登入حول معصميها.
رفع إيهاب العقد وابتسم ابتسامة لم تصل لعينيه: "مبروك يا ملك الفريد. اعتباراً من هذه اللحظة... أنتِ تحت وصاية عائلة الخالدي." رمى لها مفتاحاً معدنياً منقوش عليه صقر. "غرفتك في الجناح الغربي. الطابق السفلي. بجوار غرفة الغسيل الملكية. ابدئي عملكِ غداً مع أذان الفجر الأول في نوفاريس. أول مهمة: قهوتي... بلا سكر. بلا روح... تماماً كالفتاة التي وقعت الآن." استدار نحو نافذة تطل على مملكة أزوريث كلها، وأعطاها ظهره. خرجت ملك والمطر يضرب وجهها. همست لنفسها والدموع تختلط بماء السماء: "أقسمت يا أبي... سأحرق قصر الخالدي كله إن لزم الأمر... حتى لو احترقت معه." الساعة الرابعة فجراً. الظلام يلف قصر الخالدي في *نوفاريس* ككفن أسود. البرد يتسلل من تحت باب الجناح الغربي - الطابق السفلي، حيث تنام ملك الفريد في غرفة لا تتسع إلا لسرير حديدي ومرحاض صغير. لا نافذة. لا شمس. فقط رائحة الرطوبة والغسيل الملكي. ضرب على الباب ثلاث طرقات حادة كأوامر عسكرية. "الساعة الخامسة إلا ربع" صوت الخادمة العجوز "برهان" من الخارج. "إن تأخرتِ دقيقة واحدة، سيخصم المدير التنفيذي يوماً من راتبكِ... إن كان لكِ راتب أصلاً." فتحت ملك عينيها البنيتين. لم تنم. كيف تنام وهي موقعة على عقد عبودية؟ ارتدت الزي الموحد للخدم: فستان أسود بسيط ومريلة بيضاء. شعرها الأسود الطويل ربطته بإهمال. نظرت للمرآة الصدئة... عيناها متعبتان، لكن فيها نار لم تنطفئ. *"الفينيق يحترق... ثم يولد من الرماد"* همست لخاتم والدها. المطبخ الملكي فخم كقاعة عرش. رخام أبيض، أدوات ذهبية، وآلات قهوة مستوردة من "مملكة فيلار" المجاورة. لكن ملك لم تلمس شيئاً منها من قبل. وقفت أمام آلة القهوة العملاقة ترتجف. _كيف يصنعون قهوة بلا سكر... بلا روح؟_ الساعة الخامسة تماماً. دخل إيهاب الخالدي للمطبخ. كأنه لا ينام. بدلته السوداء مكوية كأنها جديدة، وعيناه الخضراوان صافيتان كأنه لم يسهر طوال الليل وهو يدمر حياة الناس. لم ينظر لها. جلس على كرسي البار الرخامي وفتح جهازه اللوحي. "قهوتي" قال كلمة واحدة. أمر لا طلب. وضعت ملك الفنجان الصيني الأبيض أمامه. يدها ترتجف فانسكبت قطرة على الطاولة الرخامية. توقف. رفع عينيه الصقريتين ببطء شديد. النظرة وحدها كافية لتجمد الدم. مد إصبعه ومسح القطرة ببطء. ثم رفع إصبعه المبلل أمام وجهها. "القاعدة الأولى في قصر الخالدي يا ملك الفريد" قال بصوت منخفض قاتل. "الخطأ الأول... تحذير. الخطأ الثاني... عقاب." شرب رشفة واحدة. ثم وضع الفنجان بقوة فارتج الطاولة. "باردة" قال. "أنا... أنا صنعتها للتو سيدي" دافعت ملك بصوت مبحوح. "أنا لا أشرب القهوة. أنا أشرب الكمال" نهض فجأة. طوله الهائل جعلها تتراجع خطوة للخلف. "إعادة." رمى الفنجان في سلة المهملات أمامها. صوت الزجاج المتكسر دوى في المطبخ الفارغ. "ثلاث محاولات. بعدها... ستنامين في مخزن الفحم هذا الأسبوع." المحاولة الثانية. الثالثة. السابعة. كل فنجان ينتهي بنفس المصير: سلة المهملات. عرق ملك يتصب رغم برودة الفجر. يداها تحترقان من بخار الماء. وبروده هو يحرقها أكثر. الساعة السادسة. الشمس بدأت تشرق على أبراج نوفاريس الزجاجية. رمى الفنجان رقم عشرين في السلة. الزجاج تناثر على قدميها الحافيتين. قطعة صغيرة جرحت كاحلها. نقطة دم حمراء سالت على رخام المطبخ الأبيض. لم تئن. لم تبك. فقط ضغطت على شفتيها حتى كادت تنزف. إيهاب لاحظ. عيناه الخضراوان استقرتا على نقطة الدم لثانية واحدة فقط... ثم عاد وجهه قناعاً جليدياً. "فاشلة. مثل والدك" قال ببرود وهو يربط أزرار بدلته. "يبدو أن عائلة الفريد لا تجيد إلا خسارة كل شيء." كلمة "والدك" كانت الشرارة. شيء ما انكسر داخل ملك. ثلاث ساعات إهانة. دمها على الأرض. عقد العبودية. اسم والدها. رفعت رأسها فجأة. الدموع احترقت في عينيها لكنها لم تسقط. خطت خطوة للأمام حتى صارت المسافة بينهما شبر واحد. رائحة عطره تغزوها، وبروده يصفعها. "نعم، أنا فاشلة سيدي الخالدي" قالت وصوتها يرتجف لكنه ثابت. "فاشلة لأني ابنة رجل شريف وثق برجل مثلك. فاشلة لأني صدقت أن في مملكة أزوريث كلها... قلباً واحداً يرحم." صمت. الكل في القصر لو سمعها سيُجلد.بلدٌ لا يعرفُهم. لغةٌ مختلفة. وسماءٌ بلا اسمِ "نوفاريس".هبطتِ الطائرةُ في "فاليتا" عاصمةِ مالطا. بلدٌ صغيرٌ على البحر. لا سفاراتَ قويةً لـ _إيهاب_ فيه._تامر_ كانَ يمسكُ بيدِ _ملك_، و _نبض_ نائمٌ على كتفِه. ثلاثُ حقائبَ فقط. لا أموالَ كثيرة. لا حراس. لا اسم.استأجروا شقةً صغيرةً فوقَ مقهى قديم. الجدرانُ رطبة. والنافذةُ تطلُّ على ميناءٍ تصطدمُ بهِ الأمواج.في الليلةِ الأولى لم ينمِ أحد.*نبض*: "ماما... البيتُ القديمُ أحلى."*ملك*: ضمّتْهُ "سنبني بيتاً أحلى. بيدِنا."الأيامُ الأولى كانتْ حرباً.*المال*: حساباتُ _إيهاب_ كلُّها مجمدة. _تامر_ باعَ ساعتَهُ وسيارتَهُ القديمةَ ليكفيهم شهراً.*اللغة*: _ملك_ لم تكنْ تعرفُ الإنجليزيةَ جيداً. كانتْ تذهبُ للسوقِ وتشيرُ بيدِها وتُخطئُ في الحساب.*الخوف*: كلَّما دقَّ البابُ ارتجفتْ _ملك_. هل هي _ليلى_؟ هل وجدوهم؟*العمل*: _تامر_عملَ سائقَ توصيلٍ ليلاً. يعودُ الفجرَ منهكاً، ويداهُ ترتجفانِ من الجرحِ القديم.بعدَ أسبوعين وجدتْ _ملك_ عملاً في روضةِ أطفالٍ. تنظفُ وتساعدُ في الطبخ. الراتبُ قليلٌ جداً.ولكنَّها لأولِ مرةٍ منذُ سنواتٍ ضح
شهرٌ كاملٌ مرّ. قصرُ نوفاريس تحوّلَ إلى ساحةِ حربٍ صامتة._تامر_ لم يغادرْ المدينة. استأجرَ شقةً صغيرةً ترى سورَ القصرِ من بعيد. كلُّ يومٍ كانَ يحاول.مرةً أرسلَ ورداً مع سائقٍ. رفضَهُ _إيهاب_ عندَ البوابة. مرةً حاولَ مقابلةَ المحامي. أُغلقَ الملفُ بأمرٍ عليا. مرةً وقفَ لساعاتٍ أمامَ المدرسةِ التي سجلَ فيها _نبض_. رآهُ من بعيد. ركضَ إليه. لكنَّ رجالَ _إيهاب_ سبقوهُ وأخذوا الطفلَ للداخل.في الليلِ كانَ يكتبُ لها. رسائلَ لا تصل. "أنا لستُ بديلاً. أنا من اختارَكِ وأنتِ حرة. ارجعي متى شئتِ."كانَ يضعُها في ظرفٍ ويتركُها عندَ الحارس. وفي الصباحِ يجدُها محروقةً في سلةِ المهملاتِ عندَ البوابة.الألمُ في صدرِهِ تضاعف. ليسَ من الجرح. بل من العجز._إيهاب_ لم يتركْ ثغرة. ضاعفَ الحراسة. غيّرَ أرقامَ الهواتف. نقلَ _نبض_ لمدرسةٍ خاصةٍ داخلَ القصر.كانَ يتعمدُ الظهورَ أمامَ _ملك_ كلَّ صباح. يمسكُ يدَ _نبض_. يبتسمُ له. ثم ينظرُ إليها نظرةً تقول: "هذا ابني. وهذا بيتي."*إيهاب*: "العشاءُ الساعةَ الثامنة. العائلةُ تجتمع."_ملك_ كانتْ تنزل. تجلس. تأكلُ بصمت. لا ترد. لا تنظر.
الليل في مشفى خاص. الغرفةُ بيضاء وباردة. رائحةُ المطهرِ تملأُ المكان._تامر_ مستلقٍ على السرير. الضمادُ على صدرِه. لم ينم منذُ يومين. الهاتفُ بجانبه صامت. لا رسائل. لا أخبار. _ملك_ اختفت.كلما أغمضَ عينيهِ رأى وجهَها آخرَ مرة. كانت مرهقة. خائفة. والآن لا أثر.الألمُ في جرحِهِ تضاعف. ليس الجرحُ الجسدي. بل ذلك الفراغُ الذي تركتْهُ في صدرِه.الممرضةُ دخلتْ لتغيرَ لهُ المحلول. *تامر*: قطعَ عليها "اخرجي."خرجتْ بصمت.ظلَّ يفكر. يعيدُ الأحداثَ في رأسِه. من له مصلحةٌ في أخذِها؟ من يعرفُ مكانَها؟ من يراقبُها؟فجأة تذكر. ذلك الرجل. الطويل. المعطفُ الأسود. العينانِ الباردتان. الرجلُ الذي رآهُ من بعيدٍ يومَ كانت _ملك_ تخرجُ من الشركة.اسمهُ كان يُهمسُ في الأروقة. _إيهاب_. زوجُها السابق.قبضَ _تامر_ على ملاءةِ السرير حتى ابيضتْ أصابعُهُ. فهم. لم يكنْ خطفاً عشوائياً. كانَ استرداداً. وأكبرُ دليل: أن لا أحدَ يطلبُ فدية. ولا أحدَ يهدد.لقد أخذَها إلى بيتِهِ.في نفسِ التوقيت. مطارٌ خاص في نوفاريس. الضبابُ كثيف. الطائرةُ الخاصةُ تنتظر._رهف_ واقفةٌ عندَ السلم. أنيقة. تبتسمُ
اقتربَ منها خطوة. رائحتُهُ نفسُها... ولكنَّ البرودَ في عينيهِ يقتل.*إيهاب*: "ظننتُ أنكِ لن تعودي أبداً باختيارِكِ. فجعلتُكِ تعودينَ خوفاً. جعلتُكِ تبكينَ على ابنكِ. جعلتُكِ تثقينَ بي مرةً أخرى... حتى أدخلَكِ إلى هنا."*ملك*: تراجعتْ خطوة. يدُها على فمِها. *ملك*: "أنت... أنتَ كذبتَ عليّ؟ كلُّ الدموعِ؟ كلُّ الكلامِ في المستشفى؟ في إسطنبول؟"*إيهاب*: "كنتُ بحاجةٍ لسببٍ وجيهٍ لتأتي. ولو قلتُ لكِ تعالي بالقوةِ لهربتِ. ولكنْ عندما يتعلقُ الأمرُ بـ _نبض_... تأتينَ راكضة."*رهف*: من الخلفِ بصوتٍ منتصر "أحسنتَ يا إيهاب."*ملك*: شهقت. الدموعُ نزلتْ ولكنَّها هذهِ المرةَ كانتْ مختلفة. كانتْ دموعَ صدمةٍ لا حزن.*ملك*: "أنا وثقتُ بكَ. تركتُكَ تمسكُ يدي في المستشفى. تركتُكَ تلفُّ الوشاحَ على رقبتي. وأنتَ... كنتَ تخطُ لهذا؟"*إيهاب*: عيناهُ لا ترمش. *إيهاب*: "أنتِ زوجتي. وابني هنا. ومكانُكِ هنا. معي. سواءً رضيتِ أم لا."مدَّ يدَهُ ليمسكَ يدَها.سحبتْها بقوة.*ملك*: صوتُها خرجَ مبحوحاً "لا تلمسني."*إيهاب*: وجهُهُ تصلبَ أكثر "لديكِ خيارانِ يا _ملك_. تبقينَ هنا بهدوءٍ ك
الساعة 12:34 بعدَ منتصفِ الليل. غرفةُ فندقٍ صغيرةٍ في إسطنبول. المطرُ يضربُ الزجاج: *"طق... طق..."*_ملك_ نائمةٌ على الأريكةِ الصغيرة. غطّاها _إيهاب_ بمعطفِهِ قبلَ ساعة.*صوتُ أنفاسِها*: هادئٌ أخيراً بعدَ أيام. *صوتُ كوبِ الشايِ البارد*: على الطاولةِ بجانبِها._إيهاب_ جالسٌ على الأرضِ بجانبِها. ظهرُهُ مستندٌ إلى السرير. عيناهُ عليها. لم ينم.وفجأة...*صوتُ هاتفِهِ*: "ررنن... ررنن..." رقمٌ دولي. نوفاريس.تجمّدَ جسدُهُ. نظرَ إلى _ملك_. ما زالتْ نائمة.ردَّ بهدوءٍ وخرجَ إلى الشرفةِ المغلقة.*إيهاب*: بصوتٍ منخفض "من؟"*صوتٌ من الطرفِ الآخر*: ضعيفٌ، مبحوحٌ، يبكي *نبض*: "با... بابا؟"توقفَ قلبُ _إيهاب_.*إيهاب*: شهق "نبض؟ حبيبي؟ أنتَ بخير؟"*نبض*: صوتُهُ يرتجف "أنا... أنا خايف. المربيةُ نايمة. وأنا... أريدُ أمي."في الداخلِ تحركتْ _ملك_. كأنَّ اسمَها عبرَ المحيطَ ووصلَ إليها.فتحتْ عينيها فجأة. سمعتْ.*ملك*: قفزتْ من مكانِها. حافية. ركضتْ إلى الشرفة. *صوتُ قدميها*: "طب طب" على البلاطِ البارد.*ملك*: تمدُّ يدَها للهاتف "أعطني. أرجوكَ أعطني."_إيهاب_ ترددَ ثانيةً واح
الساعة 12:07 بعدَ منتصفِ الليل. مستشفى خاص - إسطنبول، تركيا. المطرُ يضربُ الزجاج: *"طق... طق... طق"*_ملك_ على السرير. المحلولُ يقطر: *"تقط... تقط"* وجهُها ما زالَ شاحباً من الإجهادِ والجوع._إيهاب_ جالسٌ على الكرسيِّ الملاصق. لم يتركْ يدَها منذُ أن حملَها من مدخلِ البناية.*إيهاب*: بصوتٍ مبحوح "شهورٌ قليلةٌ فقط... ولكنَّها كانتْ أطولَ من خمسِ سنوات."رفعتْ _ملك_ عينيها. فيهما تعبٌ لا غضب.*ملك*: "وقّعتُ على اتفاقيةِ الطلاقِ وحدي. وتركتُها على مكتبِك... وذهبتُ. ظننتُ أنكَ ستوقّعُها في اليومِ التالي وتنتهي."*إيهاب*: ضغطَ على يدِها بقوة "ولم أوقّع. لأنني جبان. لأنني ظننتُ أنَّ عدمَ التوقيعِ يعني أنكَ ما زلتِ لي."سادَ صمت.*صوتُ المطرِ على النافذة*: "ششش" *صوتُ أنفاسِها*: متقطعة.*ملك*: "كنتَ بارداً يا إيهاب. تعودُ منتصفَ الليل. تخرجُ قبلَ الفجر. وأنا... كنتُ أضعُ العشاءَ وحدي وأرفعُهُ وحدي."*إيهاب*: أغمضَ عينيهِ بألم "كنتُ أهربُ من البيتِ لأني لا أستحقُّهُ. ولا أستحقُّكِ. واليومَ عندما رأيتُكِ تسقطينَ... فهمتُ أنني قتلتُنا ببطء."*ملك*: سحبتْ يدَها ببطءٍ م







