ログインلم تكن ملك تائهة بين رجلين في بيتٍ هادئ. كانت تائهة بينهما في قلب عاصفة.كان القارب الرمادي يتمايل. يضرب الموج جانبه كأنما يريد ابتلاعه. وكان الماء يتسرب من بين الألواح، خفيفًا في البدء، ثم صار نهرًا صغيرًا يجري تحت قدميها.كانت جالسة في الوسط، يداها مربوطتان بحبل رفيع إلى العمود الخشبي. لم يكن الربط سجنًا أراده، بل خوفًا منه أن تسقط في البحر حين فقدت وعيها. هكذا قال. وهي لم تعد تعلم إن كانت تصدقه أم لا.كان إيهاب أمامها، يثبّت الشراع بيد، ويسد الثقب بقطعة قماش باليد الأخرى. جبينه مجروح، والدم يختلط بماء المطر.ومن خلف الضباب، كان ضوء أزرق يقترب.قارب «نبض».صقر يقترب.صرخت ملك، والمطر يضرب وجهها:«إيهاب! القارب يغرق!»قال إيهاب وهو لا ينظر إليها، بل إلى البحر:«أعرف. ولن أدعكِ تغرقين.»قالت:«أنت من أحضرني إلى هنا! أنت من جعلني أغرق!»توقف لثانية. نظر إليها. وفي عينيه لم ترَ رجلًا يريد أن يملكها. رأت رجلًا خائفًا أن يخسرها، فأغرقها معه.قال بصوت مكسور، يكاد يضيع بين صوت الريح:«أنا لم آخذكِ لأخسركِ. أنا أخذتكِ لأني كنت أخسركِ كل يوم وأنتِ بجانب صقر. كنت أراكِ تأكلين، وتضحكين، وتثقين
لم يكن سرابًا.استيقظ صقر فجأة، كأن يدًا خفية انتزعته من أعماق نومه وألقته في واقع لم يكن مستعدًّا لمواجهته.كانت يده لا تزال ممدودة إلى جوار الوسادة، تتحسس الموضع الذي اعتاد أن يجد فيه المفتاحين.لكن أصابعه لم تلامس سوى برودة الغطاء.فتح عينيه ببطء.تأمل السرير.فارغ.لا ملك.لا نبض.ولا حتى صوت أنفاسها الهادئة التي كانت تملأ المكان بالحياة.اعتدل جالسًا، ثم مرر يده على وجهه محاولًا استيعاب ما يحدث.«ملك؟»لم يجبه أحد.نهض بسرعة، وتفقد الغرفة، ثم الحمام، ثم الممر.«ملك!»خرج صوته أعلى هذه المرة.ظهر ليث عند مدخل الغرفة، وكان يحمل مصباحًا صغيرًا.«ما الأمر؟»لم يجبه صقر. كان ينظر إلى النافذة المفتوحة، وإلى الستارة التي تتحرك مع هواء الصباح.اقترب ليث، ثم توقف فجأة.«ما هذا؟»على الأرض، بالقرب من باب الشرفة، ظهرت آثار حذاء ثقيل. لم تكن من آثار أحذية أهل كابسالي؛ فقد كانت أنيقة، ذات نقوش فضية دقيقة، من النوع الذي يرتديه رجال العاصمة البلورية.تتبع ليث الآثار بعينيه.أثر يدخل الغرفة، وآخر يخرج مسرعًا، وبينهما أثر خفيف لقدم حافية.قدم جرى سحبها.انحنى ليث ولمس الأرض بأصابعه، ثم رفع رأسه ب
انفتح الباب بقوة.لم يكن دخول مبارك. كان دخول رجل يريد أن يوقف شيئاً قبل أن يكتمل.دخل إيهاب. يحمل ابنته تالين بيد، بفستانها الوردي الصغير، لا تفهم شيئاً مما يحدث، ويمسك بيد نبض باليد الأخرى. نبض ببدلته السوداء الصغيرة التي تشبه بدلة أبيه، وجهه شاحب، مرتبك.توقف المأذون، وبقي القلم معلقاً فوق الورقة.قال إيهاب، وعينه ليست على صقر، بل على ملك مباشرة:"لا تكتب."تجمّدت القاعة.وقف صقر، ويده لا إرادياً امتدت أمام ملك، كحاجز يحمي.قال صقر بهدوء خطير: "إيهاب، هذا ليس مكانك."قال إيهاب: "مكان ابني هو مكاني."ثم أنزل تالين، وجثا على ركبتيه أمام ملك ونبض. لم ينظر إلى صقر، كان ينظر إلى ملك فقط، كأنها وحدها تفهمه.قال بصوت سمعه الجميع:"أنا لم آتِ لأخرب. أنا أتيت لأني خائف. طوال شهرين وأنا أقول لنبض: ماما ستعود. وأنا أكذب. أنا لا أعرف أين هي. أم نبض... طليقتي، لا تزال في قلبي، ولم أخبر أحداً. كنت أظن أنني لو زوجت ملك لرجل يستحقها، سأرتاح، وسأنسى أنني لا أزال أريد أن يعود بيتي الأول. كنت جباناً."رفع رأسه، وعيناه محبوسة بالدموع:"لا تبدأي بيتاً جديداً وأنا أكذب على الجميع."في تلك اللحظة، لم تعد
في الغرفة فوق الفرن، لم تقل ملك نعم، ولم تقل لا.ظلت واقفة، والمفتاح والرغيف في كفها. كفتها التي كانت ترتجف قبل قليل، صارت ثابتة، ثقيلة.نظرت إلى صقر. ذلك الرجل الذي لم يصرخ عليها يوماً، ولم يقل لها "أنتِ لي"، بل قال "لكِ بيت".ومع ذلك، خافت.قالت بصوت خافت، كأنها تحدث نفسها أكثر مما تحدثه:"أخاف."قال ليث من عند النافذة: "ممن؟ رعد رحل."هزت رأسها.قالت: "لا. أخاف من الموافقة."جلست على الأرض، وضمت ركبتيها، والعباءة السوداء التفّت حولها كأنها تحمي نفسها من كلامها هي.قالت: "إن قلت نعم، فأنا أخاف أن أكون قد هربت من رجل كان يقول لي أنتِ ملكي، إلى رجل يقول لي لكِ بيت. والبيت جميل، لكنه أيضاً قفل. وأنا... أنا قضيت عمري أهرب من الأقفال."ثم رفعت رأسها، وعيناها ممتلئتان بدموع لم تنزل:"وإن قلت لا... فأنا أخاف أن أبقى وحدي. أنا لا أريد أن أبقى وحدي. كلما بقيت وحدي، أسمع صوته..."قالت "صوته" ولم تحدد. كان صوت إيهاب وصوت نبض يأتيان معاً في وحدتها.اقترب صقر، لكنه لم يجلس بجانبها. جلس أمامها، على مسافة، حتى لا تكون محاصرة.قال: "أنا لا أريد جواباً الآن. ولا أريد جواباً غداً. أنا أريدكِ أن تأكلي
خرج ليث وصقر مسرعين من الزقاق، وذابا في زحام كابسالي.وبقيت ملك وحدها فوق الفرن.لم تبكِ. فتحت كفها، نظرت إلى المفتاح الحديدي البارد، ووضعته بجانب الرغيف الحار.وصارت تعد الدقائق، وتنظر إلى النافذة، وتهمس لنفسها كي لا يسمعها صمت الغرفة:"ساعة وتسع وخمسون دقيقة... ساعة وثمان وخمسون..."---في الأسفل، كان زحام كابسالي يغلي كقدر كبير.رعد وثلاثة من رجاله يمشطون الأزقة. لا يسألون، بل ينظرون. عين على السطوح، وعين على الأفران.لمحهما ليث أولاً من طرف السوق. شد طرف عباءة صقر وهمس:"لا نهرب. سنجعلهم هم من يهربون إلى المكان الخطأ."أومأ صقر دون كلام. كان يفهم جنون ليث دائماً.وقف ليث وسط السوق، وخلع عنه هدوءه، وصرخ صرخة رجل رأى النار بعينه:"يا أهل السوق! النار! الفرن الذي خلف سوق النحاس انفجر! النار اشتعلت!"توقف السوق لنبضة واحدة، ثم انفجر الناس ركضاً عكس اتجاه رعد. في اللحظة ذاتها، كان صقر قد أشعل كومة قش رطبة خلف الحمّام، فارتفع منها دخان كثيف أسود، له رائحة الخوف نفسها.اضطرب رعد. صاح في رجاله:"سوق النحاس! ليست هنا! إنهم أخذوها إلى هناك!"تردد أحد رجاله وقال: "لكن قيل لنا إنها فوق الفرن.
في شقته الفاخرة في العاصمة البلورية، كان الهدوء قاتلاً.كان *نبض*، عشر سنوات، جالساً على طرف سريره الصغير. ركبتاه بارزتان، وقميصه صار واسعاً عليه. وزنه نقص بشكل يقلق، ليس لأنه لا يجد طعاماً، بل لأنه لا يجد يداً يألفها.هو ابن ملك. نفس عينيها الهادئتين، لكنه الآن يحمل عصبية أبيه دون أن يريد.دخل إيهاب يحمل صحن حساء. كان يحاول أن يكون أباً حنوناً، لكنه لم يتعلم يوماً كيف يخفض صوته. حتى همسه يبدو صراخاً.قال: "هيا يا بطل، ملعقة واحدة فقط من أجل أبيك."لم يرد نبض. كان ينظر إلى الباب، كأن أحداً سيطرق في أي لحظة.قال بصوت صغير متعب: "أريد ماما."تصلبت يد إيهاب على الصحن. تلك الجملة التي كان يهرب منها منذ شهرين.قال إيهاب، وحاول أن يتمالك عصبيته: "ماما... ستعود قريباً. رعد يبحث عنها في كيثيرا و كابسالي."هنا انفجر نبض، بتمرد طفل في العاشرة لا يفهم الطلاق ولا يفهم الهروب:"أنت الذي تركتها! أنت كنت تصرخ عليها كل يوم! أنا سمعتك! سمعتك تقول لها أنتِ ملكي! هي ليست شيئاً تملكه! هي أمي! ولذلك هربت! ولذلك أنا لا أريد أن آكل من يدك أنت!"ودفع الصحن بخفة، وقال جملة قطعت قلب إيهاب:"بطني يوجعني بدونها.







