوبة وتأمين الحبوب طوال الشتاء.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً دافئاً بلون أخضر زيتي مطرز بالخيوط الصفراء والبرتقالية، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بدلال يسرق القلوب، وشمرت عن ساعديها لتبدأ غربلة الفول البلدي بحركات يدوية متناغمة تشبه الرقص الريفي الأصيل. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً بالمصفاة الخشبية وجرار الفخار الكبيرة، ونظارته الطبية تعكس بريق الجمر، فقالت له بصوت يفيض بالشقاوة والدلال الريفي:— "تعال هنا يا بش
الجزء الثاني والثلاثون بعد المائة: موسم تجفيف وتصويم "الفلفل الأحمر الشطة ودرس الملح والكمون البلدي".. وقنبلة الشطة!مع زوال حرارة الظهيرة واعتدال هواء المساء الفلاحي، أعلنت نشوة عن انطلاق واحد من أكثر طقوس المونة حماساً وإثارة: موسم "تجفيف ودق الشطة الحمراء البلدي ونخل الملح والكمون العريض" لتحضير توابل الدوار للسنة الجديدة.فُرشت الساحة بقطع الخيش النظيفة، وتلألأت عليها أكوام الفلفل الأحمر القاني شديد الجفاف، إلى جانب أوانٍ نحاسية تضم حبيبات الكمون البلدي العطرة، والملح الرشيدي الخشن، وجرون الحجر العتيقة مع يدان الهاون الثقيلة.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً بلون أصفر شتوي مطرز بخيوط حمرة الرمان، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بدلال يسرق القلوب، وشمرت عن ساعديها لتبدأ نخل الكمون ودق قرون الشطة داخل الجرن الحجري بدقة وتأنٍّ. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً بالمناخل وجرن الحجر الصغير، ونظارته الطبية تعكس بريق الشمس، فقالت له بصوت يفيض بالشقاوة والدلال الريفي:— "تعال هنا يا بشمهندس الدق والسيستم المشطشط صح! درس الشطة والكمون البلدي ده هو أصل (الـ Fine Grinding & Aroma Retent
الجزء الواحد والثلاثون بعد المائة: موسم تجفيف وتقميع "الثوم البلدي الأحمر وعقد عناقيد البصل الشتي".. وريحة الخزين الساحرة!مع أنسام الأصيل الدافئة وتصاعد حفيف أوراق الزيتون في ساحة الدوار، أعلنت نشوة عن انطلاق واحد من أهم وأعرق طقوس "المونة العتيقة" التي تحمي الدار وتضمن بركتها طوال العام: موسم "تجفيف الثوم البلدي الأحمر الروسي، وتقليم وتقميع عروش البصل الشتي الذهبي، وعقد العناقيد الشريفة" لتعليقها في مناشر وسقائف الدوار.فُرشت الساحة بأربطة من الصوف والخيش الدافئ، ورُصت عليها أطنان من رؤوس الثوم البلدي ذي اللون الأرجواني الزاهي والشديد الصلابة، إلى جانب أكوام البصل الشتي المتوهجة بالقشرة الذهبية، وبجانبها مقصات التقليم العتيقة والحبال المجدولة من ليف النخيل الصافي.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً دافئاً بلون برتقالي محروق مطرز بالخيوط النيلية والذهبية، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بدلال يسرق القلوب، وشمرت عن ساعديها لتبدأ ضفر عروش الثوم مع حبال الليف بحركات يد سريعة ومتقنة تشبه ضفر شعر الجدايل. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً بمقصات التقليم وحبال القنب، ونظارته الطبية تعكس
الجزء الثلاثون بعد المائة: موسم صهر وتجميع "عسل النحل الجبلي وشمع الجبح الفلاحي".. وريحة أزهار الموالح!مع نسيم الصباح العليل وتفتح نوار أزهار الموالح والبرسيم الشتي، أعلنت نشوة عن انطلاق واحد من أنقى وأبهى طقوس الخزين في الدوار: موسم "جني وتصفية عسل النحل البلدي الجبلي واستخلاص شمع الجباح العتيقة" لتعبئته في المرطبانات الزجاجية وتخزينه لمونة الشتاء.فُرشت الساحة بأغطية قماشية ناصعة البضاضة، ورُصت عليها أقراص الشمع الذهبية المليئة بشهد العسل الصافي، وبجانبها أوانٍ نحاسية متوهجة، ومصافٍ حريرية دقيقة نُسجت خصيصاً لتصفية العسل وخلعه عن الشمع دون أن تفقد قطرة واحدة من قيمته الغذائية ونكهته العطرة.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً دافئاً بلون أصفر خردلي زاهٍ مطرز بالورود البيضاء، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بطريقة تفيض بالجمال والشقاوة الفلاحية، وشمرت عن ساعديها لتبدأ تقطيع أقراص الشمع بحرص ونعومة فوق المصافي النحاسية. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً ببرطمانات التخزين ومكبس الشمع اليدوي، ونظارته الطبية تتلألأ تحت أشعة الشمس الدافئة، فقالت له بصوت يملأه الدلال والأنوثة الريفية:
الجزء الخامس: ليلة الشموع.. والاعترافات المتقطعةلم تكن "العاصفة" التي تنبأت بها الأرصاد الجوية عادية؛ فقد بدأت السماء تزمجر برعود قوية هزت جدران البيت الطيني، وسرعان ما انهمر المطر بغزارة كأن السماء تفتح أبوابها. وكما هو متوقع في القرى البعيدة، استسلم التيار الكهربائي سريعاً للرياح، وغرق البيت في
الجزء الرابع: السقوط العظيم.. وقبلة الحياة "الزائفة"لم ينم كريم ليلته جيداً؛ فرائحة "المش" كانت تلاحقه في أحلامه، وصوت ضحكات نشوة كان يتردد في أذنيه كأنه موسيقى تصويرية لفيلم لم يختر بطولته. في الصباح، استيقظ وهو يشعر بخشونة في يديه وألم في عضلاته، لكنه شعر بشيء من الفخر وهو ينظر إلى رغيف الخبز "
الجزء الثالث: معركة الفرن.. وقبلة الرمادبعد إفطار "المش" الأسطوري، شعر كريم بطاقة غريبة تسري في جسده، طاقة لم تمنحها له كل مشروبات البروتين التي كان يتناولها في "الجيم". نظر إلى نشوة وقال بنبرة حاول أن يجعلها واثقة:— "اسمعي يا نشوة، أنا لست مجرد "مهندس فرفور" كما تظنين. أنا رجل يحب التحدي، وإذا
الجزء الثاني من رواية "الهروب إلى الفخ.. يوميات عازب في البادية". في هذا الجزء، يبدأ "كريم" أول صباح له محاولاً تطبيق طقوس "اليوجا" والسكينة، لكن "نشوة" لديها خطط أخرى تماماً تتضمن كائناً ضخماً بقرون! لكن وقبل دلك ارجو ان تدعمو القناة وشكرا لكم على المتابعة، دعمكم هو ما يشجعني على الاستمرار فشكرا





