LOGINكانت أصوات الخطوات تقترب ببطء، كأنها نبضات قلب عملاق يقترب من الكهف. وقفتُ بجانب زار، جسدي لا يزال يرتجف من الرؤية الأخيرة. الطفلة اختفت، لكن كلماتها بقيت معلقة في الهواء كدخان أسود.
«زار…» همستُ بصوت مرتجف. «ماذا تعني بـ"من طعن من"؟» لم ينظر إليّ. قبض على سيفه بقوة حتى برزت عروق يده. «ليس الآن يا زهرة. يجب أن نتحرك.» «دائماً "ليس الآن"!» انفجر غضبي فجأة. دفعته بكلتا يديّ بعيداً عني. «أنا أرى نفسي أموت على يدكَ، وأنتَ تطلب مني الصمت؟ أنا لستُ جبانة، ولا أنا دمية تُدار!» التفت إليّ بعينين حادتين. كان وجهه قاسياً، بارداً، لكنني رأيتُ تحت هذه القسوة عذاباً عميقاً. «نعم، أطلب منكِ الصمت! لأن كل كلمة تقولينها تقربكِ من حافة الانهيار. النار داخلكِ ليست جاهزة بعد. وأنا… أنا لا أريد أن أخسركِ مرة أخرى.» «تخسرني؟» ضحكتُ بسخرية مؤلمة. «أنتَ من طعنني في الماضي! أنتَ من سجن الملكة! وأنتَ الآن تتحدث عن الخسارة؟» اقترب مني بخطوتين سريعتين، أمسك ذراعيّ بقوة لم تؤذني، لكنها أظهرت غضبه. «نعم، أنا! أنا الذي اخترت أن أطعنها… أطعنكِ… لأن قوتها كانت ستحرق العالم كله! كنتُ أحميها من نفسها، وأحمي نفسي من حبي لها. أنا… مدان.» شعرتُ بدموعي تنهمر رغماً عني. «وأنا؟ أنا مجرد وعاء لروحها؟» أرخى قبضته ببطء، ومسح دمعة من خدي بإبهامه. لمسته كانت خشنة ولطيفة في آن واحد. «أنتِ أكثر من ذلك. أنتِ زهرة… الصائغة التي كانت تحلم بالأمان. وأنا… أحاول أن أعطيكِ هذا الأمان، حتى لو كان على حسابي.» كنتُ أريد أن أغضب أكثر، لكنني لم أستطع. بدلاً من ذلك، أمسكتُ قميصه وجذبته نحوي. «لا تبتعد عني مرة أخرى. أنا أخاف… لكنني أريدكَ بجانبي.» أغلق عينيه وأسند جبهته على جبهتي. «أنا أيضاً أخاف. أخاف أن أكرر الخطيئة.» في تلك اللحظة، اقتربت الأصوات أكثر. خرج أحمد وليلى من أحد الأنفاق، يلهثان. «زار! الظلال يحاصرون الجبل. ليلى استطاعت إغلاق معظم البوابات، لكن…» توقف أحمد عندما رآنا قريبين جداً. «لكن ماذا؟» سأل زار بصوت بارد، وهو يتراجع عني خطوة، لكنه أبقى يده على خصري. «لكن الطفلة… تقود الجيش الآن.» أكملت ليلى بتوتر. «وهي ليست طفلة. إنها تستخدم قوة الخاتم الثالث بطريقة مرعبة.» خرجنا من الكهف بحذر. كانت السماء فوق الجبل مليئة بغيوم سوداء. من بعيد، رأينا جيش آزر يتقدم، والطفلة تقف في المقدمة، خاتمها يضيء بنور أسود مخيف. «يجب أن نصل إلى قمة الجبل.» قال زار بحزم. «هناك بوابة قديمة تستطيع نقلنا إلى مكان أكثر أماناً.» «ونترك المدينة تحترق؟» اعترضتُ. نظر إليّ بقسوة. «المدينة يمكن إعادة بنائها. أنتِ لا يمكن استبدالكِ.» «أنا لستُ أهم من شعبكَ!» «أنتِ أهم من كل شيء.» رد ببرودة حاسمة. كان الطريق إلى القمة وعراً وخطراً. قاتلنا معاً. كنتُ أرسل لهبات نارية خفيفة لإبعاد الجنود، بينما كان زار يقاتل بشراسة. في إحدى اللحظات، أصيب أحمد في كتفه. ركضتُ نحوه ووضعتُ يدي على الجرح. شعرتُ بالنار تسري مني إليه، فالتأم الجرح جزئياً. «شكراً…» همس أحمد بدهشة. نظر زار إليّ بنظرة فخورة مختلطة بالقلق. لكنه لم يقل شيئاً. عندما وصلنا إلى القمة، كانت البوابة القديمة تنتظرنا: دائرة حجرية كبيرة منحوتة ب رموز نارية. لكن الطفلة كانت هناك تنتظرنا أيضاً، محاطة بعدد قليل من الجنود. «جئتِ أخيراً.» قالت الطفلة بابتسامة هادئة. «الملكة تريد أن تتحدث معكِ… ومع خائنها.» وقف زار أمامي. «لن تأخذيها.» ضحكت الطفلة. «أنا لا آخذها. هي ستأتي بنفسها… عندما تتذكر من طعن من.» شعرتُ بدوار شديد. رؤى جديدة بدأت تهاجمني: أنا (الملكة) أقف أمام زار، أصرخ في وجهه، نارنا تتصارع، ثم يرفع سيفه… صرختُ ووقعتُ على ركبتيّ. أمسك زار بي فوراً. «زهرة! ابقي معي!» رفعتُ عينيّ إليه وأنا ألهث. «أنتَ… لم تطعنني لتحميني. طعنتَني لأنني… أردتُ تدمير كل شيء.» تجمد زار. لم ينكر. تقدمت الطفلة خطوة. «الآن… اختاري. الخاتم الثالث ينتظر. إما أن تستيقظي كاملة… أو تظلي زهرة إلى الأبد.» نظرتُ إلى زار. كان وجهه مليئاً بالألم والندم. لكنه لم يمنعني. تركني أختار. مددتُ يدي نحو الطفلة… ثم تراجعتُ وأمسكتُ يد زار بقوة. «أنا أختار أن أكون زهرة… معه.» ابتسمت الطفلة ابتسامة غامضة. «إذن… اللعبة الحقيقية بدأت.» رفعت يدها، فانفتحت البوابة خلفنا. دفعنا زار إلى الداخل، لكن قبل أن نعبر، سمعتُ صوتها الأخير: «تذكري… الخيانة لم تنتهِ بعد.» عبرنا البوابة، ووجدنا أنفسنا في غابة هادئة بعيدة. كانت الشمس تغرب، والجو بارد. جلستُ على الأرض، متعبة تماماً. جلس زار بجانبي، يسندني. «أنا… آسف.» همس. «لا تكن.» أمسكتُ وجهه. «لكن لا تخفي شيئاً بعد الآن. أريد أن أواجه الماضي… معكَ.» نظر إليّ طويلاً، ثم قبل جبهتي بلطف. «حسناً… لكن غداً. اليوم… أريد أن أحميكِ فقط.» استندتُ إليه، وأغمضتُ عينيّ. لكن في أعماقي، كنتُ أشعر أن شيئاً ما يراقبنا من الظلام. فجأة… توهج خاتمي بلون أسود خفيف للحظة. فتحتُ عينيّ مذعورة، لكن زار لم يلاحظ. أم أنه لاحظ… واختار الصمت؟ الريح هبت باردة، وحملت معها همسة خفيفة لا أعرف مصدرها: «سنلتقي قريباً… يا ملكتي.» بقينا جالسين في الغابة الهادئة لساعات. الشمس غابت تماماً، وأضاءت النجوم السماء ببرودة غريبة. كنتُ مستندة على صدر زار، أستمع إلى دقات قلبه الثابتة رغم كل ما حدث. كان يمسك يدي بقوة، كأنه يخشى أن أختفي في أي لحظة. «زار…» همستُ بعد صمت طويل. «إذا كنتُ جزءاً من الملكة… فماذا يعني ذلك بالنسبة لنا؟» تنهد بعمق. «يعني أن ماضينا أكبر منا. كنا نحب بعضنا… وكنا ندمر بعضنا.» رفعتُ رأسي ونظرتُ إليه. «وأنتَ… هل ما زلتَ تحبني؟ حتى بعد كل هذا؟» نظر إليّ بنظرة قاسية لكنها دافئة. «أحببتُكِ في كل حياة. حتى عندما طعنتكِ… كنتُ أحبكِ. هذا ما جعلني أسجن نفسي في الخاتم. لأدفع الثمن.» شعرتُ بدموعي تترقرق. أمسكتُ وجهه بكلتا يديّ. «إذن لا تهرب مني مرة أخرى. أنا أريد أن أبني مستقبلاً… لا أن أعيش في ماضٍ لا أفهمه كاملاً.» اقترب وجهه من وجهي ببطء. كانت أنفاسه ساخنة على شفتيّ. «أنتِ تجعلينني أريد أن أصدق ذلك.» قبّل جبهتي، ثم خدي، ثم توقف عند شفتيّ. تردد للحظة، لكنه قبلني قبلة خفيفة، حذرة، كأنه يخشى أن يحرقني. كانت القبلة مليئة بالندم والرغبة والخوف. رددتُ عليها بكل ما أملك، أمسكتُ قميصه وجذبته أقرب. عندما انفصلنا، كان تنفسه متقطعاً. «زهرة… أنتِ خطر عليّ أكثر من أي عدو.» ابتسمتُ رغم الدموع. «وجدتُ أنني أحب الخطر… طالما كان أنتَ.» لكن اللحظة لم تدم طويلاً. سمعنا صوت أغصان تتكسر في الظلام. نهض زار فوراً، وسحبني خلفه. أشعل ناراً ذهبية صغيرة في يده ليضيء المكان. «من هناك؟» صاح بصوت حاد. خرج أحمد وليلى من بين الأشجار، يبدوان متعبين لكنهما على قيد الحياة. كان أحمد يسند ليلى التي كانت تبدو شاحبة. «نجونا بصعوبة.» قال أحمد. «لكن المدينة… سقطت.» جلستُ ليلى على صخرة. «الطفلة… أصبحت أقوى. كأن الخاتم الثالث يمنحها كل شيء. وهي تسأل عنكِ زهرة… بطريقة غريبة.» نظر زار إليّ بقلق. «يجب أن نرتاح الليلة. غداً نبحث عن مأوى أكثر أماناً.» أشعلنا ناراً صغيرة، وجلسنا حولها. كان الجو بارداً، فجلس زار بجانبي ولف ذراعه حولي. كنتُ أشعر بدفئه ينتشر في جسدي، لكن ذهني كان مليئاً بالأسئلة. «زار… ماذا لو استيقظتُ كاملة؟» سألتُ بهدوء. «سأكون بجانبكِ.» أجاب ببساطة. «حتى لو اضطررتُ إلى مواجهتكِ.» «ولن تطعنني مرة أخرى؟» ابتسم ابتسامة مرة. «لن أستطيع. لأنني الآن أعرف أن خسارةكِ أسوأ من تدمير العالم.» نام أحمد وليلى بعد قليل، لكنني لم أستطع النوم. كنتُ أنظر إلى زار الذي كان يراقب الظلام بيقظة. «اذهبي للنوم.» همس. «أنا سأحرس.» «لا أريد النوم.» اقتربتُ منه أكثر. «أريد أن أشعر أن هذا حقيقي… أنتَ وحقيقي.» أدار وجهي نحوه وقبلني مرة أخرى. هذه المرة كانت القبلة أعمق، أكثر يأساً. كأننا نعرف أن الغد قد يحمل نهاية. عندما انفصلنا، أسندتُ رأسي على صدره. «أحبكَ.» همستُ. تجمد للحظة، ثم شد حضنه حولي. «وأنا أحبكِ… يا زهرة. يا ملكتي.» لكن في منتصف الليل، استيقظتُ على شعور غريب. كان خاتمي ينبض بلون أسود خفيف. نظرتُ حولي. زار كان نائماً، لكنه يعاني في نومه. همس باسمي مرات عديدة، وكأنه يحارب كابوساً. نهضتُ بهدوء وابتعدتُ قليلاً عن المخيم. وقفتُ تحت ضوء القمر، ورفعتُ يدي أنظر إلى الخاتم. فجأة… ظهرت أمامي صورة شفافة. كانت الملكة الأولى، تشبهني تماماً، لكن عيناها مليئتان بنار سوداء. «أنتِ أنا.» قالت بصوت يرن داخل رأسي. «وسيأتي اليوم الذي ستختارين فيه… بين حبكَ وبين قوتكِ.» اختفت الصورة. عدتُ إلى زار بسرعة، لكنني لم أوقظه. استلقيتُ بجانبه، لكنني لم أستطع النوم. في الصباح، عندما استيقظنا، وجدنا آثار أقدام صغيرة حول المخيم… أقدام طفلة. نظر زار إلى الآثار بتوتر شديد. «هي كانت هنا.» «وماذا تريد؟» سألتُ. لم يجب. فقط جمع أغراضنا بسرعة. «يجب أن نتحرك. الآن.» بينما كنا نسير، شعرتُ أن شخصاً يراقبنا من بين الأشجار. لم أقل لزار شيئاً، لكنني أمسكتُ يده بقوة أكبر. في نهاية اليوم، وصلنا إلى قرية صغيرة مهجورة. دخلنا أحد المنازل لنرتاح. لكن عندما أشعل زار النار، رأينا على الجدار كتابة محترقة: «الثلاثة خواتم… ستجتمع قريباً. واحدة منكم… ستخون.» تجمدنا. نظر زار إليّ، وعيناه مليئتان بالشك والخوف. «زهرة… ماذا لو كنتِ أنتِ؟» لم أجب. فقط نظرتُ إلى خاتمي الذي بدأ ينبض بلون أسود خفيف مرة أخرى. والريح خارج المنزل… حملت ضحكة طفلة بعيدة.ساد صمت ثقيل بعد كلمات الدكتور إبراهيم. "هناك وريث آخر... وهو في طريقه إلى هنا."بدت القاعة وكأنها فقدت أنفاسها. اتسعت عيناي وأنا أحدق في الدكتور إبراهيم، عاجزة عن استيعاب ما سمعته. "وريث... آخر؟"لم يجبني. كان نظره مثبتًا على الشاب، بينما يتشبث باللفافة الجلدية بين يديه كأنها أثمن ما يملك. أما آزر، فقد اختفت ابتسامته الساخرة للمرة الأولى. تقدم خطوة، وصوته خرج حادًا: "اصمت."لكن الدكتور إبراهيم لم يتراجع. "أخفيت الحقيقة سنوات طويلة، ولن أخفيها اليوم."شد آزر قبضته، وبدأت هالة سوداء تتصاعد حول جسده. "قلت... اصمت."في المقابل، تقدم زار حتى وقف أمام الدكتور إبراهيم، رافعًا سيفه الذهبي. "لن يلمسه أحد."اشتعل التوتر في القاعة. كان الشاب ينقل بصره بين الجميع في حيرة، ثم قال بصوت منخفض: "هل يخبرني أحد بما يحدث؟"لم يجبه أحد. وللمرة الأولى منذ التقينا به، ظهر الارتباك على وجهه. رفع القلادة التي كانت تتدلى من عنقه، وحدق فيها طويلًا، ثم سأل: "لماذا ينظر الجميع إليّ... وكأنني أعرفكم؟"في تلك اللحظة، شعرت بحرارة قوية تنبعث من خاتمي. واصلت الحرارة في الازدياد حتى شعرت وكأن النار تس
ظل السيف الذهبي يهتز فوق الأرض الحجرية لحظات قبل أن يستقر بصوت معدني خافت، كأن القاعة نفسها حبست أنفاسها.لم يتحرك زار. وقف يحدق في الشاب الواقف أمامه، بينما كانت أصابعه ترتجف للمرة الأولى منذ عرفته. لم يكن ذلك ارتجاف خوف بل ارتجاف رجل عاد إليه شبح دفنه منذ زمن بعيد.أما أنا فكنت أنظر بينهما بعجز، أحاول فهم ما يحدث. من يكون هذا الشاب؟ ولماذا بدا زار وكأنه فقد القدرة على الكلام؟قطع آزر الصمت وهو يبتسم بسخرية. ما بك يا أخي؟ ألن ترحب به؟لم يرد زار. بل رفع عينيه بصعوبة نحو الشاب وقال بصوت مبحوح. ما اسمك؟نظر الشاب إليه ببرود ثم هز كتفيه. لا أعرف.عقدت حاجبي. كيف لا تعرف اسمك؟حول نظره إليّ للحظة ثم أجاب بهدوء غريب. منذ أن وعيت على الدنيا كانوا ينادونني بالوريث. أما اسمي الحقيقي فلا أحد أخبرني به.تبادل زار وآزر نظرة قصيرة. ابتسم آزر ابتسامة المنتصر. ألم أقل لك؟ لقد ربيته بالطريقة الصحيحة.اشتعل الغضب في عيني زار. أبعده عن هذه اللعبة يا آزر.ضحك الأخير بخفوت. لعبة؟اقترب من الشاب ووضع يده على كتفه. هذا الفتى عاش حياته كلها يبحث عن الحقيقة التي سرقتها منه. ثم التفت إليّ. وأظنك أنت أيضًا
كان صدى الكلمات الأخيرة للرجل المقيد يتردد داخل رأسي بلا رحمة. ابحثي... عن الوريث. اختفى... وكأن الظلام ابتلعه قبل أن يمنحني فرصة لطرح سؤال واحد. وقفت أحدق في المكان الذي كان يقف فيه، بينما كانت أنفاسي تتلاحق بعنف. شعرت أن الحقيقة كانت أمامي تمامًا، ثم انتُزعت من بين يدي في اللحظة الأخيرة. التفتُّ إلى نورة بسرعة. من هو الوريث؟ هذه المرة لم تبتسم. كانت تحدق في الفراغ بعينين متوترتين، وكأنها هي الأخرى لم تكن تتوقع ما حدث. أجيبي! رفعت رأسها ببطء. لقد تأخرنا... عقدت حاجبي. ماذا تعنين؟ لكنها لم تجب. فجأة... اهتزت القاعة بعنف حتى تشققت الأرض تحت أقدامنا، وتساقطت شظايا الحجارة من السقف. دوى انفجار هائل عند البوابة الرئيسية. ثم آخر... وثالث... حتى تحطم الباب الحجري الضخم إلى عشرات القطع. غمر الدخان المكان. وفي قلب ذلك الدخان... ظهرت شعلة ذهبية. تقدمت بخطوات ثابتة. ثم خرج منها رجل يحمل سيفًا مشتعلًا. كان كتفه الأيسر ينزف، ودرعه ممزقًا، وعلى وجهه آثار معركة طويلة، لكن وقفته بقيت شامخة كما عرفتها. حبست أنفاسي. ...زار. رفع رأسه فور سماعه صوتي. وفي اللحظة التي التقت فيه
كان الممر غارقًا في ظلام دامس، لا ينفذه إلا بريق خافت يصدر من خاتمي. كل خطوة أقدمها كانت تتردد أصداؤها بين الجدران الحجرية، بينما كانت نورة تمشي أمامي صامتة، وكأنها تعرف هذا المكان كما تعرف أنفاسها.لم أعد أثق بها...لكنني لم أعد أملك خيارًا آخر.التفتُّ إليها أخيرًا......إلى أين تأخذينني؟لم تستدر .....إلى المكان الذي ماتت فيه الأكاذيب... وبقيت الحقيقة وحدها.عقدت حاجبي. إذا كنتِ تريدين إقناعي بأن زار خائن، فلن تنجحي.توقفت نورة أخيرًا، ثم التفتت نحوي بابتسامة هادئة.الغريب... أنني لم أقل إنه خائن.تجمدتُ في مكاني.بل قلتُ إنكِ لا تعرفين الحقيقة كاملة.ساد الصمت بيننا للحظات، قبل أن يتحرك الجدار الحجري أمامنا ببطء، مصدراً صوتًا عميقًا كزئير قديم.وراءه...ظهرت قاعة واسعة، تتوسطها بحيرة ساكنة بلون الفضة، وسقفها يعكس آلاف النجوم رغم أننا كنا في أعماق القلعة.همستُ بدهشة:ما هذا المكان؟قالت نورة بهدوء:قاعة الذكريات الأولى... هنا لا تستطيع الأرواح أن تكذب.اقتربتُ من سطح البحيرة.ما إن لامست أصابعي الماء، حتى ارتجف السطح، وبدأت الصور تتشكل أمام عيني.رأيت مدينة عظيمة تشتعل بالنيران...جنودً
كان الظلام يلف القاعة كأنه يتنفس. أمسكتُ وجه زار بكلتا يديّ، دموعي تنهمر بغزارة وهو يلهث من الألم. الطاقة السوداء كانت تنخر في صدره، والخاتم في إصبعي ينبض بقوة مرعبة. «لا… لا تتركني.» همستُ بصوت مكسور. نظر إليّ زار بعينين ذهبيتين باهتتين. «زهرة… أنتِ أقوى من هذا. لا تدعيها تأخذكِ.» لكن نورة وقفت أمامنا، الطفل بجانبها يبتسم ببراءة مرعبة. «الوقت حان. إما أن تستسلمي… أو يموت.» شعرتُ بنار داخلي تشتعل بقوة غير طبيعية. الملكة كانت تصرخ في رأسي: «خذي القوة… وأنقذيه!» أغمضتُ عينيّ بقوة، ثم فتحتهما. اتخذتُ قراري. «أنا… أختار القوة.» اندفعت طاقة سوداء-ذهبية من خاتمي، فانفجر الحاجز الذي كان يحاصرنا. النور الأسود اندفع نحو نورة والطفل، فتراجعا بصعوبة. زار نظر إليّ بذهول. «زهرة… ماذا فعلتِ؟» وقفتُ ببطء، جسدي يرتجف، لكنني شعرتُ بقوة جديدة تسري في عروقي. «أنقذتكَ… لكنني لم أعد زهرة تماماً.» حاول زار النهوض، لكنه سقط مرة أخرى. «لا… لا تفعلي هذا.» اقتربتُ منه، أمسكتُ وجهه بلطف. «أحبكَ يا زار… لكنني لا أستطيع أن أكون ضعيفة بعد الآن. الملكة جزء مني. وأنا… أحتاج أن أواجه ماضيّ وحدي.» عيناه ام
استيقظتُ في مكان لا أعرفه. كان كل شيء أبيضاً، لامعاً، كأنني داخل ذاكرة لا نهاية لها. لا جدران، لا سقف، فقط ضوء أبيض ناعم يحيط بي من كل اتجاه. جلستُ ببطء، أمسك رأسي الذي يؤلمني بشدة. «أين أنا…؟» همستُ. فجأة، سمعتُ صوتاً يشبه صوتي، لكنه أقدم، أعمق، مليء بغضب قديم: «أنتِ في داخلنا… في الدورة.» التفتُ بسرعة. كانت الملكة تقف أمامي، ترتدي ثوباً أبيض طويلاً، عيناها ذهبيتان مثل عيني زار. لم تكن غاضبة هذه المرة… كانت حزينة. «أنتِ… أنا؟» سألتُ بصوت مرتجف. «جزء مني.» أجابت بهدوء. «والجزء الذي أردتُ أن يعيش. لكن زار… أخذ حتى ذلك مني.» مددتُ يدي نحوه، لكنها اختفت فجأة. بدلاً منها، ظهر زار. كان يقف بعيداً، ينظر إليّ بألم عميق. «زار!» نهضتُ وركضتُ نحوه، لكنه لم يتحرك. عندما وصلتُ إليه، اختفى هو الآخر، وسمعتُ صوته يرن في المكان كله: «أنا آسف… زهرة. أنا آسف على كل شيء.» جلستُ على الأرض، دموعي تنهمر. «أريد أن أعود… أريد أن أكون معكَ.» فجأة، تغير المكان. عدتُ إلى القاعة، لكن الجميع كانوا متجمدين في أماكنهم. زار كان يمد يده نحوي، وجهه مليء باليأس. نورة كانت تبتسم، والظل الأسود (الجزء المظلم من







