الهروب إلى الفخ.. يوميات عازب في البادية

الهروب إلى الفخ.. يوميات عازب في البادية

last updateLast Updated : 2026-05-14
By:  SamUpdated just now
Language: Arab
goodnovel12goodnovel
Not enough ratings
10Chapters
0views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

كان "كريم" يعتقد، بكثير من السذاجة، أن المشكلة الوحيدة في حياته هي صوت زوامير السيارات في شارع جامعة الدول العربية بالقاهرة، وأن رئتيه اللتين تشبعتا بدخان المصانع وعوادم "الميكروباصات" تستحقان فرصة أخيرة للاستنشاق قبل أن تتحولا إلى فحم حجري. كريم، مهندس البرمجيات الذي شحب لونه خلف شاشات الكمبيوتر، قرر في لحظة تجلي (أو ربما لحظة جنون ناتجة عن قلة النوم) أن يبيع كل شيء، أو بالأحرى أن يغلق شقته المستأجرة، ويستأجر بيتاً ريفياً طينياً في أقصى أطراف الريف، حيث الصمت الذي لا يقطعه إلا ثغاء الأغنام وزقزقة العصافير.

View More

Chapter 1

الجزء الأول: حقيبة واحدة وكثير من الأوهام

الجزء الأول: حقيبة واحدة وكثير من الأوهام

​كان "كريم" يعتقد، بكثير من السذاجة، أن المشكلة الوحيدة في حياته هي صوت زوامير السيارات في شارع جامعة الدول العربية بالقاهرة، وأن رئتيه اللتين تشبعتا بدخان المصانع وعوادم "الميكروباصات" تستحقان فرصة أخيرة للاستنشاق قبل أن تتحولا إلى فحم حجري. كريم، مهندس البرمجيات الذي شحب لونه خلف شاشات الكمبيوتر، قرر في لحظة تجلي (أو ربما لحظة جنون ناتجة عن قلة النوم) أن يبيع كل شيء، أو بالأحرى أن يغلق شقته المستأجرة، ويستأجر بيتاً ريفياً طينياً في أقصى أطراف الريف، حيث الصمت الذي لا يقطعه إلا ثغاء الأغنام وزقزقة العصافير.

​حزم حقيبته بملابس قطنية "باهتة" ظناً منه أنها تناسب أجواء الزهد والهدوء، ووضع فيها كتاباً عن "التأمل العميق" وآخر عن "كيفية زراعة الطماطم العضوية". وصل إلى القرية في وقت الغروب، كانت الشمس تودع الأفق بلون برتقالي ساحر، والهواء يحمل رائحة البرسيم المندي بالندى. تنفس كريم بعمق وقال لنفسه بصوت مسموع: "أخيراً.. هنا سأجد نفسي، هنا سأكتب روايتي، هنا سأكون الفيلسوف الذي طالما تمنيت أن أكونه".

​لم يكن يعلم أن "نفسه" التي يبحث عنها، كانت على وشك أن تُختطف من قبل جارة لا تعرف معنى كلمة "خصوصية" أو "هدوء".

​البيت الذي استأجره كريم كان قديماً لكنه مرمم بذكاء، يحيط به سور من الشجيرات القصيرة، وبجانبه تماماً، يفصله عنه ممر ضيق لا يتجاوز المترين، يقع بيت "الحاج مرسي". ومن هذا البيت، خرجت هي.

​بينما كان كريم يحاول بصعوبة إدخال حقيبته الضخمة من الباب الخشبي الذي أصدر صريراً مزعجاً وكأنه يستغيث، سمع صوتاً أنثوياً حاداً ومرحاً خلفه:

— "يا خبر أبيض! هو إحنا جالنا "خواجة" في البلد ولا إيه؟"

​التفت كريم بسرعة ليرى شابة في منتصف العشرينيات، ترتدي ثوباً ريفياً ملوناً بجرأة، وشعرها الأسود ينسدل من تحت منديل رأس "أويا" مشغول بعناية. كانت عيناها تلمعان بخبث فطري، وفي يدها طبق مغطى بقطعة قماش بيضاء.

​تجمد كريم في مكانه، وحاول استعادة وقاره المدني: "أهلاً.. أنا كريم، المستأجر الجديد لبيت الأستاذ عادل."

​ضحكت "نشوة" – وهو الاسم الذي سيتعلمه لاحقاً وسيرتبط في ذهنه بكل أنواع الفوضى – وقالت وهي تقترب منه لدرجة جعلته يتراجع خطوة للخلف:

— "أهلاً يا أستاذ كريم.. أنا نشوة، جارتك الحيط في الحيط. والدي الحاج مرسي بعتني أقولك إنك نورتنا، وجبتلك معايا "فطير مشلتت" وعسل نحل من اللي يحبه قلبك.. بس شكلك كده "فار فرفور" مش هتقدر على الدسم ده!"

​كريم، الذي كان يتبع حمية غذائية صارمة في المدينة تعتمد على "السلطة الخضراء" و"السموثي"، نظر إلى الفطير الذي تفوح منه رائحة السمن البلدي وكأنه ينظر إلى قنبلة موقوتة. حاول الاعتذار بلباقة: "شكراً جداً يا آنسة نشوة، تعبتي نفسك، بس أنا الحقيقة..."

​قاطعته وهي تغمز له بعينها: "آنسة إيه بس؟ قول يا "نونو" زي ما الكل بيقولي. وبعدين إيه "التعب" ده؟ ده أنا ما صدقت لقيت حد غريب في البلد أتسلى عليه.. أقصد أرحب بيه. وبعدين يا بشمهندس، إنت وشك أصفر كده ليه؟ إنت كنت عايش في تلاجة؟"

​شعر كريم بالإحراج، فهذه الجرأة لم يعتد عليها في صالونات "الزمالك" الباردة. حاول أن ينهي المحادثة ليدخل مملكته الهادئة، لكن نشوة كانت قد وضعت قدمها بالفعل داخل عتبة الباب:

— "يا عيني! البيت فاضي خالص.. إنت هتعيش كدة لوحدك؟ ده الليل هنا طويل، والديابة (الذئاب) بتعوي، والعفاريت بتطلع تلعب "استغماية" بعد نص الليل."

​ابتلع كريم ريقه بصعوبة، متسائلاً إن كان قد أخطأ في اختيار الموقع الجغرافي لرحلة سلامه النفسي. قال بتلعثم: "لا داعي للقلق، أنا أحب الوحدة، وهذا هو سبب مجيئي."

​رفعت نشوة حاجبها وقالت بابتسامة غامضة: "وحدة؟ مفيش حاجة اسمها وحدة وأنا موجودة يا كيمو. بكرة الصبح هتلاقيني عندك عشان أعلمك إزاي تولع الفرن الطين، عشان "الرفاهية" اللي في إيدك دي مش هتنفعك هنا."

​خرجت نشوة وهي تتمايل بخفة، تاركة خلفها رائحة عطر قوية ممزوجة برائحة الخبز الطازج، وترك كريم واقفاً في الصالة المظلمة، ممسكاً بطبق الفطير، وهو يشعر لأول مرة أن "صخب المدينة" ربما كان أرحم بكثير من "سكون الريف" الذي يبدو أنه سيأتي مع جارة لا تعرف المستحيل.

​نظر كريم إلى جدران بيته الجديد، وتنهد بعمق. لقد جاء يبحث عن الهدوء، لكن يبدو أنه وجد "العاصفة" في صورة فتاة ريفية شقية قررت أن تجعل من "إغوائه" وتغيير نمط حياته مشروعها القومي لهذا الموسم.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
10 Chapters
الجزء الأول: حقيبة واحدة وكثير من الأوهام
الجزء الأول: حقيبة واحدة وكثير من الأوهام​كان "كريم" يعتقد، بكثير من السذاجة، أن المشكلة الوحيدة في حياته هي صوت زوامير السيارات في شارع جامعة الدول العربية بالقاهرة، وأن رئتيه اللتين تشبعتا بدخان المصانع وعوادم "الميكروباصات" تستحقان فرصة أخيرة للاستنشاق قبل أن تتحولا إلى فحم حجري. كريم، مهندس البرمجيات الذي شحب لونه خلف شاشات الكمبيوتر، قرر في لحظة تجلي (أو ربما لحظة جنون ناتجة عن قلة النوم) أن يبيع كل شيء، أو بالأحرى أن يغلق شقته المستأجرة، ويستأجر بيتاً ريفياً طينياً في أقصى أطراف الريف، حيث الصمت الذي لا يقطعه إلا ثغاء الأغنام وزقزقة العصافير.​حزم حقيبته بملابس قطنية "باهتة" ظناً منه أنها تناسب أجواء الزهد والهدوء، ووضع فيها كتاباً عن "التأمل العميق" وآخر عن "كيفية زراعة الطماطم العضوية". وصل إلى القرية في وقت الغروب، كانت الشمس تودع الأفق بلون برتقالي ساحر، والهواء يحمل رائحة البرسيم المندي بالندى. تنفس كريم بعمق وقال لنفسه بصوت مسموع: "أخيراً.. هنا سأجد نفسي، هنا سأكتب روايتي، هنا سأكون الفيلسوف الذي طالما تمنيت أن أكونه".​لم يكن يعلم أن "نفسه" التي يبحث عنها، كانت على وشك أ
last updateLast Updated : 2026-05-13
Read more
الجزء الثاني: يوجا البرسيم.. والزائرة ذات القرون
الجزء الثاني من رواية "الهروب إلى الفخ.. يوميات عازب في البادية". في هذا الجزء، يبدأ "كريم" أول صباح له محاولاً تطبيق طقوس "اليوجا" والسكينة، لكن "نشوة" لديها خطط أخرى تماماً تتضمن كائناً ضخماً بقرون! لكن وقبل دلك ارجو ان تدعمو القناة وشكرا لكم على المتابعة، دعمكم هو ما يشجعني على الاستمرار فشكرا لكم من القلب. ​الجزء الثاني: يوجا البرسيم.. والزائرة ذات القرون ​استيقظ كريم في تمام الساعة السادسة صباحاً، ليس بسبب منبه هاتفه الذكي الذي ضبطه على نغمة "صوت المحيط"، بل بسبب ديك انتحاري قرر أن يمارس هواية الصراخ تحت نافذة غرفته مباشرة. فرك كريم عينيه وهو يشعر بآلام في ظهره جراء النوم على سرير خشبي قديم، لكنه تمتم لنفسه بإصرار: "لا بأس، هذا هو سحر الريف، التواصل مع الطبيعة يبدأ بخشونة الأرض". ​ارتدى كريم ملابس الرياضة الضيقة (Leggings) التي اشتراها من أشهر الماركات العالمية، وخرج إلى باحة البيت الصغيرة المرصوفة بالحصى. فرش سجادته المطاطية، وجلس في وضعية "اللوتس"، وأغمض عينيه محاولاً استحضار طاقة الكون. تنفس بعمق: "شهيق.. زفير.. أنا الآن جزء من الطبيعة.. أنا والكون واحد..". ​لكن "الكون" ق
last updateLast Updated : 2026-05-14
Read more
الجزء الثالث: معركة الفرن.. وقبلة الرماد
الجزء الثالث: معركة الفرن.. وقبلة الرماد​بعد إفطار "المش" الأسطوري، شعر كريم بطاقة غريبة تسري في جسده، طاقة لم تمنحها له كل مشروبات البروتين التي كان يتناولها في "الجيم". نظر إلى نشوة وقال بنبرة حاول أن يجعلها واثقة:— "اسمعي يا نشوة، أنا لست مجرد "مهندس فرفور" كما تظنين. أنا رجل يحب التحدي، وإذا كنتِ تعتقدين أن الحياة هنا ستغلبني، فأنتِ واهمة. أنا أريد أن أعتمد على نفسي تماماً. سأقوم بتشغيل هذا الفرن الطيني الموجود في الحديقة الخلفية، وسأصنع خبزي بنفسي!"​انفجرت نشوة بالضحك حتى كادت تسقط على قفاها، وقالت وهي تلوح بمنديلها:— "تولع الفرن؟ ده الفرن ده له "دلع" معين يا كيمو. لو معرقتش قدامه وشميت ريحته مش هيديك عيش. وبعدين ده محتاج "حطب" و"قش"، وإنت إيدك ناعمة زي الحرير، خايف تتجرح ونقعد نعيط جنبها."​استفزت كلماتها كرامته "المدنية"، فنهض بحماس وقال: "سترين!".​توجه كريم إلى كومة من الحطب الجاف خلف البيت، وبدأ يحمل الأخشاب بذراعيه اللتين اعتادتا فقط على حمل "اللابتوب". كانت نشوة تراقبه وهي مستندة إلى جذع شجرة جميز، تقضم ثمرة تفاح صغيرة وتنظر إليه بنظرات تجمع بين السخرية والإعجاب المستت
last updateLast Updated : 2026-05-14
Read more
الجزء الرابع: السقوط العظيم.. وقبلة الحياة "الزائفة"
الجزء الرابع: السقوط العظيم.. وقبلة الحياة "الزائفة"​لم ينم كريم ليلته جيداً؛ فرائحة "المش" كانت تلاحقه في أحلامه، وصوت ضحكات نشوة كان يتردد في أذنيه كأنه موسيقى تصويرية لفيلم لم يختر بطولته. في الصباح، استيقظ وهو يشعر بخشونة في يديه وألم في عضلاته، لكنه شعر بشيء من الفخر وهو ينظر إلى رغيف الخبز "المحروق" الذي صنعه بالأمس.​خرج إلى الموعد عند "الساقية" القديمة، وهي بقعة ساحرة حيث تجري المياه في قنوات صغيرة محاطة بأشجار النخيل الكثيفة. كان يرتدي شورت "برمودا" ونظارات شمسية باهظة الثمن، ويحمل صنارة صيد احترافية كان قد اشتراها من متجر في "الزمالك" ولم يستخدمها قط.​كانت نشوة بانتظاره، تجلس على حافة الساقية الخشبية، تدلي قدميها في الماء وتغني أغنية ريفية قديمة عن "الجمال والدلال". عندما رأته بصنارته، كادت تسقط في الماء من الضحك.​— "إيه ده يا كيمو؟ إنت جاي تصطاد سمك قرش في الترعة؟ وإيه "النظارة" دي؟ إنت شايفنا مش عاجبينك ولا إيه؟"​حاول كريم الحفاظ على هدوئه: "هذه صنارة كربونية متطورة يا نشوة، تكتشف حركة السمكة بالاهتزازات. والسمك هنا يحتاج لهدوء وتقنية."​قفزت نشوة واقفة وقالت بتحدٍ: "ت
last updateLast Updated : 2026-05-14
Read more
الجزء الخامس: ليلة الشموع.. والاعترافات المتقطعة
الجزء الخامس: ليلة الشموع.. والاعترافات المتقطعة​لم تكن "العاصفة" التي تنبأت بها الأرصاد الجوية عادية؛ فقد بدأت السماء تزمجر برعود قوية هزت جدران البيت الطيني، وسرعان ما انهمر المطر بغزارة كأن السماء تفتح أبوابها. وكما هو متوقع في القرى البعيدة، استسلم التيار الكهربائي سريعاً للرياح، وغرق البيت في ظلام دامس.​كان كريم يجلس في صالته الصغيرة، يحاول إشعال شمعة بيده المرتجفة، وهو يشعر بالوحدة والوحشة. لكن، وكالعادة، لم يطل صمته طويلاً. سمع طرقاً عنيفاً على الباب، وصوتاً يعرفه جيداً ينادي وسط صفير الريح:— "افتح يا كيمو! افتح السيل هيغرقني!"​هرع كريم وفتح الباب، لتدخل نشوة وهي ترتجف، مبللة من رأسها حتى أخمص قدميها، وتحمل في يدها فانوساً قديماً يصارع للبقاء مشتعلاً.​— "يا ساتر! إيه الجو ده؟ البيت عندنا السطح بتاعه بدأ "ينشع" مية، والكهرباء قطعت، قلت آجي أشوفك.. خفت تكون "اتكهربت" ولا العفاريت أكلتك في الضلمة."​أسرع كريم بإحضار منشفة جافة ووضعها على كتفيها، وقال بقلق حقيقي: "أنتِ مجنونة يا نشوة! كيف خرجتِ في هذا الجو؟ كان من الممكن أن يصيبك مكروه."​نظرت إليه نشوة تحت ضوء الشمعة الضعيف،
last updateLast Updated : 2026-05-14
Read more
الجزء السادس: "فيراري" الغيط.. وسباق الكرامة الضائعة
الجزء السادس: "فيراري" الغيط.. وسباق الكرامة الضائعة​طلع الصباح برائحة الأرض المبللة، وكان كريم قد بدأ يستوعب أن قوانين "الأتيكيت" لا مكان لها هنا. كان يجلس أمام باب بيته، يحاول تنظيف حذائه الرياضي من طين ليلة أمس، حين سمع وقع حوافر تقترب بصوت منتظم، وصوتاً مألوفاً يصيح:— "وسع.. وسع للسكة! الوحش الألماني وصل يا بشمهندس!"​رفع كريم رأسه ليجد "نشوة" تمتطي حماراً رمادياً نحيفاً، لكنه يبدو سريعاً، وتقود خلفها حماراً آخر ضخماً، أبيض اللون، يتدلى منه سرج مزركش بالخيوط الملونة. كانت ترتدي جلباباً بسيطاً وابتسامتها العريضة توحي بأنها "طبخت" مقلباً جديداً.​— "إيه ده يا نشوة؟" سأل كريم بريبة وهو يتراجع للخلف.​قالت نشوة وهي تقفز من فوق حمارها بخفة بهلوانية:— "ده "برق".. أسرع وسيلة مواصلات في المركز كله. وده "بونبون"، حمار هادي ولطيف، جبتهولك مخصوص عشان نروح مشوار لآخر الغيط. مش إنت عايز تشوف "سعة البادية"؟ البادية مابتتشافش بالرجلين يا حيلتها، البادية عايزة قلب راكب!"​كريم، الذي كانت كرامته لا تزال تنزف من حادثة الساقية، قال بنبرة استعلاء مصطنعة: "أنا كنت أقود سيارات بمحركات (V8) في طريق ا
last updateLast Updated : 2026-05-14
Read more
الجزء السابع: وليمة "الحاجة".. وفنون الإغواء بالبط
الجزء السابع: وليمة "الحاجة".. وفنون الإغواء بالبط​كان بيت "الحاج مرسي" تفوح منه روائح تدوخ الرأس؛ رائحة تقلية البصل، مع زفر الطيور، ورائحة الخبز الذي خرج للتو من الفرن. دخل كريم وهو يحاول هندمة قميصه الذي نجا بأعجوبة من سباق الحمير، وشعر برهبة لم يشعر بها يوم مناقشة مشروع تخرجه.​في وسط الغرفة الكبيرة، وُضعت "طبلية" خشبية مستديرة، تتربع فوقها صواني لا يُرى آخرها. جلس الحاج مرسي بوقاره الريفي، ورحب بكريم بحرارة كادت تكسر عظام كتفه من قوة "الترحاب".​— "نورتنا يا بشمهندس.. يا مرحب بيك في وسط أهلك. نشوة حكتلي عن بطولاتك فوق "بونبون"، وقالت إنك فارس بس ناقصك شوية تمرين!" قالها الحاج مرسي وهو يضحك ضحكة هزت أرجاء الغرفة.​نظر كريم إلى نشوة التي كانت تجلس بجانبه، وكانت ترتدي ثوباً نظيفاً مطرزاً بالخيوط الذهبية، وعيناها تلمعان بخبث وهي تهمس له:— "كل يا كيمو.. النهاردة مفيش "شوكة وسكينة". النهاردة فيه "الخمسة يشتغلوا" (تقصد أصابع اليد)، والبطة دي مستنية حد "راجل" يخلص عليها."​وضع "الحاج مرسي" أمام كريم ورك بطة ضخم، يقطر سمناً، وطلب منه أن يبدأ. حاول كريم أن يستخدم ملعقة صغيرة، لكن نشوة خطف
last updateLast Updated : 2026-05-14
Read more
الجزء الثامن: أسرار السطوح.. والكمين الرومانسي
الجزء الثامن: أسرار السطوح.. والكمين الرومانسي​كان الليل في البادية يمتلك لوناً أسوداً مخملياً لا تراه في المدن؛ حيث النجوم تبدو قريبة لدرجة أنك تظن أن بإمكانك قطفها كحبات العنب. صعد كريم سلم بيته الطيني بحذر، قلبه يدق كطبلة بلدية، متسائلاً عن "السر" الذي وعدته به نشوة.​عندما وصل إلى السطح، وجدها قد أعدت "جلسة" تفوق خياله المدني؛ سجاد يدوي قديم (كليم)، وسائد محشوة بقطن القرية، وفي الركن "راكية" نار صغيرة يغلي فوقها إبريق شاي أسود، وينبعث منها عطر حطب الأثل والبرتقال.​كانت نشوة تجلس متربعة، تنظر إلى الأفق، وقد بدت في ضوء القمر وكأنها لوحة مرسومة بالزيت. التفتت إليه وابتسمت ابتسامة هادئة، خالية من سخريتها المعتادة لأول مرة.​— "تأخرت ليه يا سي المهندس؟ خفت من العفاريت ولا خفت مني؟" قالتها بصوت ناعم يشبه وشوشة الريح في سعف النخيل.​جلس كريم بجانبها، وهو يحاول الحفاظ على مسافة "الأمان" المهنية: "لا هذا ولا ذاك، لكنني كنت أحاول استيعاب كمية السمن البلدي التي أكلتها عندكم."​ضحكت نشوة وقالت وهي تصب له كوباً من الشاي الثقيل:— "السمن بيقوي القلب يا كيمو، وإنت قلبك محتاج يتقوى عشان يشوف ال
last updateLast Updated : 2026-05-14
Read more
الجزء التاسع: "عنتر" والمواجهة الكبرى.. صراع الديوك
الجزء التاسع: "عنتر" والمواجهة الكبرى.. صراع الديوك​لم يغمض لكريم جفن طوال الليل. ظل يتقلب في فراشه، وصورة "المنافس الغامض" لا تفارق خياله. "هل هو ابن عمها الضخم الذي يفتل شواربه؟ أم أنه بطل القرية في التحطيب؟" سأل نفسه وهو ينظر إلى ذراعيه النحيفتين اللتين لا تقويان إلا على حمل "الماوس".​قبل شروق الشمس، كان كريم عند الساقية القديمة، يرتدي ملابس رياضية توحي بالقوة، وحذاءً يسهل الجري به (في حال اضطر للهروب). كانت الرطوبة عالية، وصوت الساقية وهي تدور يبعث في النفس رهبة غامضة.​وفجأة، ظهرت نشوة من بعيد، تجر خلفها شيئاً ضخماً، كانت تسير بخيلاء وتغني بصوت مسموع. عندما اقتربت، اتسعت عينا كريم وصرخ:— "يا خبر! هو ده "عنتر"؟"​كان "عنتر" عبارة عن ديك رومي (ديك رومي) ضخم جداً، ريشه أسود لامع، وله عرف أحمر يتدلى بغطرسة، وينظر لكريم بعيون شريرة وكأنه يعرف أنه جاء لينافسه على قلب صاحبته.​— "أيوه يا كيمو.. ده عنتر، سيد الديوك في البلد، والوحيد اللي مسموح له ينام قدام باب أوضتي." قالت نشوة وهي تربت على رأس الديك الذي أصدر صوتاً مرعباً: "جلل جلل جلل!".​تنهد كريم بارتياح، لكنه حاول إخفاء ذلك: "نشو
last updateLast Updated : 2026-05-14
Read more
الجزء العاشر: سوق الخميس.. وفن "الفصال" الاستراتيجي
الجزء العاشر: سوق الخميس.. وفن "الفصال" الاستراتيجي​لم يكن كريم يعلم أن "سوق الخميس" في القرية ليس مجرد مكان لبيع الخضار، بل هو ساحة معركة، "كولوسيوم" ريفي يختبر فيه المرء قدرته على الصمود أمام الصياح، الروائح المتداخلة، ودهابة التجار.​استيقظ كريم على طرقات نشوة العنيفة: "اصحى يا كيمو! السوق مش هيستنى الأفندية لما يفطروا كرواسون! النهاردة يوم "الكسوة" والتموين، وعايزاك تكون "ديب" (ذئب) وأنت بتتعامل مع البياعين."​خرج كريم وهو يرتدي قميصاً بسيطاً ونظارته الشمسية، لكن نشوة أجبرته على خلع النظارة قائلة: "البس دي والأسعار هتضرب في تلاتة! هنا لازم تبص في عين التاجر بقلب جامد، وتوريه إنك عارف الفولة وتمنها."​دخلوا السوق. كان الزحام رهيباً، أصوات الباعة تختلط بنهيق الحمير وصياح الديكة. نشوة كانت تتحرك كسمكة في الماء، تدفع هذا بمنكبها، وتمازح تلك البائعة، بينما كان كريم يتمسك بطرف جلبابها خشية أن يضيع في غابة الأجساد.​توقفت نشوة أمام بائع "جبنة قريش". نظرت للجبنة بقرف مصطنع وقالت:— "إيه يا حاج جابر؟ الجبنة دي بقالها أسبوع عندك ولا إيه؟ دي ملمسها زي الاستيكة!"​رد التاجر بحنق: "استيكة إيه
last updateLast Updated : 2026-05-14
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status