LOGINخلف الأبواب المغلقة
لم يكن عاصر الراوي معتادًا على فقدان السيطرة.
طوال خمسة وأربعين عامًا، تعلّم أن الحياة لا تمنح شيئًا لمن ينتظر، وأن الرجال الذين يترددون يخسرون قبل أن تبدأ المعركة. بنى إمبراطوريته بيديه، وأخضع منافسيه ببرود أعصاب لا يعرف الرحمة، واعتاد أن تكون الكلمة الأخيرة له في كل مكان يدخله.
لكن امرأة واحدة نجحت، في وقت قصير على نحو أثار غضبه، في زعزعة ذلك اليقين الراسخ داخله.
ليال منصور.
لم يكن اسمها وحده هو ما يزعجه، بل تلك النظرة التي رمقته بها قبل أن تغادر مكتبه؛ نظرة لم تحمل خوفًا ولا خضوعًا، ولم تتوسل إليه أن يفسر ما حدث بينهما. لقد تركته واقفًا أمام حقيقة لم يرغب في مواجهتها: أنه، للمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن متأكدًا من قراره التالي.
جلس خلف مكتبه، وأعاد فتح الملف المالي الذي أرسله إليه مدير الإدارة القانونية. كانت الأرقام واضحة، والتحويلات موثقة، لكن هناك فجوة صغيرة في السجلات تتكرر كلما اقترب من الحسابات التي أشارت إليها ليال.
فجوة لم يستطع أحد تفسيرها.
رفع سماعة الهاتف واتصل بمدير الأمن.
— أريد تقريرًا كاملًا عن الرجل الذي ظهر في تسجيلات الطابق الإداري ليلة أمس.
جاءه الرد بعد لحظة من التردد:
— لقد راجعنا التسجيلات يا سيدي. دخل الرجل ببطاقة صيانة مؤقتة، لكن البطاقة لم تصدر من قسم الصيانة.
استقام عاصر في مقعده.
— ومن أصدرها؟
— لا نستطيع تحديد ذلك حتى الآن. سجل النظام أن الطلب أُرسل من حساب إداري، لكن بيانات الدخول حُذفت بعد دقائق.
ساد الصمت.
لم يكن حذف البيانات خطأً عابرًا، ولم يكن دخول شخص مجهول إلى الطابق الإداري أمرًا يمكن تجاهله. ثمة من يملك صلاحيات داخل الشركة، وثمة من يعرف كيف يستخدمها لإخفاء آثاره.
قال عاصر بنبرة هادئة، زادت من خطورتها:
— استعد البيانات المحذوفة. أريد معرفة صاحب الحساب، والجهة التي أصدرت البطاقة، وكل شخص دخل المبنى بعد انتهاء الدوام. لا تُبلغ أحدًا بهذا التحقيق، حتى لو كان يحمل أعلى منصب بعد منصبي.
— أمرك، سيدي.
أنهى المكالمة، ثم نظر إلى الملف المفتوح أمامه.
كانت ليال قد اقتربت من الحقيقة، وهذا ما جعلها هدفًا محتملًا. لكنه لم يكن مستعدًا للاعتراف بأن خوفه عليها تجاوز حدود المسؤولية المهنية، أو أن تذكّرها وهي تقف أمامه بكل ذلك العناد كان يثير داخله مشاعر لم يعد يعرف كيف يسميها.
أغلق الملف بقوة.
لم يكن الوقت مناسبًا لهذا الضعف.
ولم تكن ليال امرأة يمكنه الاقتراب منها ثم الانسحاب دون أن يدفع ثمن قراره.
---
في تلك الأثناء، كانت ليال تجلس إلى جوار سرير والدتها، تراقب انتظام أنفاسها، وتعدل الغطاء فوق كتفيها برفق. بدا وجه المرأة الشاحب أكثر هدوءًا من الأيام الماضية، لكن التعب الذي أنهك جسدها ظل حاضرًا في تفاصيل ملامحها.
وضعت ليال كوب الماء على الطاولة، ثم تناولت دفترًا صغيرًا أخرجته من حقيبتها.
كانت قد كتبت فيه أرقام العقود، وتواريخ التحويلات، وأسماء الشركات التي تكررت في السجلات. كلما رتبت معلومة، ظهرت أمامها ثلاثة أسئلة جديدة.
ولم يكن أكثر ما يقلقها هو احتمال وجود فساد داخل الشركة، بل أن يكون والدها قد عرف شيئًا عن ذلك قبل موته.
توقفت عند صورة قديمة كانت تحتفظ بها داخل الدفتر. ظهر والدها فيها مبتسمًا، واضعًا يده على كتفها وهي طفلة صغيرة. لم تكن تتذكر كثيرًا من تفاصيل سنواتها الأولى، لكنها تذكرت جيدًا خوفه في أيامه الأخيرة، وطريقته الغريبة في إخفاء الأوراق كلما اقترب أحد من مكتبه.
همست بحزن:
— ماذا كنت تحاول أن تخفي عنا يا أبي؟
لم يجبها سوى الصمت.
أعادت الصورة إلى مكانها، ثم فتحت حاسوبها المحمول وراجعت ملاحظاتها للمرة الأخيرة. لم تكن تملك رفاهية التراجع. فعملها الجديد هو مصدر دخلها الأساسي، ووالدتها تحتاج إلى علاج منتظم، وآدم لا يزال في بداية حياته.
أما عاصر الراوي، فكان مشكلة مختلفة تمامًا.
أغمضت عينيها لحظة، فعادت إليها ذكرى اقترابه منها في مكتبه، ونظرته التي فقدت برودها المعتاد للحظات قصيرة.
شعرت بالضيق من نفسها.
لم يكن من حقها أن تنجرف وراء رجل لا تعرف عنه سوى ما يسمح لها برؤيته. والأهم أنه رجل متزوج، مهما حاولت تجاهل هذه الحقيقة حين تقف أمامه.
أغلقت الحاسوب ونهضت.
كانت تستطيع أن تواجه الغموض، وأن تتحمل قسوة الحقيقة إن ظهرت، لكنها لم تكن مستعدة لأن تتحول إلى سر في حياة رجل آخر.
---
عندما عاد عاصر إلى منزله، كان الليل قد تجاوز منتصفه.
استقبله الهدوء الذي اعتاد أن يجده في البيت، لكنه لم يعد هدوءًا مريحًا. كان أقرب إلى صمت طويل تراكمت تحته خلافات لم يجرؤ أي منهما على فتحها حتى النهاية.
وجد نادين في غرفة الجلوس، تجلس أمام المدفأة، وأمامها كأس لم تمسّه. كانت ترتدي ثوبًا أنيقًا، وقد صففت شعرها بعناية، لكن عينيها كانتا تحملان ضيقًا لم يخفه المكياج.
رفعت رأسها حين دخل.
— هل تدرك كم الساعة الآن؟
خلع عاصر سترته ووضعها على المقعد.
— لدي عمل كثير.
— هذه الإجابة نفسها منذ سنوات. ألا تملك إجابة أخرى؟
نظر إليها للحظات، ثم اتجه نحو الطاولة ليصب لنفسه الماء.
— إذا كنت تريدين مناقشة أمر معين، فأنا أستمع إليك.
ضحكت نادين بمرارة.
— بل أنت تسمع الكلمات، يا عاصر. أما أنا، فلا أعتقد أنك تسمعني حقًا.
استدار إليها.
— ماذا تقصدين؟
نهضت من مقعدها، واقتربت منه بخطوات متزنة، لكنها توقفت قبل أن تصل إليه.
— أقصد أنني لم أعد أعرف مكاني في حياتك. أحيانًا تتصرف وكأن وجودي أهم ما تملكه، وأحيانًا أخرى تجعلني أشعر بأنني عبء تريد التخلص منه. تقترب حين تشاء، وتبتعد حين تشاء، ثم تتوقع مني أن أظل في مكاني، مبتسمة، وكأن شيئًا لم يحدث.
وضع عاصر الكأس على الطاولة.
— لم أمنعك يومًا من فعل ما تريدين، ولم أقصّر في مسؤولياتي تجاهك.
تغيرت ملامحها.
— هل هذا كل ما يعنيه الزواج بالنسبة إليك؟ أن توفر لي المال، وأن تترك لي حرية اختيار ملابسي ومواعيدي، ثم تعتبر أنك أديت واجبك؟
— لم أقل ذلك.
— لكنك تتصرف على هذا الأساس!
ارتفع صوتها للمرة الأولى، فظل عاصر صامتًا، يراقبها بعينين ضيقتين.
تابعت، وقد بدأ الغضب يكشف عن ألم قديم:
— أتذكر الأشهر الأولى من زواجنا؟ كنت تسألني عن كل شيء، حتى عن التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد. كنت أظن أنك تريد أن تعرفني، وأنني سأصبح يومًا الشخص الذي تعود إليه حين تتعب من العالم. ثم تحولت إلى رجل لا أعرف متى أراه، ولا متى أستطيع التحدث معه، ولا حتى متى يصبح وجودي مقبولًا لديه.
اقترب عاصر خطوة.
— لقد تغيرت ظروفنا.
— بل تغيرت أنت.
أصابته كلماتها في موضع لم يكن مستعدًا للدفاع عنه. لم تكن نادين امرأة بريئة من الأخطاء، وكان يعلم أنها كثيرًا ما استخدمت المال والمكانة لتفرض رغباتها، لكنه لم يستطع إنكار أن بروده ساهم في تحويل زواجهما إلى علاقة خاوية من الطمأنينة.
قال بعد صمت:
— ما الذي تريدينه مني الآن؟
نظرت إليه طويلًا.
— أريد أن أعرف إن كنت لا تزال تريد هذا الزواج.
لم يجب.
كانت ثوانٍ قليلة، لكنها بدت لها أطول من سنوات كاملة.
ابتسمت ابتسامة مرتجفة، ثم هزت رأسها.
— حتى هذا السؤال لم تعد تملك إجابة عنه.
— نادين...
— لا، دعني أكمل. لقد تعبت من أن أكون الزوجة التي تظهر إلى جوارك أمام الناس، ثم تعود إلى غرفتها لتتساءل إن كان زوجها يتذكر أصلًا أنها موجودة. أنا لا أريد رجلًا يشتري لي كل ما أطلبه. أريد رجلًا يختار البقاء معي، حتى حين لا يكون هناك ما يجبره على ذلك.
مد عاصر يده نحوها، لكنها ابتعدت.
— لا تحاول تهدئتي الآن. لقد فعلت ذلك مرات كثيرة، وفي كل مرة كنت أعود إلى المكان نفسه.
— إذن ما الحل في رأيك؟
انخفض صوتها، لكنه أصبح أكثر حسمًا:
— أن تتوقف عن معاملتي وكأنني جزء مضمون من حياتك، مهما فعلت أو أهملت. لأنك قد تستيقظ يومًا وتكتشف أنني لم أعد أنتظرك.
صعدت الدرج دون أن تلتفت.
ظل عاصر واقفًا مكانه، ينظر إلى الفراغ الذي تركته خلفها.
كان يستطيع أن يغضب، وأن يتهمها بالمبالغة، وأن ينهي النقاش بالطريقة التي اعتادها. لكنه أدرك أن المشكلة لم تكن في كلماتها وحدها، بل في أنه لم يعد يعرف كيف يجيب عنها بصدق.
جلس على الأريكة، وأخفى وجهه بين يديه للحظات.
ثم أخرج هاتفه، وفتح المحادثة الأخيرة مع ليال.
قرأ رسالتها أكثر من مرة، لكنه لم يكتب شيئًا.
لم يكن من حقه أن يطلب منها الثقة، بينما حياته نفسها تقف فوق أرض لم يعد واثقًا من صلابتها.
---
في صباح اليوم التالي، وصلت ليال إلى الشركة قبل موعدها المعتاد.
كانت قد قررت أن تبدأ يومها بمراجعة الأرشيف المالي، لكن موظف الاستقبال أوقفها قبل أن تصل إلى المصعد.
— السيدة ليال منصور؟
التفتت إليه.
— نعم، أنا.
— طلب الأستاذ عاصر حضورك إلى مكتبه فور وصولك.
أومأت، ثم تابعت طريقها.
عندما دخلت المكتب، وجدته واقفًا أمام النافذة، وقد وضع على الطاولة ملفًا سميكًا. استدار إليها بمجرد سماع الباب.
— اجلسي، من فضلك.
تأملت وجهه لحظة قبل أن تجلس.
— يبدو أن الأمر مهم.
دفع الملف نحوها.
— راجعت بعض العقود التي أشرتِ إليها. هناك تحويلات مالية لم تُسجل في التقارير السنوية، كما أن توقيعات الموافقة على بعضها تعود إلى فترة كان والدي لا يزال يدير فيها الشركة.
توقفت ليال عن الحركة.
— هل تعني أن والدك كان يعرف بهذه التحويلات؟
— لا أملك دليلًا يثبت ذلك حتى الآن.
— لكنه احتمال قائم.
— نعم.
فتحت الملف، وأخذت تتفحص الصفحات بعناية. كانت الأرقام متقاربة، والتواريخ متباعدة على نحو مدروس، وكأن من أعد هذه السجلات أراد أن يجعل كل عملية تبدو قانونية إذا نُظر إليها منفردة.
قالت وهي تشير إلى أحد المستندات:
— انظر إلى هذه الشركة. اسمها مختلف، لكن رقم الحساب المصرفي يتكرر في مستندين آخرين. لقد مرّت الأموال من خلالها قبل أن تختفي من السجلات.
اقترب عاصر من الطاولة، وانحنى قليلًا ليرى ما تشير إليه.
— هل أنت متأكدة؟
رفعت عينيها إليه.
— لا أضع اتهامات بناءً على التخمين. أقول إن هناك رابطًا يجب التحقق منه.
استقام في وقفته، ثم نظر إليها باهتمام لم يستطع إخفاءه.
— لهذا السبب طلبت حضورك. أريدك أن تراجعي هذه العقود، لكنني لا أريدك أن تتواصلي مع أي شخص خارج الإدارة القانونية قبل أن نعرف من يقف وراء هذه العمليات.
عقدت ذراعيها أمام صدرها.
— سأراجع المستندات، لكنني أرفض أن أعمل في الظلام. إذا كان هناك ما يتعلق بوالدي، فمن حقي أن أعرفه.
— وإذا كان ما ستكتشفينه يضعك في خطر؟
— فهذا لا يمنحك الحق في إخفاء الحقيقة عني.
تبادلا نظرة طويلة.
كان في عينيها ذلك الإصرار الذي أثار غضبه في البداية، لكنه أصبح الآن أحد الأسباب التي جعلته يثق بقدرتها على رؤية ما عجز الآخرون عن رؤيته.
قال أخيرًا:
— لن أخفي عنك ما يخص التحقيق، ما دمتِ لا تتسرعين في إصدار الأحكام.
أغلقت الملف.
— وأنا لن أتهم أحدًا قبل أن أملك الدليل. لكنني لن أتراجع أيضًا.
كادت ابتسامة صغيرة تظهر على شفتيه، إلا أنه أخفاها سريعًا.
— يبدو أننا اتفقنا أخيرًا على شيء.
نهضت ليال، وجمعت الأوراق أمامها.
— لا تتعجل الاحتفال، أستاذ عاصر. الاتفاق على العمل لا يعني أنني نسيت ما حدث في مكتبك.
اختفت ابتسامته.
لم تكن قد قالت شيئًا صريحًا، ومع ذلك شعر بأن المسافة بينهما تقلصت للحظة، ثم عادت لتتسع عمدًا.
قال بصوت منخفض:
— لم أطلب منك أن تنسي.
توقفت يدها فوق مقبض الحقيبة، لكنها لم تنظر إليه.
— جيد. لأنني لا أحب أن يتصرف أحد وكأن الأمور تحدث ثم تختفي من تلقاء نفسها.
غادرت المكتب، تاركة خلفها عاصر يحدق في الباب المغلق.
كان يعرف أنها محقة، وكان يعرف أيضًا أن تجاهل ما حدث بينهما لن يجعله أقل حقيقة.
لكن قبل أن يتمكن من العودة إلى عمله، رن هاتفه الداخلي.
— سيدي، هناك أمر عاجل في الأرشيف القديم.
تغيرت ملامحه.
— ما الأمر؟
— أحد الملفات التي طلبتم مراجعتها اختفى من مكانه، وهناك موظف يؤكد أنه سلّمه إلى الإدارة قبل يومين، لكن سجل الاستلام لا يحتوي على أي توقيع.
نهض عاصر فورًا.
— لا تسمحوا لأحد بمغادرة المبنى قبل مراجعة السجلات.
— هناك أمر آخر يا سيدي.
— تفضل.
تردد الموظف قبل أن يتابع:
— الملف المختفي يحمل اسم والد الآنسة ليال منصور.
---
في الطابق الإداري، كانت ليال قد وصلت إلى مكتبها حين وجدت ظرفًا بنيًا موضوعًا فوق لوحة المفاتيح.
لم يكن عليه اسم مرسل، ولم يحمل أي علامة تدل على الجهة التي أرسلته.
نظرت حولها. كان الممر هادئًا، والموظفون منشغلين بأعمالهم، ولم يبدُ أن أحدًا لاحظ وصول الظرف.
فتحته بحذر.
في داخله نسخة من مستند قديم، وصورة فوتوغرافية باهتة لثلاثة رجال يقفون أمام مبنى الشركة. تعرّفت إلى والدها فورًا، كما تعرّفت إلى فؤاد الشربيني، الذي بدا أصغر سنًا بكثير مما هو عليه الآن.
أما الرجل الثالث، فقد احتاجت إلى عدة ثوانٍ لتستوعب هويته.
كان والد عاصر الراوي.
قلبت الصورة، فوجدت كتابة قصيرة على ظهرها:
«اسألي عاصر عن الصفحة الأخيرة، قبل أن يقرر أحدهم إسكاتك كما أسكتوا والدك.»
شعرت بأن الدم انسحب من وجهها.
لم يكن التهديد هو ما أخافها، بل العبارة التي ربطت وفاة والدها بعائلة الراوي، وبصفحة لم ترها من التقرير حتى الآن.
رفعت هاتفها لتتصل بعاصر، لكنها توقفت قبل الضغط على اسمه.
كيف ستسأله عن أبيه دون أن تتهمه بشيء لا تعرف حقيقته؟
وقبل أن تتخذ قرارها، ظهر إشعار على شاشة حاسوبها.
تم حذف الملف المرتبط بالتقرير القديم نهائيًا من خادم الأرشيف.
تجمدت عيناها أمام الشاشة.
في اللحظة نفسها، فُتح باب مكتبها بعنف.
كان عاصر واقفًا عند المدخل، ووجهه أشد صرامة مما رأته من قبل.
قال دون مقدمات:
— أريد أن أعرف كل ما وصلك هذا الصباح، يا ليال.
رفعت الصورة ببطء.
— يبدو أننا نبحث عن الحقيقة نفسها، لكنني بدأت أشك في أن أحدنا يعرف عنها أكثر مما يقول.
نظر عاصر إلى الصورة.
وحين وقعت عيناه على وجه والده، تبدل شيء في ملامحه.
لم يكن ذلك مجرد دهشة.
كان خوفًا حقيقيًا، خاطفًا، لم يستطع إخفاءه بالسرعة الكافية.
لاحظته ليال.
وللمرة الأولى، لم تعد متأكدة من أن الرجل الواقف أمامها يحاول كشف الحقيقة معها.
ربما كان يحاول الوصول إليها قبل أن تصل هي إليه.
خلف الأبواب المغلقةلم يكن عاصر الراوي معتادًا على فقدان السيطرة.طوال خمسة وأربعين عامًا، تعلّم أن الحياة لا تمنح شيئًا لمن ينتظر، وأن الرجال الذين يترددون يخسرون قبل أن تبدأ المعركة. بنى إمبراطوريته بيديه، وأخضع منافسيه ببرود أعصاب لا يعرف الرحمة، واعتاد أن تكون الكلمة الأخيرة له في كل مكان يدخله.لكن امرأة واحدة نجحت، في وقت قصير على نحو أثار غضبه، في زعزعة ذلك اليقين الراسخ داخله.ليال منصور.لم يكن اسمها وحده هو ما يزعجه، بل تلك النظرة التي رمقته بها قبل أن تغادر مكتبه؛ نظرة لم تحمل خوفًا ولا خضوعًا، ولم تتوسل إليه أن يفسر ما حدث بينهما. لقد تركته واقفًا أمام حقيقة لم يرغب في مواجهتها: أنه، للمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن متأكدًا من قراره التالي.جلس خلف مكتبه، وأعاد فتح الملف المالي الذي أرسله إليه مدير الإدارة القانونية. كانت الأرقام واضحة، والتحويلات موثقة، لكن هناك فجوة صغيرة في السجلات تتكرر كلما اقترب من الحسابات التي أشارت إليها ليال.فجوة لم يستطع أحد تفسيرها.رفع سماعة الهاتف واتصل بمدير الأمن.— أريد تقريرًا كاملًا عن الرجل الذي ظهر في تسجيلات الطابق الإداري ليلة أمس.جا
قبلة أشعلت الخطيئةلم يكن عاصِر الراوي يؤمن بالمصادفات، لكنه وجد نفسه أمام مصادفة أكبر من أن يتجاهلها، وأخطر من أن يصدقها.والد ليال منصور مات بعد تقديم بلاغ سري يتعلق بتحويلات مالية مرتبطة بشركته، ووالده كان آخر من تسلّم الصفحة المفقودة من تقرير التحقيق.أعاد قراءة الرسالة، ثم أغلق الحاسوب بعنف.هل كان والده متورطًا في جريمة؟ أم أنه اكتشفها وحاول إيقافها؟ ولماذا ظهرت ليال في حياته الآن، بعد سنوات من اختفاء الأدلة؟فتح هاتفه واتصل بمساعده.«أريد اسم المحقق الذي تولّى قضية وفاة والد ليال. أريد كل المستندات الأصلية، لا النسخ الموجودة في الأرشيف. وإذا حاول أحد تعطيلك، فأخبرني باسمه.»جاءه الرد مترددًا:«هناك مشكلة أخرى، سيدي. المحقق توفي منذ أربع سنوات، لكننا وجدنا اسمًا في ملاحظاته الأخيرة. اسم شخص لا يزال يعمل في شركتكم.»تصلّبت ملامح عاصِر.«من؟»«مدير الإدارة المالية، السيد فؤاد الشربيني.»ظل عاصِر صامتًا لحظة، ثم قال:«لا تواجهه. راقبه فقط، ولا تدعه يعرف أننا نبحث وراءه.»أنهى المكالمة، ونهض متجهًا نحو النافذة.كان فؤاد من أقدم موظفي الشركة، ورجلًا وثق به عاصِر لسنوات. وإذا كان متور
على حافة الخطرلم ينم عاصِر الراوي تلك الليلة.ظل جالسًا في مكتبه الخاص، أمامه الصورة القديمة التي وصلته من الرقم المجهول، بينما تتردد في رأسه كلمات الرسالة كأنها إهانة شخصية لا يستطيع التغاضي عنها.«اسأل ليال منصور عمّا أخفاه والدها قبل موته.»كان والد ليال قد مات منذ سنوات، ووالده هو الآخر رحل تاركًا وراءه أسرارًا لم يستطع عاصِر الوصول إلى حقيقتها. فهل كانت المصادفة قد جمعت ابنة رجل مجهول برجل يحمل اسم عائلته؟ أم أن أحدهم رتّب كل شيء بعناية؟رفع هاتفه واتصل بمساعده.«أريد ملفًا كاملًا عن والد ليال منصور، من تاريخ عمله حتى وفاته. لا تترك تفصيلًا صغيرًا، ولا تخبر أحدًا بسبب البحث.»جاءه صوت مساعده مترددًا:«هل تتوقع أن تكون الآنسة ليال متورطة، سيدي؟»أجاب عاصِر ببرود:«أتوقع أن هناك شخصًا يحاول إقناعي بشيء. وأنا لا أثق بأحد قبل أن أرى الحقيقة.»أنهى المكالمة، ثم نظر إلى الساعة.كانت السادسة صباحًا.وعلى الرغم من أنه لم ينم، اتخذ قراره: ستعود ليال إلى الشركة في الموعد المعتاد، وستعمل تحت نظره مباشرة، حتى يعرف إن كانت ضحية المؤامرة أم جزءًا منها.لكنه لم يكن مستعدًا لما سيحدث حين يراها.
حين تقترب النارلم يعتد عاصِر الراوي أن يفقد السيطرة على شيء، لا على شركاته، ولا على الرجال الذين يعملون تحت إمرته، ولا حتى على حياته الخاصة التي أحكم إغلاق أبوابها منذ سنوات. لكن المكالمة الأخيرة تركت في صدره شعورًا ثقيلًا لم يستطع تجاهله؛ فاسم والده لم يكن مجرد ذكرى، بل جرحًا قديمًا أخفاه خلف المال والنفوذ.أما ليال، فلم تكن تفكر في الماضي بقدر ما كانت تخشى على حاضرها.وقفت أمام النافذة في مكتبه، تضم حقيبتها إلى صدرها، وتراقب السيارات المتحركة في الأسفل. كان هاتفها بين يديها، وقد حاولت الاتصال بشقيقها ثلاث مرات دون إجابة.استدار عاصِر من خلف مكتبه حين لاحظ ارتباكها.«ما الأمر؟»التفتت إليه سريعًا.«أخي لا يجيب عن اتصالاتي. ربما يكون في الجامعة، لكنني لا أستطيع التوقف عن التفكير في كلامك عن مراقبة منزلي.»نهض عاصِر، وأخذ هاتفه من فوق المكتب.«أرسلت رجلًا إلى منزلك، وسيتصل بي بمجرد وصوله.»«وأنت تتوقع أن أهدأ لمجرد أنك أرسلت رجلًا؟ أنت لا تعرف عائلتي، ولا تعرف ما الذي قد يحدث لأمي لو أصابها مكروه.»توقف أمامها، وكانت المسافة بينهما أقصر مما انتبهت إليه.«أعرف أنك خائفة.»ضحكت بمرارة.
المتهمة التي لم تنحنِ«لن أغادر هذا المكتب باعتباري سارقة!»دوّى صوت ليال في المكان، فتوقفت مسؤولة الأمن عند الباب، بينما تبادل الرجلان القادمَان من الإدارة المالية نظرات قلقة. أما عاصِر الراوي، فظل واقفًا أمامها بملامحه الجامدة، كأن اعتراضها لم يكن سوى ضجيج لا يستحق الالتفات إليه.قال ببرود: «أنتِ لستِ في موقع يسمح لكِ بفرض الشروط.»«وأنت لست في موقع يسمح لك بإدانتي قبل التحقيق! إذا كان لديك دليل، فاعرضه أمامي. أما أن تحاصرني وتمنعني من المغادرة، ثم تتوقع مني أن أقف صامتة، فهذا لن يحدث.»اقترب عاصِر من المكتب، ووضع كفيه فوقه، محدقًا في عينيها.«الملف السري حُمّل باستخدام حسابك الشخصي، وفي اللحظة نفسها اختفت النسخة الأصلية من النظام. هل تريدين مني أن أصدق أن الأشباح فعلت ذلك؟»أجابته دون تردد: «أريدك أن تصدق أن الأنظمة الإلكترونية يمكن اختراقها، وأن الحسابات يمكن استخدامها دون علم أصحابها. وإذا كنت تدير شركة بهذا الحجم ولا تعرف ذلك، فهذه مصيبة أكبر من اختفاء ملف.»تجمدت ملامح الرجل الواقف خلف عاصِر، وكأنه كان ينتظر منها أن تبكي أو تتوسل، لا أن تواجه رئيس الشركة بهذه الجرأة.أما عاصِر،
خطيئة عند البابلم تكن ليال منصور تعرف أن أسوأ قرارات حياتها سيبدأ ببابٍ زجاجيٍّ فاخر، ورجلٍ ذي شعرٍ فضيٍّ ينظر إليها كما لو أنها خطأٌ ينبغي محوه من الوجود.في السابعة وخمسٍ وأربعين دقيقة من صباح يومها الأول في شركة الراوي للاستثمارات، كانت تركض عبر الشارع المزدحم، تحتضن حقيبتها إلى صدرها، بينما تتعثر خطواتها بحذائها الذي اختارت ارتداءه رغم الألم الذي يسببه لها.لم تنم سوى ساعتين؛ فقد قضت ليلتها بين والدتها المريضة التي لم تتوقف عن السعال، وشقيقها الأصغر الذي يحتاج إلى مصروف دراسته، وفواتير تراكمت حتى باتت تخشى النظر إليها. كانت هذه الوظيفة فرصتها الأخيرة لتمنع البيت الصغير من الانهيار فوق رؤوس ساكنيه.وحين وصلت أخيرًا إلى مدخل البرج الزجاجي، اصطدمت بكتف رجلٍ خارج من الباب، فسقطت أوراقها أرضًا، وانسكب بعض القهوة التي تحملها على كمّ معطفه الأسود.ساد الصمت.رفعت عينيها، فرأت رجلًا طويلًا عريض الكتفين، يرتدي بدلة سوداء مفصّلة بعناية، وتنسدل فوق جبهته خصلات فضية زادته هيبةً وقسوة. لم يكن في ملامحه ما يوحي بأنه اعتاد الاعتذار؛ بل بدا كأن العالم بأكمله وُجد كي يفسح له الطريق.تأمل البقعة ا







