LOGINظل سليمان واقفًا أمام الباب الأسود، والهاتف لا يزال في يده.
أعاد النظر إلى شاشة المكالمة، ثم أغلقها ببطء.
كان المكان صامتًا إلى درجة أنه سمع دقات ساعة يده بوضوح.
ابتسم ابتسامة ساخرة، وكأنه يحاول إقناع نفسه أكثر من أي أحد آخر.
“الإرهاق… لا أكثر.”
منذ أسبوعين لم ينم إلا ساعات قليلة، بين اجتماعات في الرياض، وصفقات في دبي، واتصالات لا تنتهي. ومن الطبيعي، كما أقنع نفسه، أن يتهيأ للإنسان أشياء لا وجود لها.
استدار مبتعدًا عن الباب.
لكنه لم يخطُ سوى بضع خطوات، حتى لفت انتباهه باب صغير إلى يمين الممر.
كان نصف مفتوح.
دفعه برفق.
فوجد نفسه داخل غرفة واسعة، يغطيها الغبار، إلا أن أثاثها بقي محتفظًا بهيبته.
رفوف كتب من خشب الجوز.
مدفأة حجرية.
وبيانو أسود، استقر فوقه غبار السنين.
غير أن أكثر ما شد انتباهه…
مرآة.
كانت ضخمة، يزيد ارتفاعها على مترين، بإطار فضي منقوش بنقوش دقيقة تشبه أغصان الأشجار المتشابكة.
اقترب منها.
نظر إلى انعكاسه.
رجل أنيق، يرتدي بدلة رمادية، وشعر بدأ الشيب يغزو جانبيه، ونظرة حادة اعتادت إصدار الأوامر.
رفع يده.
فرفع انعكاسه يده.
ابتسم.
فابتسم الانعكاس.
قال ساخرًا:
“على الأقل هذه لم تسكنها الأشباح.”
وما إن همَّ بالابتعاد…
حتى لمح شيئًا.
في انعكاس المرآة…
كان باب الغرفة مغلقًا.
التفت بسرعة.
الباب الحقيقي ما زال مفتوحًا.
عاد ببصره إلى المرآة.
في الانعكاس…
الباب مغلق.
وفي زاوية الغرفة، خلف كتفه مباشرة…
وقف شخص.
رجل طويل القامة.
يرتدي معطفًا أسود قديمًا يصل إلى قدميه.
ملامحه غير واضحة، كأن الضباب يبتلع وجهه.
استدار سليمان بعنف.
لم يجد أحدًا.
عاد إلى المرآة.
اختفى الرجل.
لكن شيئًا آخر ظهر.
كانت هناك كتابة، تتشكل ببطء على سطح الزجاج، كأن إصبعًا خفيًا يرسمها من الداخل.
حرف…
ثم آخر…
حتى اكتملت الجملة.
“أنت لست أول من اشترى هذا القصر…”
تراجع سليمان خطوة.
ثم ثانية.
لم يشعر بالخوف…
بل بالغضب.
اقترب من المرآة مرة أخرى، ومد يده ليلمس الكلمات.
فما إن لامس الزجاج…
حتى اختفت.
كأنها لم تكن.
توقف طويلًا.
ثم أخرج هاتفه.
التقط صورة للمرآة.
نظر إليها.
كانت صورة عادية.
لا كتابة.
لا رجل.
لا شيء سوى انعكاسه.
خفض الهاتف ببطء.
ولأول مرة في حياته…
بدأ يشك في حواسه.
بعد دقائق، وصل فريق المهندسين.
امتلأ القصر بأصوات الناس.
أجهزة القياس.
خطوات العمال.
وأحاديثهم.
شعر سليمان براحة خفية.
وجود البشر بدد شيئًا من الثقل الذي خيم على المكان.
استدعى كبير المهندسين وقال له:
“أريد تقريرًا كاملًا عن هذا القصر… لا أريد شيئًا مجهولًا.”
أجاب الرجل:
“بالتأكيد.”
ثم تردد قليلًا وأضاف:
“لكن…”
رفع سليمان حاجبه.
“لكن ماذا؟”
قال المهندس بصوت منخفض:
“هناك غرفة لم يتمكن أحد من فتحها منذ عشرات السنين.”
ابتسم سليمان.
“دعني أخمن… الباب الأسود؟”
اتسعت عينا المهندس.
“كيف عرفت؟”
أشار سليمان بيده نحو آخر الممر.
“رأيته.”
ساد الصمت.
ثم قال المهندس:
“الغريب… أن هذا الممر غير موجود في المخططات الأصلية للقصر.”
تغيرت ملامح سليمان.
“ماذا تقصد؟”
أخرج المهندس نسخة قديمة من المخطط الهندسي.
نشرها فوق الطاولة.
كان كل شيء مطابقًا لما شاهده…
إلا شيئًا واحدًا.
الممر الذي سار فيه قبل قليل…
والباب الأسود في نهايته…
لا وجود لهما على الورق.
رفع سليمان رأسه ببطء.
ثم نظر نحو نهاية القاعة…
حيث كان الممر.
لكن…
لم يكن هناك ممر أصلًا.
كان الجدار مصمتًا، كأنه لم يحمل بابًا في حياته.
الفصل الخامس عشرمكتبة الأبلم تكن الرحلة إلى مكة طويلة.لكنها كانت أثقل رحلة عاشها سليمان منذ أن اشترى القصر.جلس خلف المقود بصمت، بينما كانت قطرات المطر تنساب على الزجاج الأمامي، فتشوّه أضواء السيارات القادمة من الاتجاه الآخر.لم يفتح جهاز الراديو.ولم يحاول أحد كسر الصمت.كل واحد منهم كان منشغلًا بسؤال واحد:لماذا مكتبة والده؟⸻كانت الساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل عندما دخلوا أطراف مكة.بدت المدينة هادئة على غير عادتها، وقد خفتت حركة الطرق مع اقتراب الفجر.انعطف سليمان نحو حي قديم، تتجاور فيه المنازل التي بُني معظمها قبل عقود.توقف أمام منزل ذي طابقين، تحيط به أشجار السدر والنخيل.ظل ينظر إليه طويلًا دون أن ينزل.قال يوسف:— هذا هو؟أجاب سليمان بصوت خافت:— نعم…هنا عشت طفولتي.وهنا مات والدي.نظر إلى الباب الخارجي، وقد علاه الغبار، بينما تسلقت بعض النباتات أجزاءً من السور.لم يزر المنزل منذ سنوات طويلة.كان يؤجّل العودة إليه دائمًا، وكأن المكان يحتفظ بذكريات لم يكن مستعدًا لمواجهتها.⸻أخرج من جيبه مفتاحًا قديمًا.تردد لحظة.ثم أدخله في القفل.دار المفتاح بسهولة، رغم مرور
الفصل الرابع عشرما بين الحقيقة والوهملم يدم الظلام سوى ثوانٍ.لكن تلك الثواني بدت لسليمان كأنها امتدت إلى عمرٍ كامل.وقف في مكانه، لا يسمع سوى صوت قطرات الماء المتساقطة في القاعة الحجرية، وصدى أنفاس من حوله.ثم عاد الضوء تدريجيًا.لم يكن مصدره الشموع هذه المرة، بل المصابيح الكهربائية التي حملها يوسف، بعد أن تمكن من تشغيل أحدها.أدار شعاع الضوء في أرجاء القاعة بسرعة.كانت عين الماء في مكانها.والأنفاق السبعة كما هي.والشيخ ما يزال واقفًا عند مدخل الممر الخامس.لكن…الرجل الذي يشبه سليمان اختفى.كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.اقترب يوسف من المكان الذي كان يقف فيه.سلط الضوء على الأرض.ثم انحنى.— انظروا…اقتربت ليان وسليمان.كانت الأرض مغطاة بطبقة رقيقة من الغبار القديم.لكن لم تكن عليها سوى آثار أقدامهم هم.أما الرجل الآخر…فلم يترك أثرًا واحدًا.نظر يوسف إلى الشيخ.— كيف تفسر هذا؟أجاب الشيخ بهدوء:— وهل أنت متأكد أنه كان يقف على الأرض؟ساد الصمت.⸻لم تعجب الإجابة يوسف.قال بنبرة حازمة:— لا، لن أقبل بهذا.منذ دخلنا القصر، كلما سألنا سؤالًا، كانت الإجابة لغزًا جديدًا.إذا كنت تعرف شيئً
الفصل الثالث عشرالممر السابعلم يتحرك أحد.كانت الخطوات القادمة من أعماق الممر بطيئة، منتظمة، كأن صاحبها لا يخشى من ينتظره عند المدخل.أطفأ يوسف المصباح اليدوي غريزيًا.همس:— لا تصدروا أي صوت.لكن الخطوات لم تتوقف.بل ازدادت وضوحًا.دق…دق…دق…حتى بدا وكأنها تصعد درجات حجرية مخفية تحت الأرض.وقف سليمان أمام فتحة الممر، وعيناه لا تفارقان الظلام الممتد في الداخل.لم يكن يشعر بالخوف كما في الليالي الأولى.كان يشعر بشيء آخر…فضولٌ يختلط بالحذر.التفت إلى ليان.— هل هذا الممر موجود في مخططات القصر؟هزت رأسها نفيًا.— اطلعت على جميع المخططات التي وجدناها، ولا يوجد أي إشارة إليه.ثم أضافت:— وكأن من بناه لم يرد حتى أن يُعرف بوجوده.⸻رفع يوسف مسدسه المرخص، ثم نظر إلى سليمان.— سأدخل أولًا.لكن سليمان أمسك بذراعه.— لا.نظر إليه يوسف باستغراب.— لماذا؟قال سليمان بهدوء:— لأن الذي فتح هذا الممر أرادنا أن ندخله.وإذا دخلناه بالطريقة التي يريدها…فنحن نلعب وفق قواعده.ابتسمت ليان لأول مرة منذ ساعات.— بدأت تتعلم.نظر إليها سليمان.— من القصر.⸻اقترب من فتحة الممر، ثم انحنى قليلًا.كان الهوا
الفصل الثاني عشرالوصية التي لم تُكتبغابت الشمس خلف الغيوم الكثيفة، بينما كانت سيارة سليمان تشق طريقها عائدة إلى القصر.لم يتبادل أحد الحديث طوال الرحلة.كان كل منهم غارقًا في أفكاره، وكأن الكلمات أصبحت عاجزة عن تفسير ما حدث في الأرشيف الوطني.الرجل الذي لا يظهر له ظل…الصورة التي التقطت عام 1927…واختفاؤه بالطريقة نفسها التي ظهر بها.أما أكثر ما أقلق سليمان، فلم يكن كل ذلك، بل الجملة التي ما زالت تتردد في رأسه:“أنت لا تبحث عن تاريخ القصر… أنت تبحث عن تاريخك أنت.”ضغط بيده على المقود، محاولًا أن يطرد الفكرة، لكنها كانت تعود في كل مرة بصورة أقوى.كيف يمكن لرجل لم يره من قبل أن يعرف شيئًا عن ماضيه؟⸻قطعت ليان الصمت لأول مرة.— هل ستأخذ بتحذيره؟نظر إليها سليمان في مرآة السيارة.— أي تحذير؟— عندما قال: “لا تعد إلى القصر الليلة.”ابتسم يوسف ابتسامة ساخرة.— بعد كل ما رأيناه، أصبحنا نصدق أي رجل غريب يظهر فجأة ثم يختفي!لم ترد ليان.كانت تنظر من نافذة السيارة إلى الطريق الممتد بين الجبال.ثم قالت بهدوء:— المشكلة أنه لم يطلب منا الهرب…طلب منا فقط ألا نعود الليلة.وهناك فرق كبير.التفت
الفصل الحادي عشرالرجل الذي لا وجود لهلم تغادر كلمات الشرطي أذن سليمان منذ الليلة الماضية.“اختفى… ولم نجد في غرفة الحراسة سوى عبارة واحدة: لقد بدأ العدّ التنازلي.”كانت الجملة بسيطة في ظاهرها، لكنها حملت معنى أثقل من أن يُحتمل.لأول مرة منذ دخوله القصر، شعر سليمان أن الخطر لم يعد محصورًا بين الجدران القديمة، ولم يعد مجرد همسات غامضة أو أبواب خفية، بل أصبح يقترب من الأشخاص الذين يحيطون به. وهذا ما أقلقه أكثر من أي شيء آخر.وقف في شرفة الطابق الثاني، يتأمل الضباب الذي غطى الحديقة مع ساعات الفجر الأولى.كان القصر يبدو هادئًا، بصورة تكاد تكون مخادعة.الأشجار ثابتة.النوافذ مغلقة.والريح بالكاد تحرك أطراف الستائر.لكن سليمان لم يعد يثق بالهدوء.لقد تعلم خلال الأيام الماضية أن أكثر اللحظات رعبًا هي تلك التي يسبقها صمت طويل.⸻دخل يوسف بخطوات مترددة.كانت ملامحه مرهقة، وعيناه حمراوين من قلة النوم.قال وهو يحمل ملفًا أزرق:— الشرطة أنهت التحقيق الأولي.استدار سليمان إليه.— وهل وجدوا شيئًا؟هز يوسف رأسه.— لا شيء… وهذا هو الأمر الغريب.اقترب ووضع الملف على الطاولة.— لم يجدوا أي أثر لكسر أو
الفصل العاشر: ذاكرة الحارسساد صمتٌ ثقيل داخل الغرفة السرية.لم يكن سببه الصندوق الأسود، ولا العبارة المنقوشة عليه، بل الطريقة التي نطقت بها الدكتورة ليان الجملة الأخيرة.“لقد رأيت هذه العبارة من قبل…”نظر إليها سليمان مليًّا.ثم قال بهدوء:— أريد أن أعرف كل شيء.تنهدت ليان، وأغلقت عينيها للحظة، وكأنها تستعيد ذكرى حاولت نسيانها سنوات طويلة.ثم قالت:— قبل خمسة عشر عامًا كنت عضوة في فريق دولي لفهرسة مجموعة من المخطوطات النادرة، كانت محفوظة في مكتبة خاصة لا يُعرف عنها الكثير. لم تكن مكتبة عامة، بل مجموعة يملكها أحد جامعي المخطوطات، ولم يكن يسمح بدخولها إلا للباحثين الذين يختارهم بنفسه.سكتت قليلًا.ثم تابعت:— كان بين تلك المخطوطات كتاب لا يحمل اسمًا، ولا اسم مؤلف، ولا تاريخًا. كان غلافه من الجلد الأسود، وصفحاته مكتوبة بثلاث لغات مختلفة، لم أستطع التعرف إلا على اثنتين منها.سألها يوسف:— وما اللغة الثالثة؟قالت:— لم أرَ مثلها في حياتي.⸻اقترب سليمان من الصندوق.كانت يده ترتجف، لكنه لم يمدها إليه.قال:— وما علاقة هذا الكتاب بما نحن فيه؟أجابت ليان:— في الصفحة الأولى كانت هناك عبارة و







