تسجيل الدخولظل سليمان يحدق في الجدار.
اقترب منه ببطء، حتى لامسته أطراف أصابعه.
كان جدارًا حجريًا صلبًا، متصلًا من طرفه إلى طرفه، تغطيه طبقة من الطلاء القديم، ولا أثر فيه لباب أو ممر.
التفت إلى المهندس.
قال بلهجة امتزج فيها الاستغراب بالإنكار:
— أكنتَ معي قبل دقائق؟
أجاب الرجل مترددًا:
— نعم يا أستاذ.
— ألم ترَ الممر؟
نظر المهندس إلى العمال، ثم عاد ببصره إليه.
— أي ممر؟
ساد صمت قصير.
ثم قال سليمان، وكأنه يختبر نفسه:
— لا شيء… يبدو أنني أرهقت نفسي في العمل.
لكنه لم يكن مقتنعًا بما قال.
في تلك الليلة، رفض العودة إلى المدينة.
أصر على أن يقضي ليلته الأولى في القصر.
اعترض الجميع.
حتى مدير أعماله قال:
— يمكن أن نبدأ أعمال الترميم غدًا، وليس هناك داعٍ للمبيت هنا.
ابتسم سليمان وهو يصب لنفسه فنجانًا من القهوة.
— الناس تخاف من القصص… وأنا أحب أن أختبرها.
وقبل منتصف الليل، غادر الجميع.
أُغلقت البوابة الخارجية.
وعاد القصر إلى صمته القديم.
كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة وأربعين دقيقة.
جلس سليمان في المكتبة، يقرأ ملفًا ماليًا كعادته، وكأن المكان مجرد فندق هادئ.
لكن شيئًا غريبًا بدأ يحدث.
في البداية…
توقفت ساعة الحائط.
ثم انطفأت المدفأة الكهربائية وحدها.
ثم انقطع التيار عن القصر كله.
نظر من النافذة.
كانت الأشجار في الخارج ساكنة.
والسماء صافية.
والمدينة البعيدة ما زالت مضاءة.
أي أن الكهرباء لم تنقطع عن المنطقة…
بل عن القصر وحده.
تناول مصباحًا يدويًا من حقيبته.
وأضاءه.
شق الضوء طريقه بين الرفوف.
وفي اللحظة التي مر فيها الشعاع على أحد المقاعد الجلدية…
رأى رجلًا يجلس هناك.
ارتفع قلبه إلى حلقه.
وجّه الضوء نحوه بسرعة.
لم يكن أحد.
المقعد فارغ.
خفض المصباح قليلًا.
ثم أعاده.
عاد الرجل.
يجلس في المكان نفسه.
لا يتحرك.
هذه المرة لم يكن ضبابًا.
كانت ملامحه واضحة.
رجل في نحو السبعين.
شعره أبيض طويل.
لحيته مهذبة.
يرتدي بذلة قديمة تعود إلى أوائل القرن الماضي.
وعيناه…
لم تكونا تنظران إلى سليمان.
بل إلى المدفأة.
كأنهما تنتظران نارًا انطفأت منذ زمن.
تقدم سليمان خطوة.
اختفى الرجل.
لكن صوتًا هادئًا خرج من الظلام.
ليس همسًا هذه المرة.
بل كلامًا واضحًا.
“تأخرت كثيرًا…”
دار سليمان بالمصباح في أنحاء المكتبة.
لا أحد.
عاد الصوت.
“ظننت أنك لن تأتي.”
قال سليمان بصوت ثابت، وإن كانت أنفاسه قد تسارعت:
— من أنت؟
جاءه الجواب بعد لحظات:
“أنا… أول من امتلك هذا القصر.”
في الصباح، لم يذكر سليمان شيئًا مما حدث.
لكنه بدأ يبحث في تاريخ القصر.
استعان بمؤرخين، ووثائق قديمة، وسجلات البيع.
وبعد يومين، دخلت عليه باحثة متخصصة في تاريخ المنطقة، تحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
قالت:
— وجدت هذا في أرشيف عائلة كانت تملك القصر قبل أكثر من مئة عام.
فتحت الصندوق.
كان بداخله دفتر جلدي متآكل، وصورة فوتوغرافية قديمة.
التقط سليمان الصورة.
تأملها طويلًا.
كانت تُظهر واجهة القصر.
ويقف أمامها رجل وقور، بشعر أبيض ولحية قصيرة، مرتديًا بذلة سوداء.
تجمدت ملامحه.
لقد رآه قبل ليلتين.
هو نفسه.
الرجل الذي كان يجلس في المكتبة.
أشار إليه بإصبعه وقال بصوت خافت:
— من هذا؟
أجابت الباحثة:
— اسمه إلياس بن مراد… أول مالك معروف لهذا القصر.
ثم أضافت وهي تقلب صفحات الدفتر:
— لكن الغريب…
رفع سليمان رأسه.
— ماذا؟
قالت بصوت خفيض:
— لا يوجد في أي سجل تاريخ لوفاته.
كل ما كُتب عنه أنه…
اختفى داخل القصر، ولم يخرج منه مرة أخرى.
وانتهى الفصل، بينما كانت الريح في الخارج تدفع إحدى نوافذ القصر لتفتح ببطء… كأن أحدًا في الداخل كان ينتظر أن يبدأ سليمان قراءة الدفتر.
الفصل الخامس عشرمكتبة الأبلم تكن الرحلة إلى مكة طويلة.لكنها كانت أثقل رحلة عاشها سليمان منذ أن اشترى القصر.جلس خلف المقود بصمت، بينما كانت قطرات المطر تنساب على الزجاج الأمامي، فتشوّه أضواء السيارات القادمة من الاتجاه الآخر.لم يفتح جهاز الراديو.ولم يحاول أحد كسر الصمت.كل واحد منهم كان منشغلًا بسؤال واحد:لماذا مكتبة والده؟⸻كانت الساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل عندما دخلوا أطراف مكة.بدت المدينة هادئة على غير عادتها، وقد خفتت حركة الطرق مع اقتراب الفجر.انعطف سليمان نحو حي قديم، تتجاور فيه المنازل التي بُني معظمها قبل عقود.توقف أمام منزل ذي طابقين، تحيط به أشجار السدر والنخيل.ظل ينظر إليه طويلًا دون أن ينزل.قال يوسف:— هذا هو؟أجاب سليمان بصوت خافت:— نعم…هنا عشت طفولتي.وهنا مات والدي.نظر إلى الباب الخارجي، وقد علاه الغبار، بينما تسلقت بعض النباتات أجزاءً من السور.لم يزر المنزل منذ سنوات طويلة.كان يؤجّل العودة إليه دائمًا، وكأن المكان يحتفظ بذكريات لم يكن مستعدًا لمواجهتها.⸻أخرج من جيبه مفتاحًا قديمًا.تردد لحظة.ثم أدخله في القفل.دار المفتاح بسهولة، رغم مرور
الفصل الرابع عشرما بين الحقيقة والوهملم يدم الظلام سوى ثوانٍ.لكن تلك الثواني بدت لسليمان كأنها امتدت إلى عمرٍ كامل.وقف في مكانه، لا يسمع سوى صوت قطرات الماء المتساقطة في القاعة الحجرية، وصدى أنفاس من حوله.ثم عاد الضوء تدريجيًا.لم يكن مصدره الشموع هذه المرة، بل المصابيح الكهربائية التي حملها يوسف، بعد أن تمكن من تشغيل أحدها.أدار شعاع الضوء في أرجاء القاعة بسرعة.كانت عين الماء في مكانها.والأنفاق السبعة كما هي.والشيخ ما يزال واقفًا عند مدخل الممر الخامس.لكن…الرجل الذي يشبه سليمان اختفى.كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.اقترب يوسف من المكان الذي كان يقف فيه.سلط الضوء على الأرض.ثم انحنى.— انظروا…اقتربت ليان وسليمان.كانت الأرض مغطاة بطبقة رقيقة من الغبار القديم.لكن لم تكن عليها سوى آثار أقدامهم هم.أما الرجل الآخر…فلم يترك أثرًا واحدًا.نظر يوسف إلى الشيخ.— كيف تفسر هذا؟أجاب الشيخ بهدوء:— وهل أنت متأكد أنه كان يقف على الأرض؟ساد الصمت.⸻لم تعجب الإجابة يوسف.قال بنبرة حازمة:— لا، لن أقبل بهذا.منذ دخلنا القصر، كلما سألنا سؤالًا، كانت الإجابة لغزًا جديدًا.إذا كنت تعرف شيئً
الفصل الثالث عشرالممر السابعلم يتحرك أحد.كانت الخطوات القادمة من أعماق الممر بطيئة، منتظمة، كأن صاحبها لا يخشى من ينتظره عند المدخل.أطفأ يوسف المصباح اليدوي غريزيًا.همس:— لا تصدروا أي صوت.لكن الخطوات لم تتوقف.بل ازدادت وضوحًا.دق…دق…دق…حتى بدا وكأنها تصعد درجات حجرية مخفية تحت الأرض.وقف سليمان أمام فتحة الممر، وعيناه لا تفارقان الظلام الممتد في الداخل.لم يكن يشعر بالخوف كما في الليالي الأولى.كان يشعر بشيء آخر…فضولٌ يختلط بالحذر.التفت إلى ليان.— هل هذا الممر موجود في مخططات القصر؟هزت رأسها نفيًا.— اطلعت على جميع المخططات التي وجدناها، ولا يوجد أي إشارة إليه.ثم أضافت:— وكأن من بناه لم يرد حتى أن يُعرف بوجوده.⸻رفع يوسف مسدسه المرخص، ثم نظر إلى سليمان.— سأدخل أولًا.لكن سليمان أمسك بذراعه.— لا.نظر إليه يوسف باستغراب.— لماذا؟قال سليمان بهدوء:— لأن الذي فتح هذا الممر أرادنا أن ندخله.وإذا دخلناه بالطريقة التي يريدها…فنحن نلعب وفق قواعده.ابتسمت ليان لأول مرة منذ ساعات.— بدأت تتعلم.نظر إليها سليمان.— من القصر.⸻اقترب من فتحة الممر، ثم انحنى قليلًا.كان الهوا
الفصل الثاني عشرالوصية التي لم تُكتبغابت الشمس خلف الغيوم الكثيفة، بينما كانت سيارة سليمان تشق طريقها عائدة إلى القصر.لم يتبادل أحد الحديث طوال الرحلة.كان كل منهم غارقًا في أفكاره، وكأن الكلمات أصبحت عاجزة عن تفسير ما حدث في الأرشيف الوطني.الرجل الذي لا يظهر له ظل…الصورة التي التقطت عام 1927…واختفاؤه بالطريقة نفسها التي ظهر بها.أما أكثر ما أقلق سليمان، فلم يكن كل ذلك، بل الجملة التي ما زالت تتردد في رأسه:“أنت لا تبحث عن تاريخ القصر… أنت تبحث عن تاريخك أنت.”ضغط بيده على المقود، محاولًا أن يطرد الفكرة، لكنها كانت تعود في كل مرة بصورة أقوى.كيف يمكن لرجل لم يره من قبل أن يعرف شيئًا عن ماضيه؟⸻قطعت ليان الصمت لأول مرة.— هل ستأخذ بتحذيره؟نظر إليها سليمان في مرآة السيارة.— أي تحذير؟— عندما قال: “لا تعد إلى القصر الليلة.”ابتسم يوسف ابتسامة ساخرة.— بعد كل ما رأيناه، أصبحنا نصدق أي رجل غريب يظهر فجأة ثم يختفي!لم ترد ليان.كانت تنظر من نافذة السيارة إلى الطريق الممتد بين الجبال.ثم قالت بهدوء:— المشكلة أنه لم يطلب منا الهرب…طلب منا فقط ألا نعود الليلة.وهناك فرق كبير.التفت
الفصل الحادي عشرالرجل الذي لا وجود لهلم تغادر كلمات الشرطي أذن سليمان منذ الليلة الماضية.“اختفى… ولم نجد في غرفة الحراسة سوى عبارة واحدة: لقد بدأ العدّ التنازلي.”كانت الجملة بسيطة في ظاهرها، لكنها حملت معنى أثقل من أن يُحتمل.لأول مرة منذ دخوله القصر، شعر سليمان أن الخطر لم يعد محصورًا بين الجدران القديمة، ولم يعد مجرد همسات غامضة أو أبواب خفية، بل أصبح يقترب من الأشخاص الذين يحيطون به. وهذا ما أقلقه أكثر من أي شيء آخر.وقف في شرفة الطابق الثاني، يتأمل الضباب الذي غطى الحديقة مع ساعات الفجر الأولى.كان القصر يبدو هادئًا، بصورة تكاد تكون مخادعة.الأشجار ثابتة.النوافذ مغلقة.والريح بالكاد تحرك أطراف الستائر.لكن سليمان لم يعد يثق بالهدوء.لقد تعلم خلال الأيام الماضية أن أكثر اللحظات رعبًا هي تلك التي يسبقها صمت طويل.⸻دخل يوسف بخطوات مترددة.كانت ملامحه مرهقة، وعيناه حمراوين من قلة النوم.قال وهو يحمل ملفًا أزرق:— الشرطة أنهت التحقيق الأولي.استدار سليمان إليه.— وهل وجدوا شيئًا؟هز يوسف رأسه.— لا شيء… وهذا هو الأمر الغريب.اقترب ووضع الملف على الطاولة.— لم يجدوا أي أثر لكسر أو
الفصل العاشر: ذاكرة الحارسساد صمتٌ ثقيل داخل الغرفة السرية.لم يكن سببه الصندوق الأسود، ولا العبارة المنقوشة عليه، بل الطريقة التي نطقت بها الدكتورة ليان الجملة الأخيرة.“لقد رأيت هذه العبارة من قبل…”نظر إليها سليمان مليًّا.ثم قال بهدوء:— أريد أن أعرف كل شيء.تنهدت ليان، وأغلقت عينيها للحظة، وكأنها تستعيد ذكرى حاولت نسيانها سنوات طويلة.ثم قالت:— قبل خمسة عشر عامًا كنت عضوة في فريق دولي لفهرسة مجموعة من المخطوطات النادرة، كانت محفوظة في مكتبة خاصة لا يُعرف عنها الكثير. لم تكن مكتبة عامة، بل مجموعة يملكها أحد جامعي المخطوطات، ولم يكن يسمح بدخولها إلا للباحثين الذين يختارهم بنفسه.سكتت قليلًا.ثم تابعت:— كان بين تلك المخطوطات كتاب لا يحمل اسمًا، ولا اسم مؤلف، ولا تاريخًا. كان غلافه من الجلد الأسود، وصفحاته مكتوبة بثلاث لغات مختلفة، لم أستطع التعرف إلا على اثنتين منها.سألها يوسف:— وما اللغة الثالثة؟قالت:— لم أرَ مثلها في حياتي.⸻اقترب سليمان من الصندوق.كانت يده ترتجف، لكنه لم يمدها إليه.قال:— وما علاقة هذا الكتاب بما نحن فيه؟أجابت ليان:— في الصفحة الأولى كانت هناك عبارة و