Share

الفصل الخامس

last update publish date: 2026-10-17 02:52:41

قبلة أشعلت الخطيئة

لم يكن عاصِر الراوي يؤمن بالمصادفات، لكنه وجد نفسه أمام مصادفة أكبر من أن يتجاهلها، وأخطر من أن يصدقها.

والد ليال منصور مات بعد تقديم بلاغ سري يتعلق بتحويلات مالية مرتبطة بشركته، ووالده كان آخر من تسلّم الصفحة المفقودة من تقرير التحقيق.

أعاد قراءة الرسالة، ثم أغلق الحاسوب بعنف.

هل كان والده متورطًا في جريمة؟ أم أنه اكتشفها وحاول إيقافها؟ ولماذا ظهرت ليال في حياته الآن، بعد سنوات من اختفاء الأدلة؟

فتح هاتفه واتصل بمساعده.

«أريد اسم المحقق الذي تولّى قضية وفاة والد ليال. أريد كل المستندات الأصلية، لا النسخ الموجودة في الأرشيف. وإذا حاول أحد تعطيلك، فأخبرني باسمه.»

جاءه الرد مترددًا:

«هناك مشكلة أخرى، سيدي. المحقق توفي منذ أربع سنوات، لكننا وجدنا اسمًا في ملاحظاته الأخيرة. اسم شخص لا يزال يعمل في شركتكم.»

تصلّبت ملامح عاصِر.

«من؟»

«مدير الإدارة المالية، السيد فؤاد الشربيني.»

ظل عاصِر صامتًا لحظة، ثم قال:

«لا تواجهه. راقبه فقط، ولا تدعه يعرف أننا نبحث وراءه.»

أنهى المكالمة، ونهض متجهًا نحو النافذة.

كان فؤاد من أقدم موظفي الشركة، ورجلًا وثق به عاصِر لسنوات. وإذا كان متورطًا فعلًا، فهذا يعني أن الخيانة كانت أقرب إليه مما تخيل.

لكن السؤال الذي لم يستطع تجاهله كان متعلقًا بليال.

هل جاءت إلى شركته بحثًا عن الحقيقة، أم أن أحدًا دفعها إلى هناك لتصبح جزءًا من لعبة أكبر؟

---

في صباح اليوم التالي، دخلت ليال مكتبه حاملة ملفًا ضخمًا.

«انتهيت من مراجعة العقود التي طلبتها.»

لم يلتفت إليها فورًا.

«ضعيها هناك.»

وضعت الملف، لكنها لم تغادر.

رفع عينيه إليها.

«هل هناك شيء آخر؟»

«نعم. وجدت ثلاث عقود تتعلق بالشركة الوهمية نفسها التي اكتشفناها سابقًا. والأغرب أن التوقيعات عليها تمت في تواريخ متقاربة، مع أن أحد الأطراف كان خارج البلاد وفقًا لسجلات السفر.»

اعتدل في جلسته.

«هل أنتِ متأكدة؟»

«راجعت المستندات مرتين، وقارنت الأرقام بأرشيف المدفوعات. هناك من استخدم اسم الشركة لتغطية تحويلات غير مشروعة، لكنني لم أستطع تحديد المستفيد النهائي.»

سحب الملف، وأخذ يتصفح الصفحات بسرعة.

ثم توقف عند توقيع في أسفل إحدى الوثائق.

كان توقيع والده.

شعر كأن شيئًا باردًا انغرس في صدره.

لاحظت ليال تغير وجهه.

«ما الأمر؟»

أغلق الملف.

«لا شيء.»

عقدت حاجبيها.

«أنت سيئ جدًا في إخفاء ما يزعجك.»

رفع نظره إليها بحدة.

«وأنتِ سيئة جدًا في معرفة متى ينبغي أن تصمتي.»

تراجعت ملامحها للحظة، ثم قالت بهدوء:

«ربما. لكنني لم آتِ إلى هنا لأكون هدفًا لغضبك كلما وجدت شيئًا لا يعجبك.»

نهض عاصِر.

«أنتِ لا تعرفين ما الذي وجدتِه.»

«إذن أخبرني.»

«ليس كل شيء من شأنك.»

نظرت إليه طويلًا، ثم أومأت ببطء.

«حسنًا. عندما تقرر أن تثق بي بما يكفي لتخبرني بالحقيقة، ستجدني هنا. أما إذا كنت تريد موظفة تنفذ الأوامر دون أن تفكر، فربما أخطأت في اختياري.»

استدارت نحو الباب.

«ليال.»

توقفت.

ظل ينظر إليها لثوانٍ، قبل أن يقول:

«أريدك أن تراجعي هذه الوثائق معي الليلة. سنبقى حتى نعرف إلى أين تقودنا.»

التفتت إليه.

«حتى الليل؟»

«هل لديكِ ارتباط؟»

«لدي حياة خارج هذا المكتب، بالمناسبة.»

«لم أقصد ذلك.»

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

«أعرف. لكنني أحب تذكيرك به من حين إلى آخر.»

خرجت، وبقي عاصِر يتابعها بعينين ضاقتا قليلًا.

كانت تثير أعصابه بطريقة لا يفعلها أحد غيرها، والمشكلة أنه بدأ يعتاد وجودها أكثر مما ينبغي.

---

عند السادسة مساءً، كانت معظم المكاتب قد أُغلقت، وخفتت الحركة في الطوابق العليا، بينما بقي الضوء مشتعلًا في المكتب التنفيذي.

جلست ليال أمام الطاولة، تحيط بها الوثائق، وقد نزعت سترة عملها ووضعتها على ظهر المقعد. أما عاصِر، فكان واقفًا إلى جوار النافذة، يتحدث عبر الهاتف بصوت منخفض.

«لا أريد أي تسريب للمعلومات. إذا عرف فؤاد أننا نراجع العقود، فقد يختفي قبل أن نصل إلى شيء.»

أنهى المكالمة، ثم عاد إلى المكتب.

رفعت ليال رأسها.

«هل تشك في مدير الإدارة المالية؟»

توقف.

«من أخبرك بذلك؟»

«لم يخبرني أحد. أنت تتصرف كرجل يحاول الإمساك بشخص قريب منه، ولا يريد أن يصدّق أنه قد يكون خائنًا.»

حدّق فيها طويلًا.

«هل تفكرين دائمًا بهذه الطريقة؟»

«عندما لا يعطيني أحد إجابات واضحة، نعم.»

جلس قبالتها، وأدار إحدى الوثائق نحوها.

«هذا توقيع والدي. ظهر في تقرير قديم مرتبط بالتحويلات نفسها.»

تلاشت ابتسامتها.

«هل تعتقد أنه كان متورطًا؟»

«لا أعرف.»

كانت تلك أول مرة تسمعه يعترف بجهله دون أن يحاول تغطيته بالغضب.

أمعنت النظر في التوقيع.

«ربما كان يحاول إيقاف الأمر. وجود توقيعه لا يعني أنه ارتكب الجريمة.»

رفع عاصِر عينيه إليها.

«لماذا تدافعين عنه؟»

«أنا لا أدافع عنه. أحاول ألا أتهم رجلًا ميتًا قبل أن أعرف الحقيقة. أليس هذا ما كان ينبغي أن تفعله معي منذ البداية؟»

أصابته كلماتها في موضع حساس.

أغلق الملف ببطء.

«أنتِ محقة.»

رفعت رأسها، وكأنها لم تتوقع سماع ذلك.

تابع بنبرة هادئة:

«لقد استعجلت الحكم عليكِ.»

صمتت لحظة، ثم قالت:

«هل هذه طريقتك في الاعتذار؟»

نظر إليها، وظهرت في عينيه لمحة ساخرة.

«هل تريدين اعتذارًا مكتوبًا وموقّعًا؟»

ضحكت رغمًا عنها.

«ربما أعلقه على باب مكتبي حتى أتأكد أنك لم تتراجع عنه غدًا.»

ابتسم عاصِر ابتسامة حقيقية هذه المرة.

«أنتِ لا تفوّتين فرصة واحدة.»

«وأنت لا تعتذر إلا بعد معركة طويلة.»

ساد بينهما صمت مختلف؛ لم يكن صمتًا عدائيًا، بل مساحة صغيرة من الراحة لم يعتد أيٌّ منهما وجودها مع الآخر.

ثم مد عاصِر يده نحو الوثيقة التي تحملها ليال في اللحظة نفسها التي مدت فيها يدها إليها.

تلامست أصابعهما.

كان تماسًا عابرًا، لا يستحق أكثر من سحب اليدين والعودة إلى العمل، لكن ليال رفعت عينيها نحوه، فوجدته ينظر إليها بدلًا من الورقة.

سحبت يدها أولًا.

«يبدو أننا لن ننتهي الليلة إذا واصلنا هذا التحديق.»

قال بصوت أخفض:

«ربما المشكلة ليست في التحديق.»

لم تجبه.

ولم يكن هو مستعدًا لتفسير ما قاله.

---

عند التاسعة، اكتشفت ليال أن إحدى الوثائق تشير إلى مستودع قديم مملوك لشركة تابعة لمجموعة الراوي، وأن الموقع ذاته ورد في ملاحظات والدها المحفوظة داخل أرشيف العقود.

نهضت بحماس.

«وجدت شيئًا! المستودع القديم في المنطقة الصناعية. إنه مذكور في الوثيقة مرتين، وفي كل مرة يظهر بجوار تحويل مالي ضخم.»

أخذ عاصِر الورقة منها، ثم قرأ التفاصيل.

«المستودع مغلق منذ سنوات.»

«إذن لماذا استمرت التحويلات؟»

نظر إليها، ثم اتجه نحو خزانة جانبية وأخرج معطفه.

«سنذهب إليه.»

اتسعت عيناها.

«الآن؟»

«هل تفضلين الانتظار حتى يكتشف الشخص الذي يعبث بالملفات أننا اقتربنا منه؟»

لم تستطع الاعتراض.

بعد نصف ساعة، وصلا إلى المستودع برفقة حارس واحد، لكنهما لم يجدا سوى أبواب صدئة وغبار يغطي المكان. أضاء عاصِر مصباح هاتفه، بينما أخذت ليال تتفحص الممر الجانبي.

وفجأة، سمعا صوت ارتطام قوي خلفهما.

استدار عاصِر بسرعة.

«ليال، تعالي إلى هنا!»

لكنها كانت قد اقتربت من باب معدني نصف مفتوح، فرأت ظلًا يتحرك خلفه.

«هناك شخص!»

اندفع عاصِر نحوها، وفي اللحظة نفسها انطفأت المصابيح، وغرق المكان في الظلام.

سمعا خطوات تركض، ثم صوت باب يُغلق بعنف.

أمسك عاصِر بيد ليال وسحبها خلف عمود خرساني، بينما انطلق صوت ارتطام آخر قريب منهما.

حبست أنفاسها.

«ماذا يحدث؟»

«لا أعرف. ابقي خلفي.»

أضاء مصباح هاتفه، فظهرت أمامهما عربة معدنية سقطت من فوق منصة مرتفعة، وعلى الأرض ورقة مطوية.

التقطها عاصِر، وفتحها.

كانت تحمل جملة واحدة:

«ابحث عن الصفحة التي أخفاها والدك، قبل أن تعرف ليال ما فعله باسمها.»

تبادل الاثنان النظرات.

هذه المرة، لم يعد الأمر متعلقًا بتحويلات مالية فحسب.

كان هناك شخص يعرف اسم ليال، ويعرف ماضي والدها، ويعرف أن عاصِر يبحث عن الحقيقة.

وفي طريق العودة، لم يتحدث أيٌّ منهما كثيرًا. لكن حين وصلا إلى الشركة، اكتشفا أن أحدهم اقتحم المكتب التنفيذي، وترك الملفات مبعثرة فوق الأرض.

أما الحاسوب، فقد ظهرت على شاشته رسالة جديدة:

«المهلة انتهت. في المرة القادمة، لن يكون التحذير على ورقة.»

---

كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل حين وقفت ليال في مكتب عاصِر، تحدق في الرسالة، بينما وقف هو خلفها، وملامحه أشد قسوة من أي وقت مضى.

قالت بصوت متوتر:

«لم يعد الأمر يخصني وحدي. هذا الشخص يعرف أين نذهب، ويعرف ما الذي نبحث عنه. هناك من يراقبنا.»

أجابها:

«أعرف.»

استدارت إليه.

«إذن توقف عن التعامل معي وكأنني مجرد موظفة يمكنك إبعادها عن الطريق متى شئت. إذا كان اسم أبي مرتبطًا بهذه القضية، فأنا أملك الحق في معرفة الحقيقة.»

اقترب عاصِر منها.

«وأنا لن أسمح لكِ بأن تعرضي حياتك للخطر من أجل إجابات قد تدمرك.»

«هذا قراري.»

«ليس عندما تكون حياتك مهددة.»

رفعت ذقنها متحدية.

«أنت لا تملك حياتي يا عاصِر.»

كانت تلك أول مرة تناديه باسمه دون لقب.

توقف عند سماع اسمه من شفتيها، وشعر بأن الجملة التي كان يستعد لقولها اختفت من ذهنه.

لاحظت ليال صمته، فتابعت بصوت أكثر هدوءًا:

«أعرف أنك تحاول حمايتي، لكنني لا أريد حارسًا يقرر عني. أريد شخصًا يثق بي.»

قال بعد لحظة:

«الثقة ليست أمرًا سهلًا بالنسبة إليّ.»

«ولا بالنسبة إليّ. لكنني لا أستطيع أن أعيش بقية حياتي أدفع ثمن خوف الآخرين.»

ظلت تنظر إليه، ورأت في عينيه صراعًا لم تفهمه بالكامل؛ رجل اعتاد أن يحكم كل شيء، يجد نفسه أمام امرأة لا تطلب منه أن ينقذها، بل أن يعترف بأنها قادرة على الوقوف إلى جواره.

خفض عاصِر صوته.

«أنتِ تجعلين الأمور أكثر صعوبة مما ينبغي.»

ابتسمت ابتسامة خافتة.

«ربما لأنك اعتدت أن تكون الأمور سهلة مع الجميع.»

«ليس مع الجميع.»

توقفت ابتسامتها.

كان صوته مختلفًا، ونظرته أكثر ثباتًا، حتى إنها شعرت بأن المسافة بينهما لم تعد مجرد خطوات قليلة تفصل موظفة عن رئيسها.

اقتربت من مكتبه، ثم استدارت وجلست على حافته، وقد عقدت ذراعيها أمامها.

«إذن أخبرني يا عاصِر، لماذا يبدو أنك تفقد أعصابك كلما اقتربتُ منك؟»

لم يتحرك.

«أنتِ تتخيلين أشياء لا وجود لها.»

مالت برأسها قليلًا، ونظرت إليه بعينين لامعتين.

«حقًا؟ إذن لماذا لا تنظر إليّ الآن وتكرر كلامك؟»

رفع عينيه إليها.

وكانت تلك غلطة.

فقد وجدها أقرب مما توقع، ووجد في نظرتها جرأة أربكته، بينما كانت ملامحها تجمع بين التحدي والنعومة بطريقة لم يعرف كيف يتعامل معها.

قال بصوت أجش:

«ليال، انزلي عن المكتب.»

ابتسمت.

«هل يزعجك وجودي هنا؟»

«أنتِ تعرفين أن هذا ليس ما أعنيه.»

«إذن ماذا تعني؟»

لم يجب.

رفعت يدها ببطء، وأبعدت خصلة شعر سقطت قرب وجهها، ثم مالت نحوه قليلًا.

«طوال الوقت تتصرف وكأنك تعرف كل شيء، وكأنك تستطيع التحكم في كل شخص يدخل حياتك. لكنني أراك الآن، وأشعر أنك تخوض معركة لا تريد الاعتراف بوجودها.»

تصلبت عضلات فكه.

«لا تختبري صبري.»

«وماذا سيحدث إذا نفد؟»

كانت المسافة بينهما تتقلص، بينما ظل عاصِر واقفًا في مكانه، يقاوم رغبة في الاقتراب لم يكن مستعدًا للاعتراف بها.

وضعت ليال أطراف أصابعها على جانب رقبته، في حركة رقيقة مترددة، ثم مررت يدها بخفة فوق ياقة قميصه.

توقف نَفَسُه لحظة.

شعرت بتوتره تحت أصابعها، ولاحظت قطرة عرق صغيرة عند صدغه رغم برودة الغرفة.

همست:

«أنت لست هادئًا كما تدّعي.»

أمسك عاصِر بمعصمها، لكنه لم ينتزع يدها بعنف. نظر إليها طويلًا، وكأنما يمنحها فرصة للتراجع، أو يمنح نفسه فرصة أخيرة لاستعادة عقله.

«أنتِ لا تعرفين ما الذي تفعلينه بي.»

أجابته، وعيناها معلقتان بعينيه:

«وربما أنت لا تعرف ما الذي تفعله بي أنت أيضًا.»

ساد الصمت.

لم تعد هناك ملفات ولا تحويلات ولا أسرار قديمة؛ لم يبقَ بينهما سوى اعترافين لم ينطقهما أيٌّ منهما، ونظرة جعلت كل محاولة للهرب تبدو بلا جدوى.

رفع عاصِر يده إلى وجهها، وتوقف للحظة عند وجنتها.

«إذا أردتِ مني أن أبتعد، فقوليها الآن.»

لم تبتعد ليال.

بل وضعت يدها فوق يده، وهمست:

«لا أريدك أن تبتعد.»

كانت تلك الكلمات كافية.

اقترب منها عاصِر ببطء، مانحًا إياها فرصة أخيرة للتراجع، لكنها قابلت اقترابه بأن مالت نحوه، وأغمضت عينيها.

ثم التقت شفتاهما في قبلة أولى، حارة ومضطربة، كأن كل ما كبته الاثنان منذ لقائهما الأول وجد طريقه إلى تلك اللحظة.

تشبثت ليال بكتفيه، بينما أحاط خصرها بذراعه وجذبها نحوه، ثم ابتعد عنها مقدار أنفاس قليلة، ينظر إلى وجهها وكأنه لا يصدق أنه تجاوز الحد الذي أقسم لنفسه ألّا يقترب منه.

لكن ليال لم تترك له فرصة للعودة إلى بروده المعتاد.

لامست وجنته بأطراف أصابعها، وقالت بصوت خافت:

«والآن، هل ستخبرني أنك لا تشعر بشيء؟»

أغمض عاصِر عينيه للحظة، ثم فتحهما ونظر إليها نظرة لم ترَ مثلها من قبل.

«أنتِ لا تدركين ما الذي أشعلتِه بيننا.»

ابتسمت، لكن ابتسامتها تلاشت حين رن هاتفه فجأة فوق المكتب.

ابتعد عاصِر عنها على مضض، والتقط الهاتف.

كانت رسالة من رقم مجهول، مرفقة بصورة التُقطت قبل دقائق، تظهره وهو يقبّل ليال داخل مكتبه.

وتحت الصورة كُتبت عبارة واحدة:

«زوجتك ستعرف قبل شروق الشمس... إلا إذا أخبرتها أنت أولًا.»

تجمدت ليال في مكانها.

أما عاصِر، فرفع عينيه إليها، وقد أدرك أن القبلة التي ظنها لحظة هروب من العالم قد تصبح السلاح الذي سيدمر حياتهما معًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين يغوي الشيب العشق   الفصل السادس

    خلف الأبواب المغلقةلم يكن عاصر الراوي معتادًا على فقدان السيطرة.طوال خمسة وأربعين عامًا، تعلّم أن الحياة لا تمنح شيئًا لمن ينتظر، وأن الرجال الذين يترددون يخسرون قبل أن تبدأ المعركة. بنى إمبراطوريته بيديه، وأخضع منافسيه ببرود أعصاب لا يعرف الرحمة، واعتاد أن تكون الكلمة الأخيرة له في كل مكان يدخله.لكن امرأة واحدة نجحت، في وقت قصير على نحو أثار غضبه، في زعزعة ذلك اليقين الراسخ داخله.ليال منصور.لم يكن اسمها وحده هو ما يزعجه، بل تلك النظرة التي رمقته بها قبل أن تغادر مكتبه؛ نظرة لم تحمل خوفًا ولا خضوعًا، ولم تتوسل إليه أن يفسر ما حدث بينهما. لقد تركته واقفًا أمام حقيقة لم يرغب في مواجهتها: أنه، للمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن متأكدًا من قراره التالي.جلس خلف مكتبه، وأعاد فتح الملف المالي الذي أرسله إليه مدير الإدارة القانونية. كانت الأرقام واضحة، والتحويلات موثقة، لكن هناك فجوة صغيرة في السجلات تتكرر كلما اقترب من الحسابات التي أشارت إليها ليال.فجوة لم يستطع أحد تفسيرها.رفع سماعة الهاتف واتصل بمدير الأمن.— أريد تقريرًا كاملًا عن الرجل الذي ظهر في تسجيلات الطابق الإداري ليلة أمس.جا

  • حين يغوي الشيب العشق   الفصل الخامس

    قبلة أشعلت الخطيئةلم يكن عاصِر الراوي يؤمن بالمصادفات، لكنه وجد نفسه أمام مصادفة أكبر من أن يتجاهلها، وأخطر من أن يصدقها.والد ليال منصور مات بعد تقديم بلاغ سري يتعلق بتحويلات مالية مرتبطة بشركته، ووالده كان آخر من تسلّم الصفحة المفقودة من تقرير التحقيق.أعاد قراءة الرسالة، ثم أغلق الحاسوب بعنف.هل كان والده متورطًا في جريمة؟ أم أنه اكتشفها وحاول إيقافها؟ ولماذا ظهرت ليال في حياته الآن، بعد سنوات من اختفاء الأدلة؟فتح هاتفه واتصل بمساعده.«أريد اسم المحقق الذي تولّى قضية وفاة والد ليال. أريد كل المستندات الأصلية، لا النسخ الموجودة في الأرشيف. وإذا حاول أحد تعطيلك، فأخبرني باسمه.»جاءه الرد مترددًا:«هناك مشكلة أخرى، سيدي. المحقق توفي منذ أربع سنوات، لكننا وجدنا اسمًا في ملاحظاته الأخيرة. اسم شخص لا يزال يعمل في شركتكم.»تصلّبت ملامح عاصِر.«من؟»«مدير الإدارة المالية، السيد فؤاد الشربيني.»ظل عاصِر صامتًا لحظة، ثم قال:«لا تواجهه. راقبه فقط، ولا تدعه يعرف أننا نبحث وراءه.»أنهى المكالمة، ونهض متجهًا نحو النافذة.كان فؤاد من أقدم موظفي الشركة، ورجلًا وثق به عاصِر لسنوات. وإذا كان متور

  • حين يغوي الشيب العشق   الفصل الرابع

    على حافة الخطرلم ينم عاصِر الراوي تلك الليلة.ظل جالسًا في مكتبه الخاص، أمامه الصورة القديمة التي وصلته من الرقم المجهول، بينما تتردد في رأسه كلمات الرسالة كأنها إهانة شخصية لا يستطيع التغاضي عنها.«اسأل ليال منصور عمّا أخفاه والدها قبل موته.»كان والد ليال قد مات منذ سنوات، ووالده هو الآخر رحل تاركًا وراءه أسرارًا لم يستطع عاصِر الوصول إلى حقيقتها. فهل كانت المصادفة قد جمعت ابنة رجل مجهول برجل يحمل اسم عائلته؟ أم أن أحدهم رتّب كل شيء بعناية؟رفع هاتفه واتصل بمساعده.«أريد ملفًا كاملًا عن والد ليال منصور، من تاريخ عمله حتى وفاته. لا تترك تفصيلًا صغيرًا، ولا تخبر أحدًا بسبب البحث.»جاءه صوت مساعده مترددًا:«هل تتوقع أن تكون الآنسة ليال متورطة، سيدي؟»أجاب عاصِر ببرود:«أتوقع أن هناك شخصًا يحاول إقناعي بشيء. وأنا لا أثق بأحد قبل أن أرى الحقيقة.»أنهى المكالمة، ثم نظر إلى الساعة.كانت السادسة صباحًا.وعلى الرغم من أنه لم ينم، اتخذ قراره: ستعود ليال إلى الشركة في الموعد المعتاد، وستعمل تحت نظره مباشرة، حتى يعرف إن كانت ضحية المؤامرة أم جزءًا منها.لكنه لم يكن مستعدًا لما سيحدث حين يراها.

  • حين يغوي الشيب العشق   الفصل الثالث

    حين تقترب النارلم يعتد عاصِر الراوي أن يفقد السيطرة على شيء، لا على شركاته، ولا على الرجال الذين يعملون تحت إمرته، ولا حتى على حياته الخاصة التي أحكم إغلاق أبوابها منذ سنوات. لكن المكالمة الأخيرة تركت في صدره شعورًا ثقيلًا لم يستطع تجاهله؛ فاسم والده لم يكن مجرد ذكرى، بل جرحًا قديمًا أخفاه خلف المال والنفوذ.أما ليال، فلم تكن تفكر في الماضي بقدر ما كانت تخشى على حاضرها.وقفت أمام النافذة في مكتبه، تضم حقيبتها إلى صدرها، وتراقب السيارات المتحركة في الأسفل. كان هاتفها بين يديها، وقد حاولت الاتصال بشقيقها ثلاث مرات دون إجابة.استدار عاصِر من خلف مكتبه حين لاحظ ارتباكها.«ما الأمر؟»التفتت إليه سريعًا.«أخي لا يجيب عن اتصالاتي. ربما يكون في الجامعة، لكنني لا أستطيع التوقف عن التفكير في كلامك عن مراقبة منزلي.»نهض عاصِر، وأخذ هاتفه من فوق المكتب.«أرسلت رجلًا إلى منزلك، وسيتصل بي بمجرد وصوله.»«وأنت تتوقع أن أهدأ لمجرد أنك أرسلت رجلًا؟ أنت لا تعرف عائلتي، ولا تعرف ما الذي قد يحدث لأمي لو أصابها مكروه.»توقف أمامها، وكانت المسافة بينهما أقصر مما انتبهت إليه.«أعرف أنك خائفة.»ضحكت بمرارة.

  • حين يغوي الشيب العشق   الفصل الثاني

    المتهمة التي لم تنحنِ«لن أغادر هذا المكتب باعتباري سارقة!»دوّى صوت ليال في المكان، فتوقفت مسؤولة الأمن عند الباب، بينما تبادل الرجلان القادمَان من الإدارة المالية نظرات قلقة. أما عاصِر الراوي، فظل واقفًا أمامها بملامحه الجامدة، كأن اعتراضها لم يكن سوى ضجيج لا يستحق الالتفات إليه.قال ببرود: «أنتِ لستِ في موقع يسمح لكِ بفرض الشروط.»«وأنت لست في موقع يسمح لك بإدانتي قبل التحقيق! إذا كان لديك دليل، فاعرضه أمامي. أما أن تحاصرني وتمنعني من المغادرة، ثم تتوقع مني أن أقف صامتة، فهذا لن يحدث.»اقترب عاصِر من المكتب، ووضع كفيه فوقه، محدقًا في عينيها.«الملف السري حُمّل باستخدام حسابك الشخصي، وفي اللحظة نفسها اختفت النسخة الأصلية من النظام. هل تريدين مني أن أصدق أن الأشباح فعلت ذلك؟»أجابته دون تردد: «أريدك أن تصدق أن الأنظمة الإلكترونية يمكن اختراقها، وأن الحسابات يمكن استخدامها دون علم أصحابها. وإذا كنت تدير شركة بهذا الحجم ولا تعرف ذلك، فهذه مصيبة أكبر من اختفاء ملف.»تجمدت ملامح الرجل الواقف خلف عاصِر، وكأنه كان ينتظر منها أن تبكي أو تتوسل، لا أن تواجه رئيس الشركة بهذه الجرأة.أما عاصِر،

  • حين يغوي الشيب العشق   الفصل الأول

    خطيئة عند البابلم تكن ليال منصور تعرف أن أسوأ قرارات حياتها سيبدأ ببابٍ زجاجيٍّ فاخر، ورجلٍ ذي شعرٍ فضيٍّ ينظر إليها كما لو أنها خطأٌ ينبغي محوه من الوجود.في السابعة وخمسٍ وأربعين دقيقة من صباح يومها الأول في شركة الراوي للاستثمارات، كانت تركض عبر الشارع المزدحم، تحتضن حقيبتها إلى صدرها، بينما تتعثر خطواتها بحذائها الذي اختارت ارتداءه رغم الألم الذي يسببه لها.لم تنم سوى ساعتين؛ فقد قضت ليلتها بين والدتها المريضة التي لم تتوقف عن السعال، وشقيقها الأصغر الذي يحتاج إلى مصروف دراسته، وفواتير تراكمت حتى باتت تخشى النظر إليها. كانت هذه الوظيفة فرصتها الأخيرة لتمنع البيت الصغير من الانهيار فوق رؤوس ساكنيه.وحين وصلت أخيرًا إلى مدخل البرج الزجاجي، اصطدمت بكتف رجلٍ خارج من الباب، فسقطت أوراقها أرضًا، وانسكب بعض القهوة التي تحملها على كمّ معطفه الأسود.ساد الصمت.رفعت عينيها، فرأت رجلًا طويلًا عريض الكتفين، يرتدي بدلة سوداء مفصّلة بعناية، وتنسدل فوق جبهته خصلات فضية زادته هيبةً وقسوة. لم يكن في ملامحه ما يوحي بأنه اعتاد الاعتذار؛ بل بدا كأن العالم بأكمله وُجد كي يفسح له الطريق.تأمل البقعة ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status