Masukبعد مرور نحو ساعتين من الصمت المطبق، بدأ وعي أليساندرو يعود إليه تدريجياً. استعاد توازنه بعد تلك الإغماءة المفاجئة التي أرهقت حواسه، لكن كبرياءه رفض الاستسلام؛ اعتدل في جلسته على السرير الفاخر مستنداً بيده على الحطاء، ووجهه يقطر غضباً وامتعاضاً.
لم يستطع حتى أن يأخذ قسطاً من الراحة أو النوم بسبب صوت نقرات لوحة المفاتيح الخفيفة والمستمرة التي كانت لا تزال ترتد في أذنيه كإزعاج لا يطاق. من مكانه على السرير، دون أن يتحرك أو يقترب خطوة واحدة، رفع بصره المبهم نحو زاويتها البعيدة، ورفع صوته بنبرة حادة تقطر غضباً ليقاطع خلوتها: "إلى متى ستستمرين في هذه المهزلة؟! صوت نقراتكِ هذه يكاد يشق رأسي! ما الذي تفعلينه بحق الجحيم هناك؟!" توقفت سكارليت عن الكتابة، وبدلاً من أن تواجهه بالغضب أو العصبية، استدارت إليه بابتسامة خفيفة وناعمة تزين محياها، وقالت بصوت هادئ ولطيف للغاية: "أنا آسفة جداً إن كانت نقراتي قد أزعجتك يا أليساندرو... أنا فقط أكتب." عقد أليساندرو حاجبيه باستنكار حاد وهو مرتكع مكانه على السرير، وقال بتهكم بارد: "تكتبين؟! وما الذي تكتبينه بالضبط؟ لقد سمعتُ من والدي اليوم أنكِ استقلتِ وتخليتِ عن كل أعمالكِ التجارية!" ردت سكارليت بنبرة هادئة ودافئة من مكانها: "نعم... أنا أكتب روايتي." "رواية؟!" قالها أليساندرو باستنكار صريح وذهول مشوب بالسخرية من فوق فراشه: "وما الذي يقحِمكِ في عالم الروايات والقصص؟ أنتِ امرأة متخصصة في مجال إدارة الأعمال والشركات، فما دخل هذه الخربشات بكِ؟!" نظرت إليه سكارليت بثبات، ولانت نبرتها وهي تخبره بالسر الذي طالما احتفظت به لنفسها: "إدارة الأعمال لم تكن حلمي يوماً يا أليساندرو... كان شيئاً فرضته عليّ ظروف عائلتي لحماية إرثهم وتأمين واجباتي تجاههم. أما حلمي الحقيقي وشغفي الوحيد منذ صغري... فهو الكتابة." اتسعت عينا أليساندرو بغير تصديق وهو جالس مكانه، وكرر الكلمة بصدمة مكتومة واستنكار: "الكتابة...؟!" في تلك اللحظة، نسيت سكارليت كل حذرها وموقفها الدفاعي أمامه؛ أشرقت ملامحها ولمعت عيناها ببريق مضيء ومفعم بالحياة، وتسلل إلى نبرتها حماس متدفق وشغف طفولي وهي تشرح له باندفاع من زاويتها: "نعم، الكتابة! هل تعلم ما الذي يعنيه أن تخلق عالماً كاملاً بكلماتك؟ عندما أكتب، أستشعر نبض كل شخصية، أمنحها حياة، صوتاً، وقرارات تعبر عن مشاعر حقيقية. إنها المساحة الوحيدة التي أتنفس فيها بحرية مطلقة، الحلم الذي أجلته سنوات طويلة لمصلحة الواجبات، والآن جاء الوقت لأحييه مجدداً!" كانت تتحدث بروح مشتعلة وابتسامة صادقة، ظانة أن أي إنسان قد يفهم معنى أن يملك المرء شغفاً يحييه. لكن أليساندرو، وهو جالس مكانه بلا حراك، لم يرحم ذلك الشغف أبداً. رسمت ملامحه الحادة ابتسامة ساخرة، باردة كالثلج، وأطلق ضحكة قصيرة ومهينة هز فيها رأسه بأسف مصطنع وقال بصوت مستفز يقترب من الصراخ الخفيف من بعيد: "عالم كامل وشغف وحرية؟! لا عجب إذن! الآن فقط فهمت كيف انهارت شركة عائلتكِ وفشلت أوراقكم التجارية! كنتِ تعيشين في عالم الأحلام والأوهام الوردية بينما كانت السوق الواقعية تطحنكم طحناً!" ثم تابع سخريته ببرود قاطع وهو جالس في مكانه: "تخلين عن مكانتكِ وتخصصكِ الإداري لتعيشي دور الكاتبة الحالمة؟! يا لها من سخافة مثيرة للشفقة! أهذا هو حلمكِ العظيم؟ كلمات فارغة وقصص وهمية لا قيمة لها في الواقع، تعوضين بها عن فشل عائلتكِ في إدارة الحقيقة؟!" تجمدت الكلمات في حلق سكارليت فجأة. اتسعت عيناها بذهول وصدمة تامة؛ لم تتوقع أبداً أن يقابل شغفها الحقيقي بهذا القدر من البرود، السخرية، والتقليل المتعمد وهو جالس مكانه. شعرت وكأن خنجراً بارداً قد غُرس في روحها، وانحسر ذلك البريق المشتعل في عينيها ليحل محله سكون موجع وهي تنظر إليه بابتسامة تلاشت بالكامل من على وجهها.بقيت عيناه المعتمتان مسلطتان نحو الفراغ أمامه، بينما كان صدى كلماته المتهكمة يتردد بينهما في صخب القاعة.رفعت سكارليت بصرها نحوه ببرود تام، ولم تهتز لها رمشة واحدة أمام سخريته اللاذعة. ردت بصوت همس خفيض ومستقر يخلو من أي تأثر:"لا أطمح لأي دور بجانبك يا سيد أليساندرو، ولا يهمني من نظراتهم سوى أن تنتهي هذه الأمسية المعتمة بأقل قدر من الخسائر. كفّ عن تخيل بطولات وهمية لا أهتم بها، ووفر طاقتك لتقف على قدميك دون أن تترنح."أشعل ردها المقتضب نيران الغيظ في صدره، لكن ازدحام الحضور واقتراب شخصيات أخرى للسلام عليها حالا دون أن ينفجر. اضطر أليساندرو لابتلاع غضبه المكتوم، وارتدى قناعه الجليدي المتجهم، متابعاً مسيره الطويل والمكبل تحت أنظار الضيوف الذين لم يلحظوا شيئاً من تلك الحرب الصامتة الدائرة بينهما.مرت الساعات الثقيلة ببطء قاتل، وكأن الوقت نفسه قد تجمد في قاعة الاحتفال. وعندما أُتيحت أخيرًا فرصة الانسحاب دون إثارة الشبهات، التفت أليساندرو نحوها وقال بلهجة حادة ومقتضبة:"انتهت المسرحية... لنرحل."---ما إن عادا إلى الجناح الخاص وأغلق الباب خلفهما حتى انكسر جدار الصقيع المفروض، وانفجر أليسا
مع استمرار الحفل وامتلاء القاعة بالمزيد من الضيوف، ازدادت حركة الحشود واكتظت الممرات الضيقة المؤدية إلى صالة الاستقبال الجانبية. وجد أليساندرو وسكارليت نفسيهما محاصرين وسط موجة بشرية متلاحمة، حيث باتت الحركة تعتمد على التلاحم والتدافع الخفيف بين الحضور. في تلك اللحظة الحرجة، وبينما كان أحد المرافقين يتجاوزهم بسرعة مسبباً حركة مفاجئة في الزحام، كاد أحد المارة أن يرتطم بأليساندرو بقوة من جهة عمائه، ما هدد بإفقاده توازنه. دون تردد، مدت سكارليت يدها بسرعة وأحاطت بخصر وقوام بدلته، وضغطت عليه بقوة لتجذبه نحوها تماماً، ملتصقة بجانبه الأيمن لتقيه الاصطدام وتشق له طريقاً آمناً وسط الزحام الضيق. في تلك الثواني المعدودات، اصطدم جسداهما بقرب قسري وحميم لم يختبراه من قبل؛ شعر أليساندرو برقة قوامها يلتصق بكتفه وصدره، وحرارة أنفاسها القريبة التي لامست عنقه، ووزن يدها الثابتة والمحيطة به لتثبيته. بالنسبة لرجل يقدس مساحته الخاصة ويرفض أي شكل من أشكال التبعية، كانت هذه اللمسة المباشرة وهذا الالتصاق القسري بمثابة صاعقة تحرق كبرياءه وتذكّره بعمائه وضعفه المطلق. تصلبت عضلات أليساندرو بشكل مرعب، وانحبس
في مساء اليوم التالي، تحول الجناح الخاص إلى مساحة مشحونة بتوتر خفي يشبه السكون الذي يسبق العاصفة.كان أليساندرو يقف أمام مرآة خلع الملابس الكبيرة—تلك المفارقة القاسية لرجل يعيش في عتمة دائمة—يحاول عبثاً ترتيب ربطة عنق بدلته الرسمية. كانت أصابعه الطويلة تتحسس قماش الحرير ببطء وتوتر، لكن العقدة انزلقت للمرة الثالثة بشكل مائل وغير متناسق. اشتدت ملامحه غضباً، وارتسمت على وجهه علامات الإحباط الصامت؛ فهو يرفض تماماً أن يطلب المساعدة، لكن عجزه البصري كان يضعه أمام حقيقة مرة يكره الاعتراف بها، فضلًا عن إظهارها.على الطرف الآخر من الغرفة، كانت سكارليت تقف بهدوء أمام مرآة جانبية، ترتدي فستان سهرة داكن اللون، فائق الأناقة والوقار. كان الفستان يلتف حول قوامها بتصميم كلاسيكي محتشم لكنه طاغٍ بحضوره، تاركاً انطباعاً بالأناقة الصامتة التي تخطف الأنظار دون صخب، بينما زاد شعرها المرتب بعناية من هيبتها وجمالها الهادئ.راقبته سكارليت في انعكاس المرآة وهو يصارع العقدة بإحباط متزايد. أدركت فوراً أن خروجه بهذا الشكل المعوج سيعرضه لسخرية خفية بين الحضور، وهو أمر يمس كبرياء العائلة الذي لا تستطيع تحمله.دون س
مرت الأيام التالية في الجناح كقطع من جليد صامت. لم يتبادل أليساندرو و سكارليت سوى كلمات معدودة، بينما انصرفت هي كلياً إلى عملها على حاسوبها، متجاهلة تماماً وجوده. أما هو، فكان يغرق في حنق داخلي يرفض الاعتراف به. لكن هذا الهدوء المشحون انكسر خلال إحدى وجبات الطعام على مائدة العائلة الكبرى. بينما كان الصمت يسود الأجواء، قطع **ريتشارد** ذلك السُّكون بابتسامة عملية ومباشرة، موجهاً حديثه نحو أليساندرو بصوت واضح سمعه الجميع: "بالمناسبة يا أليساندرو، حفل الاستقبال الرسمي لعائلة موريتّي سيقام مساء الغد، وحضورك إلزامي بصفتك ممثلاً للعائلة. وبما أنك ترفض دائماً الاستعانة بالمرافقين التقليديين، فستكون سكارليت هي رفيقتك وعينك لهذا المساء؛ فهي من تشاركك السقف وستعرف كيف تدير الأمور بجانبك." تصلبت ملامح أليساندرو فوراً، وعلقت ملعقته في يده. ارتسمت على وجهه علامات الرفض القاطع، وبنبرة حادة تخترقها القسوة، أجاب دون تفكير: "أنا لا أحتاج إلى مرافق، يا والدي! يمكنني حضور هذا السخف وتدبر أمري وحدي تماماً كما اعتمدت دائماً دون مساعدة من أحد." ابتسم ريتشارد ببرود مستفز، وأضاف بنبرة محملة بالتشكيك: "
أشرقت شمس اليوم التالي على قصر موريتّي بضوء هادئ ينساب عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة لصالة الطعام الكبرى. كانت الأجواء على مائدة الإفطار تبدو هادئة وراقية، مخفية تحت سطحها توتراً خفياً يحمله صمت ليلة أمس الطويلة.جلست سكارليت على المائدة بهدوء وثبات، وقد ارتدت درعاً من الصمت والاتزان، ملامحها هادئة وخالية من أي تعبير يشي بما يدور في خلدها.عند رأس الطاولة، كانت السيدة **إيزابيلا** توزع ابتسامتها الحنونة والدافئة على الجميع. بادرت إيزابيلا بالحديث باهتمام بالغ نحو سكارليت، ووجهها يقطر لطفاً:"أخبرينا يا سكارليت... لقد أخبرتنا إليانور هذا الصباح أنكِ قررتِ التفرغ التام للكتابة. ما هي الفكرة العامة لقصتكِ؟ أهو كتاب في الأدب الإنساني أم رواية درامية؟ نحن حقاً نتوق لمعرفة ما يشغل تلك الروح المبدعة."أكمل **ديفيد** بابتسامته المرحة وهو يقطع قطعة من فطيرته:"بالتأكيد ستكون رواية عظيمة يا أمي! أي شخص يملك الجرأة لخلع قناع الشركات والنزول إلى ميدان الشغف الخالص يستحق أن ننتظر عمله بشغف... نحن فخورون بكِ وبقراركِ الشجاع."حتى **ريتشارد** أضاف بلهجة عملية مشجعة وهادئة:"التخلي عن الروتين المالي ل
ساد الجناح صمتٌ ثقيل، أشدّ وطأة من أي شجار دار بينهما من قبل. اختفت تلك الابتسامة المشرقة عن وجه سكارليت في جزء من الثانية، وتجمعت دموع ساخنة ومفاجئة في عينَيها، لكنها أبت أن تسقط، محبوسة خلف نظرة حارقة وموجوعة امتزجت فيها خيبة الأمل بالصدمة. من فوق فراشه، ظل أليساندرو جالساً بلا حراك، مشدود الملامح، وشارداً في الاتجاه الذي صدر منه صوتها. كان ينتظر... كان ينتظر بفارغ الصبر أن ينفجر الغضب في صوتها، أو أن ترد عليه بكلمات لاذعة وحادة كما اعتاد منها في كل مواجهة. ظل مترقباً، يصغي بحواسه الحادة لأي حركة عنيفة أو ردة فعل نارية تؤكد له أنها تأثرت بسخريته، لكنه لم يسمع شيئاً سوى صمتها المطلق. مرت ثوانٍ تبدو وكأنها دهور؛ لا صوت لأنفاسها المتقطعة، ولا صدى لأي دفاع. ثم، بصوت خفيض، مرتعش قليلاً بغصة مكتومة، لكنه محمل ببرود قارس وقاتل، فتحت فمها وقالت: "شكراً لك يا سيد أليساندرو... لقد أعدتني إلى الواقع حقاً." عقد أليساندرو حاجبيه في عتمة بصره، وتأهب لسماع بقية حديثها، لتابعته بنبرة تكسوها مرارة واضحة: "ومعك كل الحق... أمثالك لا يُجدي معهم الحديث، ولا فائدة تُرجى من محاولة جعله يرى شيئاً أبع







