LOGINفي صباحٍ مشمس، قررت _ملك_ أن تكافئ نفسها وأبناءها. "اليوم لن نطبخ، ولن نراجع واجبات... اليوم سنذهب إلى المكتبة."فرح _نبض_ وصفقت _تالين_ بيديها الصغيرتين.دخلوا المكتبة. الهدوء احتضنهم. رائحة الكتب القديمة والجديدة امتزجت مع صوت صفحاتٍ تُقلب.رفعت _ملك_ رأسها ونظرت إلى الرفوف العالية. كتبٌ عن التاريخ، عن الفلسفة، عن رواياتٍ لم تقرأها منذ زمن. جلست في زاوية قرب النافذة، والشمس تدخل على الطاولة الخشبية. فتحت روايةً كانت قد أجلتها لشهور. ولأول مرة منذ سنوات، قرأت دون أن تلتفت خلفها خوفًا.أما _نبض_ فذهب مباشرة إلى ركن الكتب العلمية. سحب كتابًا عن الفضاء والكواكب، وجلس على الأرض يقرأ بتركيزٍ كأنه عالمٌ صغير.و_تالين_ وجدت كنزها. ركن القصص المصورة الملونة. جلست على السجادة، وفتحت كتابًا عن أميرة وشجرة تتكلم. كل صفحة تقلبها تصفق وتقول بصوتٍ منخفض: "ماما انظري!"اقتربت _ملك_ منها بين الحين والآخر، تحتضنها وتقبل رأسها، ثم تعود إلى كتابها.مرت ثلاث ساعات دون أن يشعر بها أحد. لا هواتف ترن، ولا مشاكل تُحل، ولا أصوات عالية.فقط: _ملك_ مع كلماتٍ تبنيها من جديد. _نبض_ مع نجو
لم تنتظر _ملك_ الصباح.في الفجر، حقيبة صغيرة في يد، _تالين_ نائمة على كتفها، و_نبض_ يجر حقيبته بنفسه. لا دموع. لا وداع طويل. فقط جملة واحدة قالتها قبل أن تغلق الباب:"أحتاج هواءً لا يخنقني."الطائرة أقلعت. ومن خلف الزجاج، كان هناك رجلان يقفان بعيدًا عن بعضهما._يوسف_... يراقب الطائرة وهي تصعد. يديه في جيبه. لم يطلب منها البقاء، لكنه لم يغادر المطار إلا بعد أن اختفت عن الأنظار. همس لنفسه: "اذهبي وابني نفسك. سأكون هنا إن احتجتِ ظلًا."_إيهاب_... كان في الجهة المقابلة. لا يقترب، لا ينادي. فقط عينان متسمرتان على _ملك_ وهي تودع الأرض التي كسرتها. صدره يحترق. يريد أن يركض، أن يصرخ "لا تذهبي". لكن صوتها "أحتاج أن أتنفس بعيدًا عنك" كان لا يزال يجلد أذنه._نبض_ جلس بجانب النافذة. لأول مرة منذ شهور ظهره مستقيم. _تالين_ نامت في حضن _ملك_. و_ملك_... أغلقت عينيها. ولأول مرة منذ زمن طويل، تنفست بعمق بلا خوف.الاثنان لم يتحركا حتى اختفت الطائرة في السماء._يوسف_ التفت ومشى. _إيهاب_ بقي واقفًا دقيقة أخرى، ثم سار كمن خسر شيئًا لا يعرف كيف يستعيده.المدينة التي تركتها _ملك_ صارت أصغر.
للم يبقَ أحدٌ لم يجرب مع _نبض_. إلا _ملك_. وقفت عند باب غرفته وقلبها مثقل: "نبض... افتح يا حبيبي." صمت. "أعلم أنك غاضب ومتعب. وأنا أيضًا. لكن إن لم نتمسك ببعضنا سنضيع." انفتح الباب. خرج _نبض_ وعيناه منتفختان من البكاء: "تعبت يا أمي... من كل شيء." فاحتضنته _ملك_ بقوة، ومسحت على رأسه. ولأول مرة منذ شهور عاد صوتها دافئًا حقيقيًا. وفي تلك اللحظة دق الباب. دخل _يوسف_. الرجل الذي عرفها في _كيثيرا_. الذي كان رفيق دربها، وسندها، والذي طلب يدها يومًا ورفضت لأن قلبها كان مع _إيهاب_. بمجرد أن رأته _ملك_ تجمدت، ثم ارتجفت ابتسامة على شفتيها لم تظهر منذ زمن. "يوسف؟" "ملك..." قالها بلهفة رجلٍ لم ينسَ. ركض _نبض_ إليه وارتمى في حضنه: "عمو يوسف! أخيرًا!" كان يذكره... كان يزورهم في كيثيرا ويحكي له الحكايات. امتلأ البيت فجأة بالحركة. _يوسف_ يحمل _تالين_ ويضحكها، ويسأل عن _ملك_، وعيناه لا تتركها. و_ملك_... ضحكت. وتكلمت. وسألت. وتحركت. عاد إليها لونها وصوتها وخفّة روحها. لكن في الركن المقابل وقف _إيهاب_. يراقب. يراقب كيف ابتسمت له. كيف ردت عليه ب
في المطبخ، كان _نبض_ يغسل الصحون بعنف. كل صحن يرتطم بالآخر كأنه يفرغ غضبًا لا اسم له. دخل _إيهاب_، وقف عند العتبة يراقب._إيهاب_ بهدوء مصطنع: "خفّض صوتك. ستوقظ أختك."انفجر _نبض_. رمى الإسفنجة في الحوض والتفت بعيون محمرة: "تتحدث عن الصوت الآن؟! أين كنت عندما صارت أمي تمثالًا من حزن؟! أين كنت وهي لا تأكل ولا تنام ولا تتكلم؟! تراقبها فقط... شوقًا وغضبًا... كأنها لوحة على الحائط!"اقترب خطوة، وصوته يرتجف: "نحن ننهار هنا يا أبي! وأنت واقف تتفرج!"_إيهاب_ قبض على فكه. أراد أن يرد، أن يصرخ، أن يضرب. لكنه رأى في عيني ابنه انعكاس عجزه. فصمت. كان الصمت بينهما أثقل من كل الشتائم.قبل أن يهدأ الغبار، جاء الصراخ من الغرفة."أبيي!" ركض _إيهاب_ و _نبض_ معًا. كانت _تالين_ تتقلب على السرير، وجهها أحمر، وجسدها الصغير يرتجف بحرارة. تبكي بلا صوت، فقط أنينٌ مكسور._إيهاب_ حملها مذعورًا: "تالين؟ حبيبتي؟"لكنها لم تهدأ إلا بين ذراعين لم تحتضنها منذ شهور.دخلت _ملك_.لأول مرة منذ زمن، تحركت بسرعة. سحبت _تالين_ من بين يديه دون كلمة. جلست على الأرض، وضمتها إلى صدرها. بدأت تهزها، وتمسح على ظ
البيت كله كان صامت... بس الصمت هذا كان أخطر من الصراخ. _ملك_ قاعدة جنب الشباك من الصبح. ما أكلت، ما نامت. الحزن اترسم على وجهها وبقى ملازمها. عيونها فاضية، كأنها بتبص لعالم لا احد احد يراه غيرها. في الصالة كان الصوت عالي. _آدم_ بعصبية وضرب على الطاولة: "كفاية سكوت! إنت السبب في كل هذا يا _فارس_! من يوم ما دخلت حياتنا وإحنا بنغرق!" _فارس_ كان واقف، إيده مرتعشة، وعينه على _ملك_ اللي ولا كأنها سامعة: "وأنا ماذا أعمل ؟ أتركها تموت؟ إنت الذي أبتعدت، وإنت الذي تركتها تختار بين كرامتها وابنها!" _آدم_ قرب منه وصرخ: "اختيار؟! هذه ليست اختيارات هذه أحكام إعدام! تراها؟ ترى الحزن الذي قتلها؟" _ملك_ غمضت عينيها. همست لنفسها: "الموت مرتين... مرة لما ابعدوا عني ابني، ومرة لما خيروني بينه وبين نفسي." _جيكوب_ دخل جري وحضن رجل _ملك_: "خالتي بتبكي ليه؟" في اللحظة هذه كل حاجة وقفت. _آدم_ سكت. _فارس_ نزل على ركبته جنبها. _فارس_ بهمس مكسور: "ملك... ردي عليّ. حتى لو هتشتميني. بس لا تتركيني هكذا." _ملك_ فتحت عينيها ببطء، ونظرت له نظره واحدة... نظره فيها ألف وجع، وبعدين رجعت تنظر للشباك.
مكان مغلق، الإضاءة خافتة. يجلس _إيهاب_ مقابل _نبض_ على طاولة، وقد وضع أمامه طعاماً ولعبة. *إيهاب* بصوت متوسل: "انظر يا نبض... أنا أبوك. هيا نبدأ من جديد، ونعيش معاً. سأجعلك سعيداً، أقسم لك" يلتفت _نبض_ بوجهه إلى الجهة الأخرى، وعناده واضح في عينيه الممتلئتين بالدموع التي يحبسها. *نبض*: "أنت لست أبي... أبي هو فارس. وأمي هي ملك. أريد أن أعود إليهما" يدفع الطبق بعيداً عنه. يضع _إيهاب_ يديه على رأسه في يأس... عاجز عن الوصول إلى قلبه. قطع سريع. _فارس_ في الكشك يذرع المكان ذهاباً وإياباً، يمسك الهاتف ويتصل. *فارس* بغضب مكتوم: "إيهاب، أين نبض؟ أعلم أن لك يداً فيما حدث" *إيهاب* بصدمة وألم: "أنا؟! أنا أبحث عنه مثلك! والله لم أخطفه... لا أعلم أين هو. أنا أبوه، لماذا أفعل ذلك؟" يرتجف صوته. يغلق _فارس_ الهاتف بعنف. كانت _ملك_ تسمع كل شيء. عبارة "لا أعلم أين هو" نزلت عليها كالسكين. خارت قواها. أمسكت بقلبها. *ملك* بهمس متهدج: "ضاع... حتى أبوه قد ضيعه" تلمع عيناها ثم تغمضان... وتسقط أرضاً. يصرخ _جيكوب_: "أمي!" يحملها _فارس_ بسرعة، ويضع الكمادات على وجهها. لكن _ملك_ لا







